جنيف 3 وحديث ” الثوابت ” في زمن المتغيّرات – الدكتور عبدالله تركماني باحث استشاري في الشؤون الاستراتيجية

جنيف 3 وحديث ” الثوابت ” في زمن المتغيّرات – الدكتور عبدالله تركماني باحث استشاري في الشؤون الاستراتيجية

جنيف 3 وحديث ” الثوابت ” في زمن المتغيّرات

يبدو أنّ الحلول الأمنية والعسكرية في سورية من الصعب التوصل عبرها إلى حل ما سوى الدولة الفاشلة التي تتنازعها الجماعات المسلحة، مما يفرض ضرورة الولوج إلى حل سياسي تدار آلياته تحت إشراف وضمانات الأمم المتحدة، طبقاً لقرار مجلس الأمن 2254، وهو فرصة لتجنيب السوريين مزيداً من الدماء. ومن هنا فإنّ مقاطعة الجولة القادمة من جنيف 3 يعطي سلطة الأمر الواقع الفرصة للهروب إلى الأمام وتحقيق مكاسب ديبلوماسية وتوظيفها سياسياً وعسكرياً لمحاصرة الثورة. ومن أجل الوصول إلى الحل الذي يستجيب لمطامح الشعب السوري في الحرية والكرامة يجدر بوفد المعارضة السورية إلى الجولة الجديدة معرفة أهداف وفد السلطة إلى المفاوضات، من أجل ترويضها وتذليلها لتتناسب مع طموحات الشعب السوري، من خلال عرض وتبادل وتقريب وتكييف وجهات النظر واستخدام كافة أساليب الإقناع والضغط الإقليمي والدولي للحفاظ على المصالح العليا للدولة السورية ومطالب الشعب السوري في الحرية والكرامة. وفي هذا السياق يجب أن لا ننسى أنّ أطراف التفاوض ليسوا فقط الأطراف المباشرة للعملية التفاوضية، وإنما هناك أطراف غير مباشرة تلعب دوراً من وراء الكواليس، وهي قوى الضغط، المحلية والإقليمية والدولية، التي لها مصلحة في توجيه الأطراف التفاوضية المباشرة. ومن أجل الوصول إلى الحل المنشود نقترح للمفاوضين من المعارضة خريطة الطريق التالية:

(1)– إدراج القضية السورية في إطار الموجة العالمية الرابعة للدمقرطة، بهدف الاستقواء بالتوجهات العامة للمجتمع الدولي، وقطع الطريق على وسم الثورة السورية بالتطرف والإرهاب.

-(2) –  الأداء التفاوضي هو محصلة لعامل القدرة أساساً، ويمكن تحقيق القدرة التفاوضية من خلال حسن الاختيار للمفاوضين ممن تتوفر فيهم القدرات والخصائص والمؤهلات. كما ترتبط القوة التفاوضية بعدة جوانب تبدأ أهمها بحدود أو مدى التفويض الذي تم منحه للمفاوضين وإطار الحركة المسموح لهم بالسير فيه وعدم تعديه أو اختراقه.

(3) – يجب أن تكون أسس التفاوض معلنة لكافة عناصر الفريق المفاوض، حتى يكون كل منهم على بيّنة من الأمر واعياً لحدود الحركة واتجاهاتها، وإن كان يحق لرئيس فريق التفاوض وضع حدود أدنى من التي وضعت للفريق لكي يتحرك بحدود مرحلية وفقاً لما يراه من تطورات أو اتجاهات لفريق السلطة.

(4) – باعتبار أنّ أية عملية تفاوضية لا تتم في إطار من عدم المعرفة، فإنّ أي مفاوض ناجح يحتاج الى توافر كم مناسب من البيانات والمعلومات، وتعد المعلومات جانباً أساسياً وهاماً يعتمد عليه الحوار التفاوضي لتحقيق الهدف في الجولات التفاوضية. والحد الأدنى للمعلومات التي يجب توافرها للقيام بعملية تفاوض ناجحة هي في الإجابة عن الأسئلة التالية: من نحن، من هو الخصم، ماذا نريد، كيف نستطيع تحقيق ما نريد، هل يمكن تحقيق الذي نريده دفعة واحدة أم على مراحل، وما هي الأهداف المرحلية وكيفية تحقيقها، ما الذي نحتاجه من دعم وأدوات ووسائل وأفراد للوصول إلى تلك الأهداف ؟ وبناء على هذه المعلومات يتم وضع برنامج زمني للتفاوض محدد المهام ومحدد الأهداف وتتاح له الإمكانيات وتوفر له الموارد، ووفقاً لذلك يتم متابعة العملية التفاوضية والتأكد باستمرار من أنّ المفاوضات تسير في الطريق السليم المرسوم لها للوصول إلى الانتقال السياسي.

(5) – لا بد من وجود أمانة تقوم بالتنـــسيق بين أعضاء الوفد المفاوض من سياسيين وتقنيين، تقوم بحساب درجة الترابط والتفـــاعل بين كل القضايا المطروحة على طاولة المفاوضات. وباعتبار أنّ الثورة السورية لا تستجدي التغيير يجب أن يكون وفد المعارضة المفاوض محاطاً بمجموعة من القانونيين والحكماء والإعلاميين، وخاصة من أولئك الديبلوماسيين السوريين المنشقين العارفين بفن وعلم التفاوض.

(6) – يجب الحصول على ضمانات من القوى الكبرى، من خلال مذكرة اتفاق تحدد آلية التفاوض وبناء الثقة بين الطرفين، على قاعدة تفعيل عملية الانتقال السياسي التي طرحها المبعوث الدولي ديمستورا، وبأنّ رأس النظام وأركان نظامه والأيادي الملطخة بدماء السوريين لن يكون لهم دور في المرحلة الانتقالية.

(7) – لعل أكبر إشكالية في الجولة القادمة من مفاوضات جنيف 3 هي القناعة الخاطئة أنّ التفاوض يجب أن يفضي إلى أن يفوز طرف بكل شيء ويخسر الطرف الآخر، وأنه لا توجد أرض مشتركة يستطيع الجميع الوقوف عليها. مع العلم أنّ أفضل الاتفاقيات هي تلك التي تحتوي على أفكار ومعطيات من الطرفين لا طرف واحد فقط، كي يتحول التفاوض من عملية تحاور إلى واقع تنفيذي يثمر إلى نتائج ملموسة، تؤدي إلى الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. ومن أجل ذلك لا بد لمفاوضي المعارضة من تحديد الأولويات لا المشاعر، بمعنى تكييف ثوابت الثورة مع تغيّرات موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية.

(8) – الحكومة الانتقالية ينبغي أن تكون سلطة تنفيذية بصلاحيات كاملة، أي أن تحصل على كل السلطات من رأس النظام. ومن المؤكد أنّ انعقاد مؤتمر جنيف3 لا يعني على الإطلاق أنّ أزمة سورية قد انتهت، بل هو بداية طريق تكتنفه صعوبات كثيرة، لأنّ ملف الأزمة وتداعياتها لم يعد ملك السلطة والمعارضة بل هناك مصالح دولية وإقليمية، ولكل منها حساباتها الخاصة بها. كما يجدر بالمفاوض المعارض أن يحذر من تحوّل المفاوضات إلى غطاء لاستمرار القتل اليومي الذي تمارسه سلطة الأمر الواقع لتحقيق مكاسب على الأرض واعتبارها وقائع دائمة.

تونس في 3/6/2016 الدكتور عبدالله تركماني باحث استشاري في الشؤون الاستراتيجية

  • Social Links:

Leave a Reply