مات سعد الله لكن كلماته لم تشخ_جمال سعيد

مات سعد الله لكن كلماته لم تشخ_جمال سعيد

مات سعد الله ولكن كلماته لم تشخ بعد ” نحن الجنازة والمشيعون “عنوان مقال لسعدالله ونوس، نشرته السفير البيروتيه في 29/10/1978، وجاء فيه: (بعض مني في التابوت، وبعضي الآخر يجرجر وراءه الأذيال. إيقاع موكب الجنازة هو الزمن-التاريخ. والأيام تتزحلق رخوة ثم تغوص كخطواتنا في الرمل والحزن. لو ان الإذاعات تكف عن عوائها ولو أن حناجر المرتزقة من المغنين تنقطع حبالها، لو انهم يقتصدون في الخطب والزغاريد لتسبغ مهابة الصمت على موكبنا بعض الجلال. في التابوت وطن وقضية وأماني عمر. اضمحل العمر وأنا أحلم أن أقول لا للوطن السجن، لا لتحديث وسائل التعذيب والتدجين. لا للدجل للتجهيل للتمييع للتجويع للمذابح للمجازر . أردت وأريد أن أقولَ: لا، وأبحثُ عن لساني فلا أجد إلا رغوة من الدم والرعب. وإلى أن أسترد لائي المقموعة ستظل الجنازة تمضي ونحن نجرجر وراءها الأذيال) يصلح الكثير من هذا المقال بعد 38 سنة من كتابته ليصف حالي وربما حالنا نحن الذين ندور في جحيم المجازر التي يُعيد مختلف أصناف المستبدين إنتاجها بما يملكون من أسلحة وانحطاط وسجون. أو لأقل نحن الذين نريد أن نستعيد ألسنتنا، لتزهر “اللا” وطناً طافحاً بالحرية والعدل والحب. منذ 38 سنة زرت سعد الله ونوس في مكتبه في مسرح القباني، وقرأ لي مقطعاً من الهجوم الذي شنته جريدة “نضال الشعب” على مقاله واختارت عنواناً طناناً للهجوم على سعدالله وهو: لا هواده إنها حرب لا جنازة! وكالعادة يتهم المقال سعدالله بأنه مثقف إلى يأس المثقف البرجوازي الصغير سعدالله بأنه مثقف! أما كاتب المقال فهو السياسي المخضرم و”ملك التكتيك” الملتحق بالدكتاتورية العسكرية!. قال الرجل بأسى: لقد تم تدجينهم إلى درجة ستجعلهم يكتفون في مقبلات الأيام بالدفاع عن تدجينهم. طبعاً حققوا له تلك النبوءة فهم لا يزالون يقولون: لا هوادة! ويغطون بقولهم ما ينتجونه من خواء . أتذكر الآن ما قالته سيمون ديبوفوار على لسان أحد أبطال روايتها “المثقفون” :”نعم أنا مثقف ويغيظني أن نجعل من هذه الكلمة شتيمة”. من جهتي أرى أن ما قدمه سعدالله ونوس أهم مما قدمه الحزب الذي كان يصدر تلك الجريدة. ولا أزال أرى في سعدالله واحداً من أهم أساتذتي . لقد ساهم الرجل في كل مرة ألتقيه فيها وفي كل مرة أقرأ له فيها بصياغة روحي ووجداني. وأفتقده أكثر كلما ازدادت الحياة الثقافية والسياسية حلكة. أفتقده كلما رأيت علمانياً شيوعياً أو ليبرالياً يلتحق بقوة مستبدة مدعياً أن المرونة والمرحلة تقتضيان أن نطمس ملامحنا لصالح هذا الهمجي أو ذاك. وأتذكره كلما رأيت مثقفاً يهرب من الأسئلة الجوهرية التي يطرحها علينا واقعنا بكل ما فيه من مرارة .

  • Social Links:

Leave a Reply