العروة الوثقى المستهدفة في كفاح الشعب السوري – د . حبيب حداد

العروة الوثقى المستهدفة في كفاح الشعب السوري – د . حبيب حداد

العروة الوثقى المستهدفة في كفاح الشعب السوري
د . حبيب حداد
العروة الوثقى في كفاح الشعب السوري للخلاص من المأساة التي يعيشها والتحرر من حياة الاستبداد والإرهاب والإستلاب واللحاق بمستوى العصر هي بلا شك وحدته الوطنية التي تمير بها على الدوام والتي ليست هي اليوم في أفضل أحوالها . بل ان هذه الوحدة الوطنية بمضمونها وحيويتها المتجددة والتي أعطى فيها الشعب السوري القدوة والمثال لكل الشعوب العربية الأخرى ,ليست هي اليوم في مستوى الحد الأدنى المطلوب وخاصة في مثل هذه الظروف الصعبة والتحديات المصيرية التي تواجهها بلادنا . هذا هو الواقع الذي ينبغي الإعتراف به كي ندرك ونحدد طبيعة المسؤوليات وخطورة المهمات التى تلقى علينا في هذا المجال , ولا يغير من حقيقة هذا الواقع المعاش أو يهون من خطورة ظاهرة الإنشطار والتمزق الحاصل في نسيج المجتمع السوري ذلك الخطاب الديماغوجي الشعبوي الطائفي اللاعقلاني الذي تستخدمه مع الأسف معظم المعارضات السورية في الخارج , والذي ما يزال منذ سنوات خمس يثقل اسماعنا , في الوقت الذي لم تكن لتربطه بالمصلحة الوطنية أية رابطة نتيجة قصور الوعي الذي يصدر عنه في بعض الأحيان ,أونتيجة ارتهان أصحابه لارادات الدول الاقليمية والخارجية في غالب الأحيان .
ماالذي أوصل الوحدة الوطنية السورية الى هذه الحال من التشظي والتداعي والهوان ؟ حتى بات الحديث اليومي عن مشاريع تقسيم وطننا الى دويلات وامارات ,وحتى تعديل أو تغيير حدودها مع دول الجوار أمرا مألوفا ,بعد ان تعودنا طوال السنوات الماضية على سماع حجم الدمار والخسائر اليومية التي تلحق ببنى المجتمع السوري وعلى ارقام الضحايا البشرية التي تطالعنا بها نشرات الأخبار في الفضائيات ووسائل الإعلام من كل المصادر والتوجهات ؟. هل كان يتوقع حتى اكثر المتشائمين ,وحتى اكثر الحاقدين ,على سورية التاريخ والحضارة والعروبة , ان تصل أحوال بلادنا الى هذا الدرك العميق من الضياع و مخاطرتدمير الذات ؟ وقبل ذلك كله فاننا نعتقد ان كل سوري لا بد ان يواجه نفسه في كل يوم بالسؤال التالي وهو : اذا كنا متفقين ان نظام القهر والاستبداد والفساد هو المسبب الرئيسي لما وصلت اليه بلادنا من تخلف وتراجع ودمار وعلى اكثر من صعيد , واذا كنا متفقين ايضا ان مختلف دول العالم تتعامل مع قضايانا وقضايا غيرنا على اساس مصالحها بالدرجة الأولى ,وان اشد مايمكن ان نقع فيه من اخطاء وما يلحق بنا من أضرار هو استمرارنا في محاكمة سياسات هذه الدول تجاهنا وتجاه غيرنا على اساس المبادئ والقيم والمواثيق والعهود بدل ان نعي طبيعة استراتيجيات هذه الدول ومصالحها الحيوية في منطقتنا واين يمكن ان تتعارض او تتوافق مع مصالحنا , اذا كنا متفقين في كل ذلك فأين هي مسؤوليات المعارضات السورية في الوصول الى هذا الواقع وخاصة منها تلك التي اعطت لنفسها وحدانية شرعية تمثيل الشعب السوري وثورته بعد ان اسهمت تلك المعارضات بقسطها الكبير في عسكرة الثورة وتدويلها وارتهان قرارها وحرفها عن مسارها الصحيح وتشويه هويتها لتأخذ الآن بفعل كل تلك العوامل طابع الحرب المذهبية والأهلية بكل أبعادها الاقليمية والدولية المتداخلة ؟.والأدهى والأمر من كل ذلك ان تلك المعارضات وعلى امتداد الأعوام الماضية لم تتخذ اي موقف جاد يتسم بأي قدر من المسؤولية كأن تقف مثلا ولومرة واحدة وقفة تقييم ومراجعة لأدائها وحصيلة عملها فتصارح شعبها بما حققته من انجازات وما ارتكبته من اخطاء وخطايا وانحرافات وماهي بصدد القيام به لتصحيح هذا الوضع , .أوهل انها ارتفعت الى مستوى الوعي المطلوب بالتوقف عن حديثها المكرر والممجوج بان فشلنا حتى الأن راجع الى تخلي المجتمع الدولي عن مسؤولياته تجاهنا وتخليه عن وعوده وعدم استجابته لرغباتنا وتلبية طلباتنا !!! وهل انها اقتنعت نتيجة تجارب السنوات الماضية بان قاعدة الانطلاق الوحيدة والمأمونة لتحقيق تطلعات شعبنا المشروعة هي الاعتماد أولا على القدرات الذاتية لهذا الشعب وان بوصلة المسار الصحيح الذي يحشد تلك القدرات بكل الوعي والفعل المطلوبين هي الوحدة الوطنية التي افتقدناها اليوم وهي العروة الوثقى التي ينبغي ان نستعيدها ونحرص على التمسك بها وصيانتها حرصنا على وجودنا ومستقبلنا الذي نطمح اليه والذي نحن جديرون بصنعه .
