عنترة العبسي بين “داعش” والروس والأمريكان والآخرين التابعين..محمود الوهب

عنترة العبسي بين “داعش” والروس والأمريكان والآخرين التابعين..محمود الوهب

عنترة العبسي بين “داعش” والروس والأمريكان والآخرين التابعين..

محمود الوهب

لا أحد من العرب لم يسمع بعنترة العبسي الشاعر الفارس الجاهلي، فهو في المخيال الشعبي نموذجاً للشجاعة والإقدام ودفع الظلم، إنْ على صعيد الفرد، وإنْ على صعيد القبيلة والمجتمع، وما تميز به عنترة عن غيره من الأبطال أن لا يحط من قدر خصمه ولا يبتذله، أو يقلل من شأنه، بل تراه، على العكس، يعلي من مكانته، ومن شجاعته، ويكبر خصاله وسجاياه.. وهذا واضح في العديد من أبيات معلقته، ومنها:

ومدجج كره الكماة نزاله           لا ممعن هرباً ولا مستسلم

جادت له كفي بعاجل طعنة     بمثقف صدق الكعوب مقوَّم

فشككت بالرمح الأصم ثيابَه      ليس الكريمُ على القنا بمحرَّم

فتركته جزر السباع ينشنه        يقضمن حسن بنانه والمعصم

فخصم عنترة الفارس بحق هو بطل لديه من قوة السلاح ومن الشجاعة ورباطة الجأش، والقدرة على الكرّ والفرّ ما يجعل الأبطال من خصومه يهابونه، ويخشون مواجهته، لكنَّ عنترة لا يأبه لذلك بل تراه يغير على هذا البطل برمح متين بذاته، وبروح الإقدام لدى راميه، فيطرحه بضربة واحدة تاركاً جثمانه للسباع، لا لغيرها، تنهش من لحمه.. تقضم كفَّه التي تشير إلى ترف عيش وهناءة حياة، وربما يريد أيضاً، هذا الجزء من اليد التي تحسن الإمساك بالسيف أو الرمح، وفي الحالين، فإنَّ الوصف يعلي من شأن عنترة بالذات، ويبرز بطولته المميزة.. إنها البطولة الحقيقية، البطولة المقيدة بقواعد وأصول وقيم! وهي البطولة الحقة التي يتماهى الحق فيها بالقيم الإنسانية العامة! كثيراً ما خطر ببالي هذا التصوير المتقن المعبِّر عن البطولة والحروب والأعداء، وأنا أراقب ما يقابله اليوم أو ما يوازيه على النقيض من تصوير لعناترة هذا الزمان، أعني جيوش العالم أجمع وقادتها “الميامين” هؤلاء الذين يزعمون أنَّهم يتصدون اليوم لعصابات الإرهاب المتمثلة بـ “تنظيم الدولة في العراق والشام”، وبغيرها أو من في حكمها، وهم ما هم عليه من قدرات على المستويات كافة، وأولها امتلاكهم الأسلحة القادرة وبلمحة بصر على إبادة العالم عدة مرات..

لكن هؤلاء الأبطال بدءاً من الأمريكيين وحلفائهم الأوربيين مروراً بالروس والإيرانيين وميلشياتهم المختلفة، وليس انتهاء بإسرائيل التي أشار “فلاديمير بوتين” قيصر روسيا الجديد إلى الشراكة القائمة بينها وبين روسيا في محاربة الإرهاب.. عناترة هذا الزمان ورغم كل ما يملكونه ما زالوا، منذ سنوات، وحتى الآن يفعلون ما يفعلونه من قتل للمدنيين وتدمير للبنيان في كل من ليبيا واليمن وسورية بينما داعش التي يقصدونها تتمدد بجرائمها، تتنقل من مدينة إلى أخرى، تفرِّخ باستمرار مثيلات لها هنا وهناك وهنالك! تاركة لنا الكثير من آثار توحشها وترويعها، فمن القتل إلى اللصوصية إلى الحجاب ونكاح الجهاد، وكلها بفتاوى نصية لا يأتيها الباطل لا من أمام ولا من وراء.. تضع أمام بصرنا وبصيرتنا المزيد من الشبهات والهواجس والأسئلة عن أسرار بنيتها وتكوينها وعن غاياتها وأهدافها..؟! وما يزيد الشبهات والهواجس تأثيراً، ويراكم الكثير من الأسئلة، أنَّ عناترة هذا الزمان الذين يبدون مدججين بكل ما يمنح القوة والقدرة على سحق الخصوم بالمطلق، يبدون غير راغبين في الانتهاء من هذه الدمية العبثية بالمطلق أيضاً..

وإذا سألتموني لماذا؟! أقول لكم لأنهم صنعوها بأنفسهم.. فهي عدة شغلهم القادرة على تغطية جرائمهم واستمرار نهبهم الشعوب وقهرهم لها.. فتراهم، ورغم كل ما يثيرونه من ضجيج إعلامي، عاجزين فعلاً عن اجتثاث هذه إلـ “داعش” الموسومة، بحسب ما يزعمون طبعاً، بالوحشية والفكر المتخلف الذي يشكل خطراً على الحضارة ومسيرتها! ومن يراقب مسيرة ما جرى في سورية منذ ثلاث سنوات، على الأقل، أي منذ دخول “داعش” الميسَّر، ومن دون أية مقاومة، وحتى اللحظة مروراً بما حصل بينها وبين دعاوى محاربيها من تناغم وغزل على هذه الجبهة أو تلك، ولا زال يحصل حتى الساعة.. يرى أنَّ ما تحقق، على الأرض فعلاً، هو تدمير سورية على نحو تام.. ويبدو أن هذا هو المطلوب حقاً لكل من ساهم في هذا الفعل الخسيس، مهما كانت الشعارات التي يستر بها عوراته، ومهما كانت المزاعم التي يدعيها، وما الهدف، في النهاية، إلا تحقيق مصالح محددة للأطراف المساهمة على حساب الدم السوري والمقدرات السورية، وتبقى خدمة إسرائيل لا غيرها، في مقدمة تلك المصالح فهي المستفيد الأكبر مما حصل..!

  • Social Links:

Leave a Reply