الشيخ وهبة الزحيلي  في محيطه الديرعطاني وفضائه الإسلامي -د. عبد الله حنا

الشيخ وهبة الزحيلي في محيطه الديرعطاني وفضائه الإسلامي -د. عبد الله حنا

في 8 آب 2015 أدركت المنيّة أحد أبرز علماء السنة والجماعة في سورية الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي من مواليد ديرعطية عام 1932 .

حاز على شهادة السرتفيكا ( الشهادة الإبتدائية ) عام 1946 وعلى الشهادةالثانوية الشرعية عام 1952 ، وعلى شهادة الدكتوراه في الحقوق ( الشريعة اٌسلامية ) من القااهرة عام1963 ، وتسنّم كرسي أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله في كلية الشريعة من جامعة دمشق . ولا يتسع المجال هنا لتعداد مؤلفاته الكثية مشيرين إلى إثنين منها : 

الفقه الإسلامي وأدلته ، وكتاب أصول الفقه الإسلامي .

وقد تناولت أقلام عديدة حياة الشيخ وهبة ونتاجه العلمي الديني الغزير ، ولذا سنقتصر في هذه ” المرثية ” – وفاء لزميل المقعد المدرسي في الصف الخامس الإبتدائي ، وتقديرا لجهده الدؤوب ونتاجه الغزير – على تناول أمرين من مسيرة حياة الشيخ وهبة وهما : 

البيئة الإجتماعية التي نشأ فيها وترعرع في ديرعطية ، والإتجاه مبكرا نحو دراسة العلوم الشرعية بفضل والده مصطفى الزحيلي المعروف في ديرعطية بإسم :

” الشيخ حيدر ” .

وننقل فيما يلي مقطعا من مقدمة كتاب أصول الفقه الإسلامي للقارئ الذي لا يعرف نتاج الشيخ وهبة وموقفه من الإجتهاد :

” إن معرفة قواعد أصول الفقه أمر ضروري لاستنباط الأحكام الشرعية ، وفهمها وإدراكها . وتجب الإشارة إلى أن أصول االفقه هو الطريق االمتعين لممارسة الإجتهاد ، وإبقاء الباب مفتوحا على مصراعيه . وسوف أفيض القول إن شاء الله في بحث الإجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح وإماطة اللثام عن ضرورة الإجتهاد في الدين ، وفقا لما قرره علماء الإسلام الأوائل ” .

( 1 ) 

ديرعطية بلد الشيخ وهبة

ديرعطية واحة تقع على الحدود الفاصلة بين البادية والمعمورة في منتصف الطريق بين دمشق وحمص .

هل كانت ديرعطية ديراً ؟ ..

لا يوجد معطيات ثابتة حول هذا الأمر ، مع أنّ ديرين يجاوران ديرعطية من شملها الغربي في قارة ومن جنوبها الشرقي على مشارف النبك . ولا شكّ أن تجمعات بشرية قامت في أماكن عديدة من أراضي ديرعطية قبل القرن الثالث عشر الميلادي ، حينما حلّت في ديرعطية في منتصف االقرن الثالث عشر صالحة خاتون وجعلتها وقفا ذريا تلاشى مع الزمن واصبح الفلاحون هم ملاك الأرض الحقيقيين .

بلغ عدد سكان ديرعطية في مستهل القرن العشرين ما يزيد على الأربعة آلا ف نسمة ، ربعهم من المسيحيين . ووصل العدد إلى سبعة آلاف في منتصف القرن العشرين ، ووصل ، حسب ارقام دائرة النفوس عام 1992 ، عدد السكان 15000 نسمة منهم 1400 من المسيحيين .

كانت العوامل الرئيسية المؤثرة في دير عطية منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين هي :

– بنية تحتية تمثّلَت:

بتنظيم توزيع مياه «نهر دير عطية» تنظيماً دقيقاً، واحة واسعة خضراء، ثلاثة طواحين، أربع معاصر للدبس، حمّام، وأخيراً لا آخراً فلاح نشيط مُجِدْ لاءم بين الحياة الزراعية والرعوية مع اهتمام بالحرف الضرورية لحياة القرية. 

– سيادة الملكية الصغيرة للأرض والمياه واعتدال الولاءات العائلية بالمقارنة مع القرى الأخرى، مما كان له أثر واضح في التطور الصاعد للقرية بعد استتباب الأمن وحضور الدولة في حياة المجتمع في مستهل القرن العشرين.

– حفر الأقنية أو بعثها من جديد، التي أحْيَتْ مزارع دَارِسة كالحميرة والبريكة، ووفرت المياه النقية الضرورية للشرب والنظافة والري إلى حد بعيد.. التعلق بزراعة الأشجار المثمرة والعناية بها.. حيوية الفلاح ونشاطه الواضح في استنبات خيرات الأرض.

– الهجرة المُبَكّرة (منذ سبعينات القرن التاسع عشر) المؤقتة ثم الدائمة إلى مدينة دمشق للعمل في الطينة أو صناعة الصابون أو غيرهما. والملاحظ أن الهجرة إلى المدينة لم تؤد إلى قطع الاتصال مع القرية، بل العكس هو الصحيح ، إذ انعكس خيراً على القرية من حيث الدخل والاحتكاك الثقافي مع المدينة.

