زائران لا يشبهان بعضهما-محمد جيجاك

زائران لا يشبهان بعضهما-محمد جيجاك

مضى شهر على العطالة الذهنية التي اجتاحتني فور وصولي لسويسرا، حيث كنت أعيش كدابة بلهاء في كامب “كروزلينغن” ذات القوانين العسكرية الصارمة، بينما كتب ألعب الشطرنج مع لاجئ كوسوفي شعرتُ بألم حاد في كتفي الأيسر، ضغطتُ على موقع الألم بكفي الأيمن اعتذرت عن اتمام اللعبة وتواريت عن الأنظار لأعفي نفسي من فضول أسئلتهم. لم يكن الألم زائراً جديداً، فله سوابق كثيرة في زيارتي حين كنت في الوطن، ولأنه من صنف الزوار المزعجين دائماً يطرق بابي بدون اخطار مسبق، لكنه لا يمكث كثيراً، دقيقتين ويرحل بدون وداع أيضاً، خلال اطلالته لا بد من اجراء بعض المضايقات له كي أرغمه على الرحيل، كي لا يطيب له السكن ويبقى لأكثر من دقيقتين. الألم رجّ دماغي لينشط قسم الذاكرة ويعود بي للوطن، ولأستعيد مشهد زيارات هذا الألم جلستُ على الكرسي، أسندت ظهري بالطريقة التي كنت أفعلها في الوطن، انتظرتُ حتى يتجول زائري في الحيز القريب من كتفي، حافظت على هدوئي ومنعت نفسي من الزعيق في وجهه أنيناً أو تكوراً خانعاً أمام فظاظته، مرّت لحظات عصيبة عليّ، فجأة شعرتُ بنسمة لذيذة تسري حيث حط زائري رحاله، وإذ يتلاشى زائري إلى حيث لا أدري.

مرّت شهور على زيارة ضيفي الذي كان متوارياً في خفايا جسدي، كنت معتقداً بأنني نسيته في الوطن كما نسيت الكثير من أغراضي الخاصة. بفضله تنشطت مخيلتي حيث أيقظ في ذاكرتي بضع صور عن الوطن بعد أن كنت على يقين بأنني لن أتذكرها مرّة أخرى.
سكنتُ في قرية صغيرة مرمية في واد محاط بثلاث جبال، ففي الصيف الشمس تزور القرية لساعتين إن كانت السماء صافية، أما في الشتاء لا ينقطع الثلج عن الهطول إلّا لساعتين في الاسبوع. جميع أهل القرية ينتمون لحزب اليمين الكاره لأي غريب يعيش في بلدهم فما بالي بالعيش في قريتهم!. في الأيام الأولى لسكني في القرية رحتُ أسلّي وحدتي بنزهات قصيرة، وحيداً بمحاذاة النهر النحيل، ثمة سنجاب كنت أشاغب معه في كل مساء، فرضت عليه نفسي كزميل ثقيل الظلّ، السنجاب نزق ينهي اللعب وفق مزاجه، كان يتوارى فجأة من أمامي، ليبقيني وحيداً مرة أخرى. أحياناً كنت أصادف بعض عجزة القرية، أرمي عليهم السلام، يردّون بهمس دون أن ينظروا في وجهي. بعد أيام من مشاهدتهم لي عاطلاً عن العمل توقفوا عن رد التحية لي، فكان لا بد لي أن أتوقف عن مشاويري، كي لا أوقظ في أعماقهم تعصبهم العتيق حيال كل انسان ذو شعر أسود.
عدتُ لأعيش طقوس وحدتي كما كنت أعيشها في الوطن حين كان الأغبياء يحاصرونني بترهاتهم. لم يعد الليل أو النهار يعني لي شيئًا، تلخبط نظام حياتي اليومية، مواعيد الأكل والنوم، مواعيد حلاقة ذقني والاستحمام. قضيتُ كل وقتي على الفيس بوك. رويداً رويداً فقدتُ الصبر وسعة الصدر في تبادل الأراء مع أصدقائي الافتراضيين، ابتعدت ألاف الأميال عن لغة اللباقة التي كنت أُعرف بها في وطني. صارت لغتي ساخرة قذرة مقيتة منفّرة، أشتم زعيما سياسياً هنا وأنتقد بسخرية آخراً هناك، أسخر من وطني الأم الذي صار جحشاً يركبه كل مارق أفّاق في هذا العالم، أرمي كل جهات العالم بلعناتي، أبصق على الفلسفة والتاريخ والجغرافية والفن والأدب، أعرّي بفجور أصدقائي المنافقين، الحياديين والانتهازيين، أنكح النساء افتراضياً في كل أحوالهن، ألعنُ وألعن وألعن …، في خضمّ لعناتي على الحياة جملة وتفصيلاً، الكلمات تتدفق من قاموسي الجديد بسلاسة كسيل ربيعي جارف، فجأة شعرتُ بزائري يقتحم صدري ويجعله ثقيلاً، تعثرت بأنفاسي للحظات، وكأن زائري ضفدع حي ّ بلعته على غفلة ويرفض السقوط في جوفي، يقفز جاهداً للخروج لكنه لا يستطيع بسبب ضيق مجرى حلقي الجاف من فرط تراكم قطران السجائر وطحال القهوة. كان الوقت بعد منتصف الليل، لا من طبيب في القرية ولا لغتي الألمانية الركيكة تمكنني من طلب الاسعاف. لكن لما زائري لم يكتف بزيارة شرفة كتفي الأيسر واقتحم غرفة نومي مباشرة؟
بدا لي أن هذا الزائر غريب وليس هو ذاته الذي كان في الوطن، زائر سويسري له ملامح قاتل.
أغلقتُ صفحة الفيس بوك وانتقلت لليوتيوب بحثاً عن نصيحة بلغة عربية ترشدني لطرد هذا الزائر من قاع صدري. كتبت في خانة البحث:
أسباب الألم في الصدر :
1 – ضيق في الشريان التاجي
2 – قرحة في فوهة المعدة
3 – خلل في وظائف الكبد
4 – تضخم في الرئة
5 – كولون عصبي
6 – فشل كلوي
7 – التهاب البنكرياس
8 – بوادر نشوء خلايا سرطانية في مكان ما
تابعتُ الإنتقال من مقطع فيديو لآخر حتى أشرقت الشمس ولم أعثر على نصيحة اسعافية أتدبرها بموجودات البيت دون اللجوء لطبيب لا أفهم لغته.
لحسن حظي أنّ الأطباء في هذا البلد يأتون باكراً لعياداتهم، ليسوا كأطباء وطني حيث يذهبون لعياداتهم كأنهم ذاهبون لجمعية خيرية ليتصدّقوا على المرضى بنصائح طبية.
طبيب القرية العجوز، المعروف بمزاحه الثقيل، ظلّ يبتسم في وجهي ويبربر بكلمات لم أفهم معظمها، انتهى من تشخّيص الألم في صدري، ربت على كتفي وقال مستعيناً بحركات من يديه ليوضح لي الأمر :
– أنت لا تشكو من شيء، ألم عرضي طارئ، سببه التدخين والقهوة وسماع أخبار وطنك والعطالة عن العمل، أنصحك بالإبتعاد عن هذه المسببات. إن أردت أن تستكمل حياتك في بلدنا بأمان وسلام عليك أن تنسَ الماضي وتفكر بالعمل فقط.

  • Social Links:

Leave a Reply