السياسة و العنف في سورية – عبد الله حنا – الجزء الثاني

السياسة و العنف في سورية – عبد الله حنا – الجزء الثاني

            من مظاهر العنف في التاريخ السوري وفق العهود

 ستتناول الدراسة العنف والسياسة ومحركهما الأصفر الرنان في سورية القرن العشرين ومستهل القرن الحادي والعشرين وفق المخطط التالي :

1 – أواخر العهد العثماني :

أ‌- العنف في التراث السلطاني المملوكي والعثماني استنادا إلى كتابات المؤرخين في مصر وبلاد الشام .

ب – التنظيمات العثمانية ومحاولات التخفيف من العنف مع صدوردستور مدحت باشا .

ج – الثورة المضادة للترقي تحت لواء قوى ” الرجعة ” بقيادة السلطان عبد الحميد ، الذي اتصف عصره بإرتفاع وتيرة العنف  بمختلف أشكاله .

د-  مرحلة ثورة الإتحاد والترقي 1908 بإيجابياتها وسلبياتها واستمرار العنف رغم الدستور ومجالس المبعوثان .

ه –  أمثلة من العنف ، الذي مارسه النظام العثماني أثناء ” لَمِّ العسكر ” وهو ما يُعرف بالتجنيد الإجباري .  فالعنف الذي مارسه ملتزموا الضرائب بمعونة عسكر النظام في تحصيل ضريبة الخراج ، التي تحولت إلى العشر ، أدى إلى إفقار الفلاحين وإذلالهم . وجباة الضرائب وأمراء العسكر تحوّلوا ، بعد سرقة الأراضي ، إلى إقطاعيين  مارسوا على الفلاحين عنفا يندى له الجبين ، استمر حتى صدور قوانين الإصلاح الزراعي 1958 .

2 – من ركام الحرب العالمية الأولى إلى الدولة العربية الحديثة في دمشق ( 1919 – 1920) وما انجزته قبل أن تسارع قوى الإحتلال الفرنسي للقضاء عليها .

3 – مرحلة الانتداب الإفرنسي  1920- 1943 .. لقد كان الهدف الرئيسي للانتداب الفرنسي – كما هو حال الانتداب البريطاني على العراق وشرقي الاردن – تشديد قبضة الرأسمالية الفرنسية ومؤسساتها على سورية ولبنان لاستثمار خيرات هذه البلاد وفق الاسلوب الامبريالي المعروف . وهنا يكمن الوجه المظلم للانتداب بصفته أحد الوسائل الأخف وطأة للاستعمار.

   ولكن للانتداب وجهاً آخر لم يكن المؤرخون السوريون والعرب- ومنهم كاتب هذه الأسطر- يعيرونه أي اهتمام. فقد كان التشديد أثناء التأريخ، ولا يزال، يتمُّ عبر قطبين متنافرين: الاستغلال والاضطهاد الاستعماريين ونقيضهما المقاومة الوطنية والنضال من أجل الاستقلال.

  هذا الوجه الآخر للانتداب تمثل بازدياد تأثير أفكار الثورة الفرنسية وهبوب رياح الحداثة والتحديث ، التي أسهمت ، على الرغم من مرارة الاحتلال الاستعماري، في تحريك عملية التطور بمختلف أبعادها ودفعها إلى الأمام. وقد أتى في مقدمة عملية التطور هذه السير قدماً في بناء الدولة  الحديثة ,التي أخذت في التكوّن في العقود الأخيرة من العهد العثماني . وهذه الدولة الحديثة حملت في أحشائها عناصر ليبرالية وأخرى استبدادية .

4 – مرحلة فجر الاستقلال 1943 – 1958 ( الحكم البورجوزي الإقطاعي) ، الذي قيّدته الحركة الشعبية بقيادة ” البورجوازية الصغيرة ” الصاعدة في المدينة والريف . وهذا مما أدى ، مع انتعاش أفكار النهضة والتنوير ، إلى تراجع العنف إلى حدوده الدنيا . وشهدت نهاية هذه المرحلة أزهى عهود سورية الحديثة في الحكم البرلماني والحريات الديموقراطية وصعود الفئات الوسطى واحتلال الطبقة العاملة الناشئة دورا في الحياة السياسية .   وتراجعت في هذه المرحلة التكتلات المذهبية والطائفية أو العشائرية والعائلية لصالح الولاءات الوطنية والقومية . وانحسر العنف انحسارا ملحوظا . وجاء قانون العشائر ، الذي أقرّه المجلس النيابي في نيسان 1958ليسدد ضربة قاتلة لمنبع العنف في البوادي وقوانين الغاب السائدة فيه .

   ويلاحظ أن إطلاق الحرية للجماهير المقتنعة بعدالة قضيتها يجعل العنف ” في خبر كان ” . ونضرب مثلا على ذلك ما جرى أثناء الحشود التركية واستفحال أمر الأحلاف الإستعمارية عندما وزّعت عام 1957السلطة الوطنية عشرات آلاف البنادق على المتطوين في المقاومة الشعبية . وقد التقى كاتب هذه الأحرف بثلاثة من الضباط ( وهم معلمو ابتدائي يؤدون خدمة العلم ) كانوا مسؤولين في ريف دمشق عن المتطوعين في المقاومة الشعبية وتدريبهم . الثلاثة أكدوا لكاتب هذه الأحرف أنه لم يقم المتطوعون بإطلاق رصاصة واحدة عشوائيا ، والإنضباط الذاتي كان سيد الموقف . وهكذا اختفى العنف إلى حد بعيد من قاموس الحياة الوطنية عام 1957، بفضل الديموقراطية النابعة من القلوب .