– الهجرة إلى أمريكا الجنوبية ( 1890 – 1939) وما نجم عنها من مؤثرات في حركة التحضّر والعمران . 

– الهجرة للعمل في بلدان النفط منذ الخمسينات ولا تزال مستمرة وتتفاعل آثارها في نسيج البلدة البشري والمادي والروحي، ولا سيما الجانب العمراني منه.

– تأسيس الجمعية التعاونية الزراعية عام 1943 في أعقاب حركة فلاحية شاملة كان لها أثر في شق قناة ري جديدة أدت إلى إنشاء مزرعة المكسر .

– ظهور المدارس الحديثة منذ سبعينات القرن التاسع عشر وتنوّع هذه المدارس ودورها في تكوين فئة مثقفة أو نصف مثقفة مُطّلعة على مجريات التطور الحضاري العالمي الحديث.

– انتشار الوعي الاجتماعي والفكري والسياسي، الذي كان أثراً من آثار إيقاعات الأفكار النهضوية العربية التنويرية لمجتمع دير عطية المتفتّح. وقد أسهم هذا الوعي بأشكاله المختلفة في عملية بلورة وتجذّر التيار القومي العربي فيها. والأمر الملفت للنظر ذو الدلالة الواضحة انتشار التيارين القومي والماركسي وغياب تيارات الإسلام السياسيي عن دير عطية حتى مشارف سبعينات القرن العشرين.

– تأسيس رابطة المثقفين في دير عطية عام 1950 ( وكان وهبة الزحيلي في البدء من أعضائها ) واستمرارها حتى 1970. وهي إحدى تجلّيات ذلك الجو العابق بنسيم الحرية و إرادة التغيير لدى المثقفين الحاملين لواء النهضة العربية، لواء الدعوة إلى العقلانية ومناهضة الاستبداد والحلم بإقامة دولة العرب الكبرى الموحدة. وقد حققت رابطة المثقفين في الخمسينات جملة اصلاحات … 

ورابطة المثقفين، إحدى مظاهر المجتمع المدني، أشارت منذ قيامها إلى أن أجراس النهضة كانت مسموعة في دير عطية.

– الجفاف.. ذلك الشبح المخيف، الذي أناخ بكَلْكَلِه على القرية بين الحين والآخر والذي واجهته بنظام ري دقيق رشيد حافظ على كل قطرة ماء إلى أن تنهض القرية من عثارها من جديد بعد هطول الأمطار وتساقط الثلوج وارتفاع مستوى المياه الجوفية وعودة الينابيع إلى حياة العطاء والخير. وهذه العملية المتجلية في عملية تعاقب الجفاف والرطوبة (هطول المطر) كانت تجري في وقت لعب فيه التوازن الطبيعي البيئي دوراً في عملية الحياة على سطح الأرض. ولكن جفاف ستينات القرن العشرين المتزامن مع ضخ المياه الجوفية عشوائياً في حوض القلمون الأعلى أدى إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية وتوقف تدفق الينابيع الطبيعية في كل من يبرود والنبك و دير عطية والبريكة، والحميرا وصدد والحفر وبالتالي إلى توقف انسياب المياه في اقنية هذه القرى أو شحها الشديد وتحوّل حقولها الخضراء وبساتينها الغنّاء إلى أرض موات بعد توقف الزراعة ويبس الأشجار.

( 2 )

التعايش بين المسلمين والمسيحيين في ديرعطية

منقولة من كتابنا ديرعطية التاريخ والعمران

وتعليقات الشيخ وهبة

صدر مؤلف ” ديرعطية التاريخ والعمران من الوقف الذري إلى المجتمع المدني ” في دمشق لكاتب هذه السطر عام 2002 .

و قد استغرق تأليفه عقدا من الزمن . وكنت أثناء تأليف الكتاب استشير شيخنا في كثير من الأمور المتعلقة بالدين وبخاصة الوقف الذري ، وهل ورد عليه نص في القرآن الكريم ، أم هو من وضع الفقهاء بناء على رغبة الأمراء ؟ . . وكثيرا ما نصحني بالعودة إلى مؤلفه في الفقه الإسلامي ، وكان خير زاد وثائقي لي . وعندما اكتمل مخطوط الكتاب ، عَرَضتّ على الشيخ وهبة فصل التعايش بين المسلمين والمسيحيين لبيان رأيه . فقرأ الفصل مشكورا معلقا على بعض الأفكار ، وقد ادرجنا تعليقاته ،وكذلك تعليقات الاستاذ مصطفى الحاج إبراهيم في حواشي الفصل . وننقل فيما يلي مقاطع من ذلك الفصل ، الذي قرأه الشيخ وهبة وأجازه :

نشأت دير عطية الحالية في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي قرية تسودها الملكيات الصغيرة، التي تصرّف بها ثمّ إمتلكها فلاحون مسلمون ومسيحيون، وهؤلاء كان (لهم ربع الأراضي والمياه) على حد سواء دون تفريق بينهم، على الرغم من أن القرية في عهدها الثاني قامت على أرضية وقف صالحة خاتون. ولكن الاراضي سرعان ما تحولت إلى ملكيات خاصة للفلاحين . ويلاحظ تداخل ملكيات الفلاحين المسلمين والمسيحيين بعضها مع بعض. فلم يكن هناك عزل بين أراضي الجهتين. وقد أدى هذا الأمر إلى تعميق الصلات بين الجوار وإشاعة روح التعاون والمساعدة والإلفة بين الجميع. وعندما كانت «العربان» تنهب مواشي دير عطية فإن الجميع – مسلمين و مسيحيين – كانوا يتعاونون ويخرجون لاستعادة المواشي المنهوبة لكلا الطرفين. و تبيّن إحدى الوثائق تفويض وجهاء دير عطية من مسلمين ومسيحيين لموسى نقولا روّق في أيار 1927 لـ «منع تعديات أصحاب الطروش الغريبة» على مزروعات دير عطية و قناة مائها .

