السجون الفكرية في عقود الجهل – خلود حدق

السجون الفكرية في عقود الجهل – خلود حدق

السجون الفكرية في عقود الجهل
لم تكن المدرسة الخاصة التي نشأت بها مدرسة مثالية، على الرغم من أنها المدرسة الخاصة الوحيدة في المدينة أنذاك ، لكنها على الأقل لم تكن كتلك المدرسة الحكومية التي انتقلت إليها في المرحلة الإعدادية، والتي صنعت منعطفا كبيرا في حياتي .
كانت المدراس الحكومية في سورية بشكل عام تؤسس على أنها سجون ليس إلا ، سجون فكرية ، إبتداء من هيكلها وبنائها وانتهاء بمنهجيتها التعليمية والتربوية .
بناء مسور بسور عالٍ يعلو السور شبكاً شائكاً لمنع هروب الطلاب ، على السور الخارجي تطرش أقوال الأب القائد : ” اجلسوا مع الأطفال ، العبوا معهم ، تعلموا منهم و علموهم ” مثلاً
و الذي يقصد هنا : “إياكم أن ترفعوا رؤوسكم انحنوا كالأطفال المعنفين ، علموا أطفالكم الخنوع و تعلموا منهم الإستسلام “
كان ليومي الأول في المدرسة الحكومية مشاهد لا تمحى ، دخلت إلى المدرسة من باب أسود صغير، فوجدت جموع طالبات يرمقنني بنظرات غريبة وخاصة أن شكلي وملابسي لا توحي أبداً أني أعيش في هذا الحي ، سيطر الخوف علي ، أحسست أن جدران المدرسة تتراكم فوق صدري تكاد تخنقني ، إلا أن كسرت إحدى قريباتي حاجز الصمت مقبلة علي ، لتمسك بيدي و تجرني كنعجة لم تعي بعد مايحصل حولها ،وأخذت تدور بي أرجاء المدرسة معرفة إياي على دهاليزها ، كانت فعلاً أقرب لدهليز لم أعرف حينها إلى أين سيودي بي ، كانت جميع الجدران يعلق عليها صور الأب القائد والشهيد الباسل والوريث المهيأ للحكم ، كنت أحس بأعينهم تراقب عن كثب نشأة جيل من الخانعين على الرغم من أنهم مجرد صور .
على الرغم من عدم وعيي الكامل في ذاك السن المبكر إلا أنني تمكنت بعد مدة من تهجئة المؤامرة التي كانت تحاك للسيطرة على فكر شعب بأكمله ابتداء من الهيكل التعليمي .
جميع الفتيات كن يرتدين الزي العسكري أومايعرف بالفتوة أنذاك ، الذي أسائني يومها أن الجميع كان يسأل لماذا لست محجبة ، كم هائل من تطرف كانت تحمله تلك المدرسة و مثيلاتها في كل منطقة حسب الديموغرافيا التي تحملها .
كانت لعبة التطرف تحاك من الغرفة السرية التي اكتشفتها لاحقاً عبر طالبة تدعى بسمة ، كانت تلك الطالبة تدّعي الدين والتدين ، وتدعي الطالبات لترك سماع الموسيقى لأنها حرام وتحاول هداية الطالبات و الدعاء لهن و تحاول أيضاً التأثير على الطالبات لدرجة تصل إلى مقاطعة كل طالبة لا تروق لها بحجة أنها ضالّة عن الدّين ( و أنا أولهن ) وتحاول جاهدة حثّ الطّالبات على التّمسك بالحجاب في الحصص التي يدرِس فيها أستاذ ( أي معلم ذكر ) الأمر الذي كانت تحاربه الإدارة بشدة ويبقى الأمر بين الصّراع و الشجب بين الطالبات و الادارة ليصل الأمر إلى الرضوخ لأمر الإدارة وإصدار العقوبة أو الفصل .
يوم أكتشف أن بسمة تلك لاتصلي وتسمع الأغاني و تذهب لحفلات الأعراس ، و اكتشفت أيضاً يوم مررت بمحض الصّدفة من أمام غرفة المدرسات بعد انتهاء الدّ!وام لأنني نسيت لوحتي عند أستاذ الرسم ، سمعت اتفاق وتجنيد بسمة وأمثالها لتأجيج حس التّمرد عند الطالبات والتلذذ فيما بعد بقمعه و إعلان النصر على ذاك التمرد المختلق و كسر شموخ أي فتاة تحاول التّحدي .