لقد ادى تدمير الوحده الوطنية لشعبنا وطعن وتشويه الهوية الوطنية السورية الى امتحان مصيري نعيشه اليوم وهي ان اي حل سياسي يطرح لانهاء المعضلة السورية ينبغي ان لا يستهدف فحسب ايقاف هذه الحرب العبثية المدمرة ومن ثم تغيير سلطة بسلطة او نظام بنظام بل ان تكون هذه خطوات واهداف مرحلية من اجل تحقيق الغاية الأهم وهي ان تؤدي من حيث النتيجة الى استعادة الشعب السوري ذاته من خلال استعادة وحدته الوطنية التي بنتها مكوناته عبر آلاف السنين ويستعيد هويته الحضارية الإنسانية ودوره المنتظر على الصعيدين العربي والعالمي . كما ادى تدمير الوحدة الوطنية واغتيال اهداف الثورة السورية وتشويه صورتها وغياب العروة الوثقى بين مكونات شعبنا الى خلل خطير في مستوى الوعي وتشتيت الجهد وبالتالي فلقد ادى ذلك الى ضياع وافتقاد المقاييس الوطنية تجاه الأحداث التي تحدق ببلادنا وتعصف مصيرها . وكانت حصيلة هذا الاضطراب والخلل في الرؤية والمواقف هو ما نشهده اليوم من انبعاث كل الروابط والعصبيات ماقبل الوطنية القاتلة وما تمثله من اخطار وتيارات هوجاء مسمومة تستهدف الوحدوة الوطنية السورية .
واذا كان المجال هنا لا يسمح لنا بالاستطراد في الحديث عن العديد من عواقب تهشيم وضرب الوحدة الوطنية السورية وما أدى اليه ذلك من نتائج خطيرة سواء على صعيد المواقف ام على صعيد الممارسة , فلنورد هنا مثالا واحدا ليس الا وهو المتعلق بمفهوم ميزان القوى الذي نردد تكراره يوميا على اعتباره الشرط الذي ينبغي ان يتوفر أولا للتوصل الى الحل الذي يستجيب لمطالب الشعب السوري . فالمعارضات السورية المتعددة بمعظم أطيافها الخارجية راحت منذ الأشهر الأولى لاندلاع الحراك الشعبي السلمي تتسابق والنظام في طل السلاح والعتاد والأموال وتنجر بكل هوس وحماسة الى المربع الذي اراده النظام والذي استهدف من ورائه تصوير الانتفاضة بانها مؤامرة ارهابية دولية !!! ولتبرر له بالتالي ذرائعه باستدعاء المليشيات الطائفية الحليفة له . هنا يطرح السؤال المنطقي علينا جميعا :هل إن من يرى أن موازين القوى التي تكفل تحقيق تطلعات شعبنا في الحرية والوحدة والمساواة والمستقبل الأفضل تتأمن عن طريق المجموعات المسلحة المتعددة المتقاتلة على الأرض السورية والتي لا يجمعها اي علاقة بالمشروع الوطني السوري ؟ الم يخدم وجودها وما قامت به حتى الآن مواقف النظام السوري ,وكذلك تعزيز ما يطرحه المجتمع الدولي وأوساط واسعة من الرأي العام العالمي , من ان هذه المجموعات المتقاتلة في عرض وطول الجغرافية السورية لا يمكن ان تكون البديل للنظام القائم ,البديل الذي ترضى عنه ولا ترى فيه خطرا على مصالحها وعلى السلم والأمن الدوليين . ألم يكن الأجدر بالمعارضات السورية اذا كان لها ,بعد هذه السنوات من التجارب وهدر الفرص وتحمل الخسائر والآلام , ان تستعيد بعضا من ثقة شعبها وان تتحمل بعضا من مسؤولياتها الوطنية وذلك بأن تبرهن بالممارسة والعمل لا بالمواقف والتنظير ان ميزان القوى الذي يكفل تحقيق اهداف الشعب السوري يتمثل اولا بعدالة قضيته , ويتمثل ثانيا