عارف دليلة – مزاعم السلطة وفداحة الواقع

عارف دليلة – مزاعم السلطة وفداحة الواقع

عارف دليلة

تقول السلطة بمناسبة او بغير مناسبة ، وليس فقط منذ بداية 2011 ، بل وعلى مدى خمسة عقود : اين المعارضة ؟ لامعارضة في سورية ! لو كان بامكاني ان اجمع واقدم كل ماقاله اصحاب الراي الآخر من السوريين ، بما في ذلك ماقلته في السبعينات (في ندوة الأربعاء الاقتصادية التي كنا نعقدها اسبوعيا في كلية العلوم الاقتصادية بجامعة حلب ) وفي الثمانينات وما بعدها حتى الوقت الراهن ، في دمشق خلال ندوات الثلاثاء الاقتصادية في المراكز الثقافية ، او على صفحات الصحف ،المحلية ،تحايلا ، والخارجية ، وكذلك في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق ، ومن خلال وسائل الاعلام وفي المشاركات في المؤتمرات الخ..، مع التاكيد ، بشكل خاص ، على سفر يعتبر فريدا من نوعه في تاريخ السجون العالمي ، والذي تتعاظم قيمة كل كلمة متضمنة فيه ، بالاخص بعد تداعي الاحداث الخطيرة في سورية في السنوات الخمس والنصف الاخيرة ، واعني ” التسجيلات والتفريغات ” ( حسبما اوردوا في القرار الاتهامي ) لكل ماحكيناه وتلفظنا به على مدى سبعة اشهر ليلا ونهارا ونحن نمضي الاشهر السبعة الاولى في سجن عدرا بعد اختطافنا من بيوتنا في 9/9/2001 ، دون تهمة اوجريمة او محاكمة ، ونحن تحت التنصت السري الذي تكلف جهدا كبيرا ومبالغ طائلة لتفريغ ضباط وعناصر وشراء اجهزة وعمل مضن ليل نهار ، املا منهم ان يلتقطوا ولو “نهفة” واحدة يمكنهم التلويح بها كتبرير لاعتقالنا منطوق بصوتنا ، ولشد ماكانت خيبتهم كبيرة عندما لم تعلق في شباكهم على مدى سبعة اشهر ( رغم اننا كنا نعيش اسوأ الظروف ، طبعا ليست مقارنة بظروف الاعتقال في السنوات الاخيرة ، والتي ليس لها الا قرائن نادرة من نوعها في التاريخ ) ، ولو كلمة واحدة تصلح شبه مخالفة حتى لدستورهم وقوانينهم او للواجب الوطني او المهنى او الاخلاقي والاجتماعي ، بل كان هذا التنصت نقطة قوة اضافية هائلة بيدنا جعلتني اطالبهم بالحاح بتنفيذ ما اوردوه في قرارهم الاتهامي بشان المجيء كشاهد الى المحكمة وبيدهم اكوام التسجيلات والتفريغات ، وكذلك تقديم شهادات شهود الزور مع مواجهتنا لاصحابها امام المحكمة ،كما يقتضي القانون ، وهذا الفشل الذريع هو ماجعلهم يتجاهلون كل اصول المحاكمات ويحولون المحاكمة الى قاعة مغلقة صامتة كاتمة للصوت لايناقش فيها اي كلمة من مرافعاتنا او مرافعات المحامين المتطوعين ولا تشهد قاعتها الا حدثا واحدا وهو قراءة الحكم المكتوب مسبقا والمرسل في مغلف مغلق من قبل الاجهزة الوصائية الامينة جدا جدا !!! والذي ينص على احكام تتراوح بين السنتين والخمس سنوات للاغلبية والعشر سنوات لصاحب الحظ السعيد !!! كاتب هذه السطور ، الحكم الذي يليق بحجم الفساد والخيانات الوطنية التي كان يتعرض لنقاشها في نشاطاته ! نعود لنقول لكل من يتساءل عن المعارضة ومؤهلاتها وقدراتها ان العمل الرئيس للسلطة بجميع مؤسساتها وفروعها على مدى ما يقارب النصف قرن لم يكن ابدا الاهتمام بحاجات الشعب وتطوير البلاد في جميع المجالات لترقية موقعها على سلم التطور العالمي سنة بعد سنة ، اذ ان هذا الموقع كان في تراجع مستمر ، وانما محق راس كل مواطن سوري يرتفع فوق سطح الارض ، سواء في مجاله المهني او العلمي او في اي مجال من مجالات الابداع او الاختراع او الانتاج ، وبشكل عام في اي عمل تنموي ، حتى تميزت سورية بكونها بلدا طاردا لكل شيء خير وايجابي ومتقدم ، وبالاخص للبشر ، وللثروة الاعظم التي يحملونها وهي العقل ! قد يقول البعض: اهذا هو الوقت المناسب للعودة الى نبش الماضي الاسود وقد اصبحت سورية في خبر كان ؟ اليس من الواجب الآن التركيز على ايجاد المخرج من هذا الوضع الكارثي والبحث عما يمكن تفعيله من بقايا عوامل ايجابية لتحقيق هذا الهدف ؟ انني اؤيد هذا التساؤل بشكل مطلق ! ولكن : اليس الشرط الاول للخروج من الكارثة هو انتهاء الفكر والعقل والممارسة والفعل الذي قاد البلاد بوعي كامل وتصميم منقطع النظير على الطريق الموصل الى هذا المصير ؟ هل حصل في التاريخ ان ينقلب فاعل الفعل السلبي الى فاعل ضد هذا الفعل ؟ ان التاريخ يندر ان يقدم مثالا واحدا على ذلك ، بينما هو مليء بالامثلة ، على العكس ، اي على انقلاب صاحب الفكر المتقدم او الممارسة الايجابية الى صاحب فكر متخلف او الى ممارسات سلبية ، والتفسير بسيط وهو الضعف امام الضغوط الهائلة والاخطار التي تشكلها القوى والمصالح الفاسدة حتى الاستسلام لها والتحول الى اداة بيدها ، باعتباره الخيار الاسهل والاربح والانجى لصاحبه ، وابلغ تعبير عن ذلك ماقاله ابو هريرة مبررا ومفسرا لانحيازه الى معاوية في الصراع مع علي على الخلافة : ( ان الصلاة وراء علي اتقى ، ولكن الطعام على طاولة معاوية اشهى) ! اورد هذا الحديث هنا لبلاغته التعبيرية بخصوص المسالة المطروحة ، رغم انني اتمنى ان نخرج كليا من لبوس الماضي البعيد السوداء . والى الذين يضربون امثلة بتلك النماذج الفاسدة التي كانت خيارات خارجية بحتة لاعلاقة للشعب السوري بها وهو الذي لم يتح له خلال اكثر من نصف قرن فرصة قول كلمته او مفاضلته بين اي بديل وآخر ، سواء بخصوص الاشخاص او الخطط او القرا ات الصغيرة او الكبيرة ، فعلى من يجب القاء المسؤولية عن تواضع القدرات والتنظيمات الوطنية ، للسلطة قبل المعارضة ، وعن وقوع هذا السوري او ذاك في حضن هذه الدولة او الجهة الاجنبية او تلك ، في الوقت الذي لم يعرف اي مواطن سوري على مدى اكثر من نصف قرن اي فرصة لممارسة حرية القول او الفعل بل كان مجرد آلة صماء للتسجيل والتصفيق ! وان كنت انسى او اتناسى اشياء كثيرة ، فلا يمكنني ان انسى ذات مناسبة (عيد ) عندما تتعطل البلاد عن العمل المنتج ، وما اقله ، ليساق الناس الى الساحات لاداء الرقص اوالى الاجتماعات لاداء التصفيق ، فبعد ان شاهدت نهارا على شاشة التلفزيون المحلي (زملائي ! ) قادة التعليم العالي في سورية ، بدءا من الوزير ونوابه ومدراء وزارته وحتى رؤساء الجامعات وعمداء الكليات واساتذتها وكبار موظفي الجامعات ( الملتزمين منهم ، طبعا ، بالاساس ) يرقصون ويصفقون ، لأعود مساء الى رؤية نفس المشاهد تتكرر عدة مرات ، ولكن كلوحات خلفية لاغنية مطرب شعبي من الدرجة العاشرة ، لتحل محل اللوحات الراقصة الاصلية لهذه الاغنية ! ان الموقع (الرفيع ) المبتذل جدا الذي ارتأته السلطة لقادة التعليم العالى لتثبته في اذهان جميع المواطنين ،وبالاخص الاجيال الجديدة ، ارادت من خلاله القول بانه ليس في سورية غير مرجعية وحيدة وهي السلطة الامنية ، صاحبة الحق الحصري في تقرير كل شيء ، بخلاف قول الشاعر الفيلسوف ابو العلاء المعري قبل احد عشر قرنا :لا امام الا العقل ! اما بالنسبة لذلك المتمرجل الذي يتحدى ان اقول الحق بحق من يدعون المعارضة بينما هم ليس لهم اي تاريخ او تراث وطني او معارض بل سجلوا على انفسهم اسوأ سجل في التدمير والتهجير والتشريد والتمزيق للوطن والشعب والاقتصاد وشروط العيش المادية، وهم مع داعميهم ومستاجريهم الخارجيين لايمكن ولم يكن في نيتهم ان يشكلوا بديلا نوعيا للسلطة واعدا باقامة دولة المساواة والحرية والكرامة والديمقراطية باي معنى بل في احسن الاحوال صورة ممسوخة او مشوهة لها ، فان كل ماقلته في ضرورات التغيير اذا كان يعري السلطة فكيف يمكن ان لا يعري كل من يتشبه بها وعلى انمساخ ؟ لكن ذلك كله ، رغم فظاعة مايمثله في جانب السلطة و(اخوتها الاعداء ) ، لايجب ان يجعل المسالة السورية اسيرة هذه الثنائية الخانقة ، التي حكمتها حتى الآن . فلم يعد خافيا الا على المتعامي عن قصد ان هذه الثنائية المهلكة تراوح في دائرة مغلقة لاهدف لها الا الاجهاز على سورية بالكامل ، دون امكانية تحقيق اي هدف آخر . ان هذه المراوحة لايمكن ان تستمر الى مالا نهاية ، كما لايمكن للسوريين ان يتحملوا هذا الوضع الميؤوس منه ، الذي لايحمل لهم الا الهلاك المتسارع ، وهو مايجب ان يكون دافعا لاغلبيتهم الساحقة التي لايمكن ان تبقى موضوعا او ساحة تمارس عليه او عليها عربدة المعربدين من مختلف الاطراف . فهل يحتاجون وقتا اطول ودمارا وتشريدا وقتلا اكثر ليقرروا ان يتحولوا من موضوع تمارس عليه افعال الاخرين واهدافهم ومصالحهم المعادية الى ذات مستقلة فاعلة واعية لمصالحها وحقوقها ولكيفية كسب وفرض احترام هذه الحقوق والمصالح ومراعاتها ؟ وفيما يلي اعرض ما قلته في اواسط عام 2011 كواحد من الادلة على وضوح رؤية المعارضة وسلامة الطريق الذي كان يستطيع تحصين البلاد وتامينها من الدمار الذي يستمر يمارس يوميا على ارضها وضد اهلها دون اي افق معلوم .

  • Social Links:

Leave a Reply