لم تكن بيوت المسيحيين متجمعة في حارة واحدة ومنعزلة عن حارات القرية الأخرى بل العكس، أي أن السكن المختلط كان هو السائد في القرية. وهذا مما عمّق التواصل والمؤازرة بين الجميع بغض انظر عن الانتماء الديني . وكان الجار المسلم أيام الملمات يساعد جاره المسيحي مردداً القول المعروف «النبي أوصى بالجار». والجار المسيحي كان يشعر دائماً بمسؤوليته في مساعدة جاره المسلم والجميع يزورون بعضهم في الأفراح والأتراح ويجتمعون سوية في المناسبات وقد طبقوا منذ وقت مغرق في القدم شعار «الدين لله والوطن للجميع»، الذي ظهر في عهد النضال ضد الاحتلال الاستعماري الفرنسي في أرجاء سورية المختلفة.

لم يكن ثمة تفريق أو اختلاف في اللباس. فالرجال جميعاً ارتدوا الزي الفلاحي القلموني والنساء ارتدين ثياباً متشابهة.وكان غطاء الرأس عاماً ومتشابهاً لدى النساء المسيحيات والمسلمات. ولم يكن حجاب الوجه معروفاً في دير عطية شأنها شأن معظم الأرياف، حيث تشارك المرأة الرجل في الأعمال الزراعية والرعوية، وهذا لا يتناسب مع ذلك الحجاب . 

وتستوقفنا في معرض الحديث عن التعايش بين المسلمين و المسيحيين في

ديرعطية جملة وقائع ذات مغزى عميق سندرج ما سمعنا منها :

– ذكر الأستاذ مصطفى الحاج إبراهيم أن المسلمين كانوا يحتفلون مع المسيحيين ببعض الأعياد المسيحية مثل عيد البربارة وعيد الصليب، الذي هو عيد سفاح العنب . (ويُرجِع الأستاذ مصطفى هذا الأمر إلى حداثة دخول الإسلام إلى القلمون نسبياً وتداخل المسيحية والاسلام وتعايشهما من خلال واقع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعادات والتقاليد ). 

– حتى الخمسينات كان كثير من النساء المسلمات يَقُمْنَ بوفاء نذورهنَّ إلى الخضر، ويضعن النذر في إحدى البيوت المسيحية ، كي يأخذها « لمّام الخضر» لدى زيارته البلدة.

( أوضح الاستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، الذي قرأ هذه الفقرات ، إن «هذه الظاهرة سببها أن الخضر العبد الصالح ليس مقصوراً تكريمه على المسيحيين، وإنما احترامه والتبرك بسيرته شائع بين المسلمين أيضاً، لأن قصته مع موسى عليه السلام مذكورة في سورة الكهف من القرآن الكريم ) . 

– ذكر السيد زكي سالم أن كثيراً من المسلمات كنَّ يأتين إلى الخوري حبيب مغامس (كاهن دير عطية من 1920إلى 1947) للاستعانة بصلواته لدفع الأمراض والرزايا عنهنَّ. وكنّ يعتقدن بقدسيته ، وأن «الحُجُبْ» التي يكتبها لطالبيها يُستجاب لها . 

– ذكر المُسِنْ عبد الله زرزور أن الخوري عيسى العجلوني المتوفى 1914 «كان محبوباً من المسلمين والنصارى » . وأردف زرزور قائلاً، كما سمع من المسنين ، أن «الخوري عيسى كان يصلي في النبي غيلان صلاة الإسلام » . ولا يهمنا هنا الشائعة ، بل يهمنا مغزى الشائعة ودلالتها على انتشار روح المحبة السائدة آنذاك.

– كانت المشاركة في الأفراح والاتراح الطابع الغالب على القرية. ومما يلفت النظر ورود أسماء وجيهة مسلمة إلى جانب الأسماء المسيحية في دفتر وقوعات الخطبة المدوّن في العشرينات والثلاثينات من قبل كاهن دير عطية الخوري حبيب مغامس. وفي أكثر من مرة ذكر الكاهن في مدوناته أسماء من حضروا الخطبة من المسلمين . وهذا دليل واضح على عمق الصلات بين مسلمي دير عطية ومسيحييها. 

( كتب الأستاذ مصطفى الحاج ابراهيم معلقاً : 

كان المسلمون من باب الود والرعاية والاحترام يخاطبون الخوري بأبينا أو بالمحترم كما يخاطبه المسيحيين. وكانوا يخاطبون المطران أبيفانيوس زايد، الذي كان يتردد على قريته دير عطية بسيدنا عندما يخفّون للسلام عليه عند قدومه.