5 – مرحلة الوحدة بين سورية ومصر وقيام الجمهورية العربية المتحدة 1958 – 1961 ، التي مُنعِت فيها الأحزاب , وأخذت المباحث السلطانية تشدد النكير على دعاة الحرية ممهدة الطريق للحكم الشمولي وفصل السياسة عن المجتمع .

  إن المحتوى التقدمي للإجراءات الاجتماعية-الاقتصادية أيام الوحدة بين سورية ومصر تدنى كثيراً، لأن الحكومة حاولت أن تفرض تلك الإجراءات على البورجوازية الكبيرة ، ( التي لم تكن ثمة ضرورة اقتصادية لتأميم رأسمالها ، بل كان الهدف سياسيا ) دون أن تعتمد على مساندة القوى الوطنية التقدمية في البلاد، في وقت خُنقت فيه الحركة النقابية، وحُرمت الطبقة العاملة وغيرها من الشرائح الاجتماعية من العمل السياسي.

   ولا شك أن الأجهزة البيروقراطية والمباحثية في الجمهورية العربية المتحدة ، واستخدامها للعنف ، كانت المعول الهدّام في خلق بذور الاستياء بين الناس وفي القضاء أو تحجيم مؤسسات المجتمع المدني، التي انتعشت في عهد مابعد الاستقلال وبخاصة مرحلة المجلس النيابي (1954-1958).

   وقد سهّل إبعاد القوى الوطنية والتقدمية عن المواقع الهامة في دوائر الدولة والضغط عليها أو إلقاء أقسام منها في غياهب السجون، والقيام بحملات تعذيب للمساجين الصامدين مما أدى إلى موت عدد منهم تحت التعذيب. وحادثة تعذيب وقتل فرج الله الحلو أحد قادة الحزب الشيوعي، وتذويب جثته بالأسيد لإخفاء معالم الجريمة، لم تكن في صالح استمرار الجمهورية .   فالعنف الذي مارسته الأجهزة الأمنية في الجمهورية العربية المتحدة كان أحد المعاول ، التي هدّمت الوحدة .

6 –  مرحلة عودة الجمهورية السورية إلى الحياة من جديد في أيلول 1961 ، وبالتالي عودة الأحزاب السياسية محتلة واجهة الأحداث في إطار الحياة البرلمانية مع تشويش الشعبة السياسية وريثة المخابرات السلطانية .

7 – مرحلة حكم البعث نتيجة الإنقلاب العسكري في 8 آذار 1963 وما تلاها من فترات لا تزال قائمة حتى الآن ربيع 2015. وأهم ما يميّز هذه المرحلة بعهودها المتتالية هو الحكم العسكري المتسربل بثياب حزب البعث المدنية . ومع أن حزب البعث العربي الاشتراكي بجناحيه هو حزب وليد المرحلة الوطنية الديموقراطية ومن أركانها ، إلا أنّ هيمنة العساكر وعودة المخابرات السلطانية التي وُضعت أسس عملها في عهد الجمهورية العربية المتحدة ، وعوامل كثيرة ، جعلت حزب البعث مطيّة في يد العسكر وأداة من أدوات سيطرة العسكرتاريا وحكمها المتميّز بتحالف البورجوازية البيروقراطية ( العسكرية والمدنية ) مع البورجوازية التجارية المتزامن مع انتعاش الفئات الطفيلية آكلة الأخضر واليابس . ( وكان هذا أحد منابع العنف ، التي اكتوت البلاد  بنارها )

  هذه العسكرتاريا رفعت سيف تحرير فلسطين لا لتحريرها بل لقطع رأس من يحتجّ على الاستثمار والاضطهاد الممارس باسم التحرير والاشتراكية المزعومة .

      وقد شهدت سورية في عهد البعث ( 1963 – 2001 ) جملة من التحركات والاحتجاجات المترافقة في معظمها بالعنف والعنف المضاد نذكر منها :

– حوادث حماة في نيسان 1964 .

  قاد مروان حديد زعيم الجناح المتطرف في الإخوان المسلمين المعركة ضد التأميمات  . وقد بدأت الشرارة في 7 – 4 – 1964 بمظاهرات الطلاب في حماة وسرعان ما أيّدها التجار . ومع توتر الأمر وارتفاع حدّة الصدامات اعتصم مروان حديد مع عدد من الإخوان في جامع السلطان ومع بعضهم أسلحة قيل حسب الرواية الإخوانية إنها بسيطة .  شباب البعث وهم في مقتبل عهدهم بالحكم والمتّقدون في تلك الأيام إخلاصا وحماسا لتحقيق التقدم عن طريق حرق المراحل وتطبيق الإصلاح الزراعي والسير في طريق التأميم ، حسموا الأمرعسكريا بقيادة محافظ حماة عبد الحليم خدام . فاقتحموا المسجد واعتقلوا المعتصمين ومن بينهم مروان حديد .

– حوادث حماة شباط 1982 ، وسنتناول تفاصيلها لاحقا .

– تحرك التجمع الوطني الديموقراطي للاحزاب اليسارية أواخر السبعينيات , الذي اكتفى بإصدار البيانات دون النزول إلى الشارع . وسرعان ما حاصرته القبضة الأمنية  وألقت بنشطائه في غياهب السجون .

– ربيع دمشق 2005 ، بمنتدياته ومحاضراته ومظاهراته السلمية ……

– التحركات الشعبية ربيع 2011 قبل انزلاقها إلى العسكرة ، التي سنتناولها في الختام ، وما نتج عنها من مآسي اتصفت باشتداد وتيرة العنف والعنف المضاد .

  • Social Links:

Leave a Reply