بطابع حراكه كصراع وطني مجتمعي حضاري من اجل انهاء نظام التسلط والاستبداد القروسطي وبناء دولة الإستقلال الثاني ,دولة المواطنين الأحرار الديمقراطية , ويتمثل ثالثا بالحفاظ على الوحدة الوطنية وصيانتها وتصليبها , ويتمثل رابعا بمخاطبة المجتمع الدولي في تطبيق قرارات الشرعية الدولية في انجاز الحل السياسي للمسألة السورية وتحميله مسؤولياته على هذا الأساس ,والاقلاع نهائيا عن انتهاج المنطق المغلوط واستخدام اللغة المتخلفة التي لا تنفك معظم معارضاتنا المشاركة في مفاوضات جنيف توجهها في كل يوم سواء للأمم المتحدة او للمجتمع الدولي وخاصة الى الدولتين الراعيتين وهما روسيا الاتحادية والولايات المتحدة المريكية بانهما وراء كل اشكال الارهاب في العالم وانهما المسؤولتان عن صنع داعش وجبهة النصرة وغيرهما من المنظمات الارهابية ,ونطالبهما في الآن نفسه بتحمل مسؤولياتهما في تنفيذ الحل السياسي وفق الرؤية وبرنامج المرحلة الانتقالية الذي نطرحه عليهما !!!.
هذا هو حديثنا الذي يركز على المقومات الأساسية كي يخرج شعبنا من محنته الراهنة وكي يجتاز النفق المظلم الذي دفعته اليه مجمل السياسات التي تعاملت مع قضيته الوطنية حتى الآن . وما من شك في ان استعادة الوحدة الوطنية لشعبنا كي لا يظل شعارا مجردا ونظريا لاستثارة الحماس واستشعار المخاطر التي تحيق بالمصير الوطني , فاننا نعتقد ان معظم نخبنا الفكرية والسياسية وكل هيئات ومنظمات المجتمع الوطني باتت تدرك أهمية الخطوات العملية التي ينبغي اتباعها وانجازها على طريق تحقيق هذه الغاية وفي مقدمتها بلاشك توسيع آفاق المصالحة الوطنية الحقيقية التي يجب ان تتولاها القوى الوطنية الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني في كل الأحياء والقرى والأرياف بعيدا عن تدخلات السلطة ,ومن ثم العمل الجاد والمستوعب لأهمية انشاء الكتلة الوطنية الديمقراطية التاريخية التي تشكل الضمانة الأكيدة لاعادة الثورة الى مسارها الصحيح ,وكذلك بذل كل الجهود المخلصة بهدف توفير الظروف المناسبة لعقد المؤتمر الوطني السوري العام تحت اشراف ورعاية الأمم المتحدة ,هذا المؤتمر الذي يمكن له أن يجسد ارادة السوريين ويعبر مرحليا عن تطلعاتهم ومطالبهم وينتخب المؤسسات التي تتولى امور المرحلة الانتقالية وارساء اسس بناء النظام الديمقراطي البديل . .
وبعد فهل نحن في حديثنا هذا الموجه الى ابناء شعبنا والى كل القوى الوطنية الديمقراطية بل والى كل قوى الحرية والعدالة في هذا العالم اجمع ,هل نحن ننطلق من فراغ او نستند الى آمال ورغبات ذاتية لا تبررها معطيات الواقع الراهن ؟ مهما يكن واقع الحال فإننا برغم ظلمة هذا الواقع ومرارته , وانطلاقا من ايماننا بحتمية انتصار إرادة شعبنا التي أكدها عبر حقب التاريخ المتعاقبة , فاننا نتطلع الى غد قريب تسلك فيه قضية شعبنا طريقها الصحيح عبر استعادة وحدته الوطنية وتمسكه بهذه العروة الوثقى التي هي الضمانة الأكيدة ,اذ لا ضمانة سواها ,لمواصلة تحقيق الأهداف التي ضحى في سبيلها .

  • Social Links:

Leave a Reply