وأضاف: أ.د. وهبة الزحيلي القول: وما يزال هذا التكريم والشعور بالاحترام قائماً لرجال الدين على السواء ) . 

– مقام النبي «غيلان » المقدس عند المسلمين ( كتب الاساذ الدكتور وهبة الزحيلي، الذي قرأ هذا الفصل أن: «إطلاق صفة النبي على غيلان غير ثابته وغير صحيحة، فلا يوجد بين الانبياء من يُسمى بهذا الاسم، وإنما هو صحابي جليل، لذا أُطلق على الجامع الذي جدد أخيراً أسم غيلان الثقفي ) هو مقام (مار يوسف) المقدس عند المسيحيين . 

( جاء في كتاب دير عطية لمرعي مليسان الصادر في عام 1959 ص90 مايلي:

« وهنالك مكان آخر في القطاع الجنوبي من دير عطية يسمى بالنبي غيلان لدى المسلمين ودير القديس يوسف غيلان لدى المسيحيين. إلا أنه لهذا الدير وقف عائد للكنيسة الارثوذكسية هو عبارة عن حقل وقفه الياس غيلان أحد آل غيلان القدامى ويشير إلى ذلك (ما كُتب على هامش) انجيل مخطوط يعود إلى 500سنة كما ذكر لي أحد أخوتنا المسيحيين» ) 

– والظاهرة ذاتها نجدها في التقديس المشترك للشيخ عطية (مكان المتحف) من قبل المسلمين و المسيحيين. وهذه المشاركة في تعظيم مكانين شمال القرية وجنوبها لها دلالاتها، وعلينا التمعن بها من منظار عملية التعايش بين المسيحيين و المسلمين من جهة ، ومن واقع تعاقب مؤثرات مسيحية ومؤثرات مسلمة في المنطقة.

– روى عبد الله زرزور في لقائنا الثالث معه بتاريخ 20-5-1997، الخبر التالي، الذي سمعه عن أمه عدلة غرة ، قال: 

كان لحسن أمين غُرة والد عدلة بستان في أراضي المشارات الواقعة إلى الشرق من «الشيخ عطية» (مكان المتحف الحالي). وكان في الحقل شجرتا جوز موقوفتان للشيخ عطية. وبعد قطاف هاتين الشجرتين كان بيت حسن غرة يسلمون نصف محصولهما إلى الخوري عيسى العجلوني المتوفى 1924.

– ما رأيته بأمّ العين وما سمعته بأذني الظاهرة الطريفة التالية : 

عندما كان فلاحان مسيحيان أو أكثر يريدان رفع حِمِلْ زرع أو سريجة تبن أوعدل (كيس كبير ) من البطاطا أو الحنطة على ظهر البغل لنقله من الحقل إلى البيت ، كان أحد الفلاحين يلفظ إحدى العبارتين التاليتين لتنبيه الآخرين لرفع الحمل سوية وفي ثانية اطلاق النداء . فإذا كان الحِمْلُ خفيفا فكان نداء إشارة الرفع ” يا الله ” ، وإذا كان الحمل ثقيلا وبحاجة إلى جهد مضاعف فكان نداء إشارة البدء بالرفع ” عربي محمد ” … 

– التكتلات الاجتماعية المحلية لم تكن تجري على أساس ديني بل كانت تنعقد على أساس الحارات أو العائلات. وهذا الأمر يبدو جلياً في نزاعات المخاتير والخلاف على كيفية تقسيم حصة الوجهاء من أثمان المياه المباعة أو الغرامات المجباة وغيرها مما يقع تحت أيديهم. ويبدو هذا الأمر جلياً في الانقسام الكبير الذي جرى في الأربعينات بين «أهل المكسر» و «أهل البريكة» حيث انقسم المسيحيون كالمسلمين إلى فريقين واستمر الانقسام واضح المعالم أكثر من عقد من الزمن.

– عدم وجود حزب ديني أو مذهبي في دير عطية، كما هو الحال في بعض المناطق. أما الأحزاب السياسية وهي (الشيوعي، البعث)، التي انتشرت في ديرعطية ، فقد ضمّت بين صفوفها مسيحيين و مسلمين. ويمكن القول إن المشاعر الوطنية وروح العروبة هي التي كانت سائدة في دير عطية. فقد كان مجتمع دير عطية في طليعة من تبنى شعارات النهضة العربية وفي مقدمتها: المساواة في المواطنة وتبني الدعوة للقومية العربية ورفع علم «الدين لله والوطن للجميع».

في تلك الأثناء في عهد صعود حركة النهضة العربية والتنوير الديني عاد الشيخ عبد القادر القصاب من رحاب الأزهر إلى قريته دير عطية عام 1314هـ – 1896م. وسرعان ما أخذت ألسن الجميع في دير عطية من مسلمين ومسيحيين تتناقل صفات الشيخ الخُلقية وأحاديث عن ورعه وتقواه وسعة صدره ونصرته للمظلوم ودعوته إلى التآلف والمحبة. لقد كان الشيخ عبد القادر القصاب كما ذكر ابنه الشيخ وفا «مع شدة حرصه على الدين، والتمسك بسنة النبي الكريم بعيداً عن التعصب، بريئاً من الطائفية البغيضة مكرماً لغير المسلمين، دافعاً عنهم الأذى ما استطاع».

