في مجتمع يقوم على التراتب يصير كل طرف عنصرياً ضد الطرف الآخر (ريشار سمور)

في مجتمع يقوم على التراتب يصير كل طرف عنصرياً ضد الطرف الآخر (ريشار سمور)

التساؤل إذا كان اللبنانيون عنصريين يبرره ما يسمع يومياً من مواقف وآراء، واعتداءات أحياناً، تجاه غير اللبنانيين. لكنه تساؤل مفخخ أيضاً، إذ لا يمكن القول إن اللبنانيين، جمعيهم، عنصريون، كأنهم شخص واحد. وهذه الجوهرانية السائدة في الكلام العام، تحاول “المدن” مناقشتها من نواحٍ ووجهات نظر متعددة، خصوصاً مع ازدياد أعداد غير اللبنانيين في لبنان، وتشكيلهم اجتماعات خاصة، نسبياً، كما في مخيمات اللاجئين، الذين يُحتفل في 20 حزيران من كل عام بيومهم العالمي، وهم يُعدون من أكثر الفئات ضعفاً واستهدافاً.

في الجزء الثاني من الحوارات تسأل “المدن” أستاذ علم الاجتماع في “الجامعة الأميركية” في بيروت ساري حنفي “هل اللبنانيون عنصريون؟”، بعدما كانت قد نشرت الحوار مع الباحثة في “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” الأستاذة الجامعية مارلين نصر، على أن يليه حوار مع أستاذ الإقتصاد في “الجامعة الأميركية” في بيروت جاد شعبان. يعرّف ساري حنفي العنصرية بأنها ظاهرة اجتماعية خطيرة موجودة في كل المجتمعات بدرجات متفاوتة. والعنصرية هي أيضاً، وفق حنفي، “ظاهرة مرنة، كانت موجودة قبل الحداثة، وفي مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة”.

ولأنها تشبه فيروس الأنفلونزا الذي يظهر بشكل جديد كل فترة، يقول حنفي إننا نحتاج إلى التعاطي معها بأشكال مختلفة. وتتأثر العنصرية بعوامل متعددة، منها القومية. إذ “أجّجت القومية العنصرية، من دون أن يعني ذلك التخلص من القومية للحد من العنصرية”، وفق حنفي. لكن القومية، شأنها شأن الدين، تقسم الأشخاص إلى مجموعات وتؤدي إلى ولادة “الآخر”، وما يترافق مع ذلك من مواقف معادية أو تهميشية. وللعنصرية أسباب إقتصادية أيضاً، تتعلق بعنصرية طبقة ضد طبقة أخرى. وهو أمر تاريخي. لها أسباب سياسية أيضاً. فالتمييز ضد السوريين، في لبنان مثلاً، تأجج منذ أن أصبحوا لاجئين، أي منذ أن أصبحت دولتهم في أزمة سياسية.

أما الطائفية، فلا يمكننا القول، وفق حنفي، إن كل الطوائف في لبنان تتعامل بعنصرية مع الطوائف الأخرى. لكن في دولة تسهل فيها ممارسة العنصرية، تبرز العنصرية الطائفية كشكل بارز من أشكال التمييز العنصري. وهذا ما يرتبط بعوامل أخرى تؤججها، مثل البعد التاريخي وهشاشة الآخر. وتتجلى العنصرية في مظاهر ثلاثة، تتطور وفقها على مراحل. وأول مظهر للعنصرية أو المرحلة الأولى منها، هي تبني الأفكار المسبقة ضد “الآخر”. وتتطور الأفكار المسبقة إلى أفكار مسبقة مشحونة إذا لم يسيطر الفرد عليها، بحيث أن اختلاف الآخر يدفعه إلى اتخاذ موقف سلبي منه، وهي المرحلة الثانية من مراحل تطور العنصرية أو المظهر الثاني لها.

أما المرحلة الثالثة فهي تجاوز التمييز بالأفكار إلى التمييز بالفعل، من خلال منع الفرد مثلاً من الحصول على فرص متساوية للآخرين بسبب أحد انتماءاته، “وهو مظهر واسع الإنتشار للعنصرية في لبنان”، يقول حنفي. وفي حين تحرص دول كثيرة حول العالم، خصوصاً في العالم الديموقراطي، على “السيطرة على كل أشكال التمييز القانوني والمؤسساتي فيها”، على ما يقول حنفي، فإن هذا ما يبدو مفقوداً في لبنان. ما يؤدي إلى تحول هذه الظاهرة إلى ظاهرة مجتمعية بشكل أساسي، بحيث تصعب السيطرة عليها. فالمشكلة في لبنان تحديداً لا تقتصر على غياب قوانين تمنع التحريض، بل هناك قوانين تمييزية، منها ما يميز ضد الفلسطينيين بالإسم، كما في قوانين التملك والمهن الحرة مثلاً. “إذاً، نحن نتحدث عن تخصيص أو تمييز في القانون، وهو أمر يتناقض مع إتفاقيات وقع عليها لبنان مثل إتفاقية “سيداو” و”الشرعة الدولية لحقوق الإنسان”، يقول حنفي. يضيف حنفي إلى ظاهرة النعصرية في لبنان “وجود مؤسسات تربوية طائفية تؤدي إلى تطوير الأحكام المسبقة تجاه أشخاص لم يقابلهم الفرد ولم يتعرف إليهم”. وهذه العوامل تشجع المجتمع على أن يكون عنصرياً. في النتيحة، في مجتمع يقوم على التراتب والهرميات، يقول حنفي، و”كل شي فيه مسموح في غياب رقيب أو محاسب، يصير كل طرف عنصرياً ضد الطرف الآخر”، وننتهي إلى أن نكون جميعاً عنصريين. ويشرح حنفي فكرته قائلاً: “أثبتت إحدى الدراسات أن المرأة اللبنانية هي أكثر طرف عنصري تجاه المرأة العاملة. وهي الطرف الذي يعاملها بعنف. في الوقت نفسه، تتعرض النساء لعنصرية أزواجهن تجاههن. وهكذا دواليك”. لكن العنصرية ليست عصية على السعي للحد منها. أما الطريق إلى ذلك، في رأي حنفي، فمن خلال جهود على مستوى المؤسسات تبدأ من المدرسة بتعليم المواطنة، ومن الدولة بسن قوانين تساوي بين الجميع.

  • Social Links:

Leave a Reply