لم يكن ذاك الأسلوب الوحيد المتبع لتحطيم الرغبة في المعرفة لدى الطالبات ، بل من الأساس كان فساد المعلم و تحطيم رمزيته كمربي ، فالمعلم في مدارس الأسد كان جاسوساً جلاداً هداماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى إلا من رحم ربي .
الأستاذ الذي يملك في صدره ذاك المسمى بالضمير و الذي يحث الطلاب على المعرفة والتفكير والتنوير
يدعى محرضاً و الأستاذ الذي يستهزء بالطالب و يحقره و يصغره و يدعوه بأفعاله للهرب من التعليم هو من يستحق الثناء فتلك الأسلاك الشائكة التي كانت تحيط بالأسوار ليست إلا دعوة ملحة للهرب من السّجان و ليس ذلك فحسب بل إن اعتمادهم على حارس يباع من الطالب بأبخس ثمن بحيث لايحتاج الطالب لتسلق السور أو اختراق الأسلاك الشائكة كان كفيلاً بكشف حقيقة ذاك السور الوهمي وعلة وجوده .
في السّاحة الخالية من أي ركن يدل على وجود صرح تعليمي ( رياضي ، موسيقي ، فكري ، تعليمي) لاشيء سوى ساحة رمادية عتمة ، يصدح صوتها بالصراخ :” انتبيييييييييه ” مدربة الفتوة أو مايسمى بالتربية العسكرية .
الجميع يصطف كخلية النحل المذعورة ليحيي العلم تمر بين الصفوف لتلمح أي خرق للقوانين لتصب جل غلها عليه .
بلوزة زرقاء لمحتها من تحت اللباس الرسمي كان كفيلاً فصفعي كفين على وجهي ونظرة احتقار من عينين محمرتين كعيني ثمل أبله ، دافعت عن نفسي بقولي بأن الجو باردة و البلوزة غير ظاهرة فكانت الصفعة الثالثة بانتظار وجنتي الباردتين لتسري بهما جمرة القهر .
لم تتوقف القضية عند الصفع، فللقمع في تلك الأركان بقية ، الزحف على الأيدي من أول الساحة إلى نهايتها كانت كفيلة بسحق أي فكرة تمرد مجنونة .
أمّا التّحصيل العلميّ فكان آخر إهتمامات المدرسة ويقال للطلابات بملء الفم بأن التعليم هنا ليس إلزاميا تستطيع أي فتاة الذهاب إلى منزلها دون عودة ، ومن أختارت البقاء و الصمود فعليها أن تنتهج الصمت و التجاهل ، الأمر الذي أنشأتني عليه والدتي لكنني تمرد عليه فحلت الكارثة .
عندما كنت أعترض و أشكو لأمي كانت تحذرني ملياً من أتفوه بأي شي و تجنيد الجاسوسات في عهد الأسد كان مكشوفاً للجميع ، كنت أوافقها على مضض .
إلى أن أتى اليوم الذي حذرتني فيه المديرة من الأقتراب من الأستاذ الشاب بحكم تميزي و ابداعي في مادة الرسم وصل بها الأمر لقذفي بكلمات معيبة الأمر الذي كان مشاعاً بين المعلمين عامة .
عندها لم أستطع التحمل ، أحسست بإهانة كبيرة طالت طفولتي و أنا مازلت ابنة أربعة عشر عاماً
على الرغم من توسلات بعض صديقاتي لأرضخ فلم تعتد إحداهن على التماس كرامتها التي تهان يوميا
فصلت من المدرسة ،تحت سيل من التهديدات لكون المديرة لها ارتباطات استخباراتية .
و هكذا انتهت حكايتي مع سجن من سجون الأسد ،الذي بقي لعقود يسجن تتباع أجيال من السوريين ، و يكم أفوههم و يأدلجهم على الخنوع ، و لإمتهان سياسته ذلك ظن أنه نجح بالمهمة نجتحاً ساحقاً لكن الصدمة كانت أن من سجن أحلامهم و أبداعهم و حريتهم و طفولتهم لعقود هم نفسهم من حركوا ضده أقوى ثورة شهدتها البشرية في العصر الحديث .

  • Social Links:

Leave a Reply