هذا الموقف النبيل الذي وقفه الشيخ عبد القادر انطلاقاً من تعاليم الإسلام السمحاء ودعوته إلى الإخاء والتعايش وعدم إيذاء المسيحيين ومناصرتهم في حال وقوع اعتداء عليهم، كان معروفاً من أجيال دير عطية، التي تربّت على هذا السلوك في النصف الأول من القرن العشرين.

علينا أن نفرق بين الإسلام كعقيدة وهو أمر خاص بالمسلمين وبين الإسلام كحضارة وتاريخ وهما أمران شارك فيهما المسلمون والمسيحيون عبر مئات السنين. إن من يدرس «المجتمع المسيحي» في دير عطية، يرى بوضوح أن الوعي الاجتماعي لهذا «المجتمع» تمتد جذوره في أعماق التراث العربي الإسلامي. وليس ثمة شعور بالغربة عن التاريخ، بل الشعور السائد لدى المسيحيين أنهم كانوا وما يزالون أحد أعمدة الحضارة العربية الإسلامية. وما يزال عالقاً في ذهني من عهد الطفولة اهتمام المسيحيين بهلال رمضان كاهتمام المسلمين. وكان أمراً عادياً قيام النساء المسيحيات، كالمسلمات، بتزيين ” السيارة ” وذلك بوقوف النساء على أسطح المنازل وربط المحارم في البيرق أثناء مرور موكب شيخ الطريقة الصوفية مع مريديه عبر أزقة القرية. وغالباً ما شارك الشبان المسيحيون في مراسيم «الدوسة» ذات الطابع الصوفي .

إن من يراجع أسماء المسيحيين، البالغ عددهم ألف ومئة نسمة، في سجل النفوس الموضوع عام 1900 لا يجد أثراً للاسماء الغربية (الأوروبية)، ونادراً ما يمر عند قراءة السجل اسم لأحد القديسين المسيحيين. فأسماء مثل بطرس وبولس و لوقا ومرقص … الخ كانت نادرة. والأسماء الطاغية هي الأسماء المشتركة بين المسلمين و المسيحيين. 

( ذكر الاستاذ مصطفى الحاج ابراهيم عدداً من تلك الاسماء المشتركة: عبد الله، يوسف، ابراهيم، كمال، توفيق، وفاء، يسرى، نادر، سليم، عبدو، فايز، عيسى، عبود، سعدى، جميلة، الياس، نديم، نديمة، مريم، زكي، زكية، دلال، فيصل، مسعود..الخ …) وحتى بعد تعاظم التأثير الغربي إثر الاحتلال الفرنسي لسورية عام 1920 لا نجد أثراً للأسماء الغربية إلا نادراً. 

ما هي دلالات هذه الظاهرة؟.. 

إنها دليل على أن مسيحيي دير عطية كانوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع ولم يكن لديهم شعور بالغربة، أو أنهم «غيتو» مغلق في بحر الأكثرية المسلمة، التي كان أفرادها غالباً ما يستعملون تعبير «إخواننا المسيحيين».

ومع تنامي الوعي الوطني في الثلاثينات وبفضل الروح الإنسانية التي نشرها الشيخ عبد القادر القصاب بين الجميع في القرية أخذ المسيحيون يشاركون في احتفالات المولد النبوي الشريف، الذي كان يُقام في ساحة الشقطي أو في الجامع التحتاني. ولم تقتصر المشاركة على الحضور بل كان يرافقها في كثير من الأحيان كلمات من المتمكنين من فن الخطابة من المسيحيين. فالأستاذ يوسف البطل ألقى كلمة في عيد المولد وبحضور الشيخ عبد القادر. والأستاذ عبيد البطل ألقى كلمة عام 1945 في الجامع التحتاني، كما ذكر لي في أحد اللقاءات معه.

( 3 )

رابطة المثقفين في ديرعطية في خمسينيات القرن العشرين

عرفت ديرعطية روادا للثقافة منذ الثلث الأول من القرن العشرين . وأعقب هؤلاء جيل ثان مثقف أكثر عددا تلقى تعليمه الثانوي او الجامعي وكوّن الهيكل الأساسي للشباب المثقف ، الذي قام بالتعاون مع من كان حيّا من ابناء الجيل الأول ، بتأسيس رابطة المثقفين في دير عطية عام 1950 ، وكان فقيدنا من المنتسبين إليها . وتألفت اللجنة التنفيذية لرابطة المثقفين في ديرعطية من : يوسف البطل ( رئيس الجمعية العمومية ) زكي التجار ، عطاالله مغامس ، رضا الخطيب ، عبيد البطل ، مصطفى الحاج ابراهيم . إضافة الى مكتب اداري مؤلف من شفيق طرفة ، بشارة نعمة و خالد عبد السلام .

لم ترق أعمال رابطة المثقفين لبعض وجهاء ديرعطية وجرى لغط في صيف 1951 حول حول انتخاب المسيحي يوسف البطل رئيسا للرابطة . وتصدى أعضاء الرابطة المسلمين لهذا التفريق وأصروا معلنين أنّ لا فرق بين مسلم ومسيحي طالما أن هدف الرابطة هو إصلاح البلدة . وقد عكس هذا الموقف الأجواء النهضوية اليعربية المستنيرة السائدة بين مثقفي ديرعطية في خمسينيات القرن العشرين ، و دلّ على زخم الحركة الوطنية العربية في سورية وشعارها ” الدين لله والوطن للجميع ” .

ولا يخفى أن قيام الرابطة ونشاطها كان إحدى ظواهر المجتمع المدني ، المجتمع الذي يحرك أبناء الوطن جميعا للسير به قدما إلى الأمام بعيدا عن العصبيلت الطائفية والعشائرية والعائلية . 

ذكر الاستاذ عبيد البطل في لقاء معه عام 1992 ، أن المثقفين المسيحيين ، وهم العدد الأكبر في الرابطة آنذاك بسبب اتجاه المسيحيين نحو المدارس ، كانوا يدركون أن نجاح الرابطة وتَرَسُّخَ أقدامها يقتضي انتخاب رئيس مسلم مراعاة للمشاعر العامة . وهذا ما جرى بالفعل .

في لقاء جرى بتاريخ 15 – 3 – 1999 مع الاستاذ رضا في بيته وكان الحديث يتناول الرابطة ذكر الأستاذ رضا : 

” أن أبو صلاح ( يوسف البطل ) وأبو عبدو ( عبيد البطل ) رجوه في القبول برئاسة الرابطة ، حتى لا تعبث الأيدي الخفيّة المتضررة من قيام الرابطة وسعيها للإصلاح للقضاء عليها ” . وهكذا جرى انتخاب رضا الخطيب رئيسا وبَقِيَ يوسف البطل عضوا في اللجنة التنفيذية . وأضاف الاستاذ رضا مؤكدا ان هدف الجميع من المثقفين كان العمل لإصلاح البلدة ، وهذا سر نجاح الرابطة في خمسينيات القرن العشرين .

( 4 )

«الوحدة الوطنية في المعيار الشرعي» 

للشيخ الدكتور وهبة الزحيلي

في 13/8/1998 ألقى الأستاذ الدكتور الشيخ وهبة الزحيلي الأستاذ في كلية الشريعة وصاحب مؤلفات دينية أكاديمية عديدة محاضرة في المركز الثقافي العربي بدير عطية تحت عنوان: «الوحدة الوطنية في المعيار الشرعي»، أعاد فيها إلى الأذهان منطلقات الشيخ عبد القادر القصاب الإسلامية المتنورة مضيفاً إليها ما عُرِفَ عن الدكتور وهبة من سعة العلم ومنهجية البحث والتمكن من الأحكام الشرعية. وقد أحاط الدكتور الزحيلي في محاضرته، بما وصلت إليه الأحوال العالمية في أواخر القرن العشرين وموقف الإسلام منها وبخاصة ما تعلق بموضوع المحاضرة.

وقد تكرّم الدكتور وهبة، مشكوراً، وقدم لنا نسخة مكتوبة عن المحاضرة ، التي ألقاها ارتجالاً، حيث قمنا بنشر مقتطفات منها في فصل التعايش بين المسلمين والمسيحيين في ديرعطية من كتابنا الصادر عام 2002 بعنوان : ” ديرعطية التاريخ والعمران من الوقف الذري إلى المجتمع المدني ( أواخر القرن الثالث عشر – منتصف القرن العشرين ) . ” وأهم ماجاء في محاضرة الدكتور وهبة الزحيلي، بما له علاقة بموضوع هذا الفصل وهو التالي :

«…والكلام في هذا الموضوع يعتمد شرعاً وعرفاً وقانوناً اجتماعياً على المقدمات التالية:

1- ليست العبرة في الأحداث الحاصلة والحكم عليها بالحوادث الفردية الشاذة، وإنما بما تقره الجماعة وتعبر عنه الإرادة العامة من تصرفات ومواقف.

2- الوطن والمواطنة حق مشترك لجميع أبنائه على السواء.

3- التسامح والتآخي وتبادل الود في حال التعددية المذهبية والدينية والاجتماعية، ينبغي أن يكون ملحوظاً ومراعى من جميع الفئات.

4- الحكم على الأوضاع والتصرفات في عالم الحياة الدنيوية لايختلف بسبب أي مظهر من مظاهر التعدديات القائمة في المجتمع. وإنما يختلف الحكم في عالم الآخرة، ويترك الشأن في حساب الخلائق لله عز وجل، وبمقتضى عدله وسلطانه وفي مظلة رحمته، والبعد عن الظلم.

5- رحمة الله تعالى للبشر في عالم الدنيا، سواء في الرزق والصحة والمنصب التفوق وألوان العطاء ومواهب الفكر والقوة البدنية وغيرها تشمل جميع البشر، دون أن يكون للإيمان والكفر دخل في التمييز..».

«وتجمُّع فئات المجتمع في مظلة دولة واحدة، صغيرة أو كبيرة: أساس لتقدم الدولة وتحضرها، ودفع عجلة النمو والازدهار فيها، بل إن قوة هذه الدولة تكون بمدى تعاضد أبنائها ومؤازرة بعضهم لبعض».

«ويمكن تعريف الوحدة الوطنية بأنها: اندماج جميع العناصر والمذهب وتكتل جميع القوى وصهرها في صف اتجاه واحد، في السلم والحرب معاً».

«ومن مظاهر التسامح مع غير المسلمين، المفضي إلى التعايش الودي، وكفالة حرية ممارسة عقائدهم وطقوسهم الدينية، وتوفير حريتهم وكرامتهم، وجعلهم مواطنين في المجتمع مندمجين فيه، ليسوا من الدرجة الثانية كما يروج بعضهم، وهو ما يأتي من مظاهر خمسة :

أ‌- توفير حرية ممارسة مقتضيات عقائدهم، من مراسم وشعائر وطقوس في كنائسهم، واحترام عاداتهم وأعرافهم، واللجوء إلى مجالسهم الملية في مسائل الأحوال الشخصية.

ب‌- تركهم وما يدينون، ولهم مالنا، وعليهم ما علينا، وترك جدالهم إلا بالتي هي أحسن، كما جاء في النص القرآني: «ولاتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم…».

ت‌- إقامة جسر عملي في الحياة العملية من طريق مصاهرة المسلم أهل الكتاب وأكل ذبائحهم والأكل معهم وموادتهم ومجاملتهم في أفراحهم وأحزانهم، وعيادة مرضاهم والتعزية في موتاهم..

ث‌- المساواة في تولي الوظائف العامة: فقد كان بعض غير المسلمين وما زالوا يشغلون وظائف إدارية وسياسية ومالية في الدولة الإسلامية، منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي الخلافات المتوالية: الأموية والعباسية والعثمانية. لكن تستثنى رئاسة الدولة والجيش ووزارة التفويض (رئاسة الوزارة) لأعراف ومصالح عليا متعارف عليها حتى الآن بين الدول الحديثة…

ج‌- احترام الكرامة الإنسانية والأعراض والحرمات والأموال والملكيات، لقول الله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم…» (الإسراء: 70). وتحريم إيذاء غير المسلمين المواطنين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة» . وفي حديث آخر: «ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، او أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجة يوم القيامة» «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة».

«ومن مظاهر التكريم أن القرآن الكريم أطلق على غير المسلمين الذين يعيشون في المجتمع مصطلح «أهل الكتاب» أي الكتابيين الذين نزل عليهم كتاب سماوي على موسى وعيسى عليهما السلام. وإذا أطلق عليهم الفقهاء لفظ «أهل الذمة» أو «الذميين» فليس ذلك مشتقاً من الذمّ، كما يفهم بعض العوام، وإنما ذلك مستمد من الذمّة، أي أهل العهد والأمان والضمان… لذا فإن الإسلام يبرأ من أي أعمال شائنة أو طائشة، يرتكبها بعض الجهلة أو الحمقى، بتحريض بعض الجهال، ورعونة بعض المتنفذين أو الولاة الجائرين».

«أما الجزية التي أصبحت في ذمة التاريخ….».

«إن الإسلام الحريص على السلم المستعر والأمان الدائم مع غير المسلمين يحرص على إقامة مفهوم التعايش الودي بين فئات المجتمع، على نحو عملي وطيد الأركان، لاتهزه الأهواء، ولاتعصف به محاولات الدسّ والفتنة، وتشويه الحقائق، وسوء فهم الدين وأحكامه، وهو ينطلق من الثوابت والقواعد الأصلية التالية:

1ً- التعايش الديني والودي في ظل التعددية المذهبية والاجتماعية ضرورة إنسانية حضارية..

2ً- يقوم التعايش في ظل الإسلام على جوهر الحوار الهادئ لتبادل المعارف وحل المشكلات وينبذ العنف والإرهاب، وقسر العقل والفكر..

3ً- يهدف التعايش إلى نشر ألوية السلم والأمن والأمان والإيمان، والقضاء على مختلف ألوان الخصام والنزاع الذي يهدد كيان الأمة والمجتمع….».

«والتاريخ المعاصر يثبت ضرورة التأكيد على الوحدة الوطنية، لتنصبَّ كافة الجهود لإعلاء صرح البلاد، ومقاومة الاستعمار بشكليه القديم والحديث، ولاسيما الاستعمار الاقتصادي، والعمل على استرداد الحقوق المغتصبة في فلسطين، والتخلص من شرور الصهاينة. بذرة الفساد والفتن، وسبب التخلف والتأخر، ذلك لأن الضرر والخطر يلحق بجميع أبناء الوطن الواحد.

وإن مما يشرّف أن المجتمع السوري يفخر منذ القديم بتجاوز الظاهرة الطائفية، والحزازات المذهبية …

والخلاصة:

إن دماء المسلمين وغير المسلمين سواء… وإن حقوق المسلمين وواجباتهم وكذلك غيرهم سواء.. وإن العدل والمساواة والحرية أساس المعاملات في كل مجال». 

(انتهى النقل الحرفي من محاضرة الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، التي ألقاها كما ذكرنا في دير عطية في 13 آب 1998).

( 5 )

مسلمو ديرعطية يتعاطفون مع مسيحييها

أثناء غزوة داعش في تشرين الثاني 2013

هذه الأمنية النبيلة في الدعوة إلى الوحدة الوطنية ، التي تحدث عنها الشيخ وهبة ودعا إليها في مناسبات عديدة ، والتي تعود جذورها إالى الشيخ عبد القادر القصاب ، عكّرت صفوها الرياح السموم ، التي صدّتها النسائم العطرة لمسلمي ديرعطية .

فبعد ستة أشهر من قيام التحركات الشعبية في آذار 2011 المطالبة بالحرية والعدالة والمنادية بأن الشعب السوري واحد ، بدأت ترتسم في الأفق ملامح إنزلاق التحركات الشعبية السلمية نحو العسكرة متزامنة بانبعاث الطائفية وتفجُّرها من جديد . وقد أصابت شظايا التفجيرات هذه ديرعطية . 

فقد شنّ مسلحو داعش في 20 – 11 – 2013 هجوما مفاجئا على ديرعطية الهادئة نسبيا واستولوا عليها . وأول عمل قام به هؤلاء المسلحون الغرباء الهجوم على كنيسة ديرعطية وتخريب مقدساتها . وفي اليوم الثاني أعلنوا عن رغبتهم في تفجير الكنيسة ، فثناهم المسلمون المجاورون للكنيسة عن هذه الرغبة بحجة أن تفجير الكنيسة سيؤدي إلى تفحير بيوت المسلمين المجاورة . ولم يكن أمام مسلمي ديرعطية المسالمين من وسيلة لردع هؤلاء الجهلة إلا حجة تفجير بيوت المسلمين . 

وفي الوقت نفسه قام مسلحو داعش بمهاجمة بيت وجيه المسيحيين غسان عجلوني وشرعوا في النهب وتخريب ما يجدونه في طريقهم . فتصدت لهم زوجته نبيهة وخفّت لمساعدتها جارتها المسلمة أم حسام …

دبّ الخوف في قلوب المسيحيين وأخذوا يشدون الرحال للنزوح . ولم يكن مستغربا تعاطف المسلمين مع المسيحيين الخائفين من القتل . فجرى مبيت كثير من الأسر المسيحية في بيوت أصدقائهم من المسلمين . ذكر لي أحد المسيحيين أنه كان يسير هاربا مع اسرته في الشارع المؤدي إلى قرية الحميرة فكلمه أحد المسلمين الواقف أمام بيته مطمئنا إياه بعبارة ” لا تخافوا اللي بيصير علينا بيصير عليكم ” . وكانت هذه مشاعر جميع مسلمي ديرعطية . وكثيرا ما قام مالكوا السيارات المسلمين بنقل المسيحيين سرا بعيدا عن أعين مسلحي داعش . 

لم يبق مسلحو داعش في ديرعطية أكثر من اسبوع ، وأضطروا للانسحاب مع تقدم الجيش ، الذي دخل ديرعطية في 30 – 11 – 2013 . 

الكنيسة المُخَرّبة والمساجد المتضررة من القصف سرعان ما شُرِع العمل بترميمها .. .

( 6 )

وهبة الزحيلي وعبد الله حنا من تلاميذ رضا الخطيب

لقد جمعت زمالة التلمذة والجلوس على مقعد واحد كاتب هذه الأسطر مع وهبة الزحيلي في الصف الخامس الابتدائي من مدرسة المعارف في ديرعطية للعام الدراسي 1945-1946 ، الذي ضمّ تلامذة مسلمين ومسيحيين سادت بينهم روح المودة والإخاء، التي عطّر شذاها، معلم الصف، الأستاذ محمد رضا الخطيب.

أعطى الأستاذ رضا تلاميذه عصارة معارفه التربوية والعلمية وكان مثالا للتلاميذ وقدوة لهم بما تمتع به من سجايا : علم ، أخلاق ، إخلاص ، وطنية ، ورع ، ، تدين مع كره للتعصب وحب لسائر عباد الله بروح سمحاء قلّ نظيرها . 

رحم الله معلّمي ، ومعلّم وهبة في الصف الخامس ، رضا الخطيب ، الذي حببني بالإسلام ، وهو يجمع بين الفكر والعمل بسلوكه وتواضعه وصدقه وصوفيته ، التي تعانق السماء . وما أشاهده هذه الأيام من تصرفات مرعبة لدعاة الإسلام السياسي المتطرف ، يدفعني للمقارنة بين هذا الإسلام ، الذي يدعو اليه المتطرفون المتزمتون وبين إسلام الاستاذ رضا ابن الشيخ الإمام يحيى الخطيب والمتحدر من عائلة كانت ، أيام عزها ، تجمع بين ” أمور الدين والدنيا ” . ولم يكن الاستاذ رضا متعصبا لعائلته ، بل كان مسلما يتعاطف مع الصالحين من جميع المذاهب والطوائف ، وينظر إلى الجميع نظرة محبة انسانية .

وما أحوجنا في هذه الأيام العصيبة إلى مثل هؤلاء المسلمين المتنورين الأتقياء الأنقياء للخلاص من هذا الكابوس ، الذي يخنق العباد ويشتت البلاد …

***

أمنيتي الآن ، وأنا في الغربة ، ولم استطع المشاركة في تشييع جثمان الشيخ وهبة ، أن يقوم أحد معارفي في ديرعطية بقراءة الفاتحة على روح فقيدنا نيابة عنّي ، مشفوعة بالدعاء إلى العلي القدير أن يُنقذ سورية من محنتها ، بل كارثتها ، التي طال أمدها .

وأسمع من بعيد نداء يردد واقع الحال :

والعقلاء حيارى ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى …!

  • Social Links:

Leave a Reply