العدالة الانتقالية – بقلم علي الجلولي

العدالة الانتقالية – بقلم علي الجلولي

أنهت هيئة الحقيقة والكرامة يوم 15 جوان الجاري طورا من أشغالها، وهو الطور الخاص بتجميع ملفات الضحايا أو من مسّهم ضرر ما من حكم حزب الدستور إلى حكومة الترويكا. ومن المعلوم أنّ العدالة الانتقالية هي المسار القانوني والسياسي الذي تتبعه بلاد ما لتصفية تركة الاستبداد التي سيطرت في فترة ما من تاريخ هذه البلاد والتي كان لها أضرار جمّة طالت المواطنين ومصالحهم، كما طالت حقوقهم وكرامتهم من قبل النظام الاستبدادي، لهذا الاعتبار تعرّضت كلّ مسارات العدالة الانتقالية إلى مضايقات ومؤامرات تستهدف المسار برمته باعتباره يمسّ النظام السابق ورموزه والمتمعّشين منه والمتعاملين معه، وهو عين ما جرى في بلادنا التي يعرف فيها هذا المسار تعطيلات ومناورات من جهات مختلفة تصبّ كلّها في خانة تصفية المسار والالتفاف عليه في إطار عمل محموم من أجل تصفية المسار الثوري والدوس على الاستحقاقات الأساسية للشعب.

مسار العدالة الانتقاليّة ومؤامرات النّداء والنهضة

لاشك في أنّ أكثر طرفين استهدفا ومازالا مسار العدالة الانتقالية هما حزب النداء وحزب حركة النهضة، الأوّل بحكم أنه يضمّ في صفوفه وفي طاقمه المؤسّس أزلاما للنظام السابق في عهديه، وفيهم كثر معنيّون شخصيا بالمساءلة والمحاسبة بحكم الأدوار والمنافع التي حقّقوها بحكم ارتباطهم بالنظام السابق ومواقع القرار فيه، والنداء مثله مثل الأحزاب المرتبطة بهذا القدر أو ذاك بحزب التجمع الفاشستي المنحلّ، بنت مشروعية وجودها أصلا على مناهضة الثورة واستحقاقاتها وجمّعت كلّ المتورّطين في خدمة نظام الاستبداد والفساد في فترتي بورقيبة وبن علي لتنظيم دفاعهم عن مصالحهم.

وقد استفادوا من إسقاط قانون الاستثناء السياسي الذي أعدّته حركة النهضة وانقلبت عليه بمقتضى التموقع الجديد الذي فرض تحالف الشيخين. فأسّسوا الأحزاب والجمعيات. ونظّموا الهجوم على هيئة الحقيقة والكرامة وعلى مسار العدالة الانتقاليّة برمّته، مستغلّين المشاكل التي كانت الهيئة فضاء لها بحكم المنطق المغلوط الذي اعتمدته الأغلبية داخل المجلس التأسيسي بقيادة حركة النهضة في تشكيل الهيئة على أساس المحاصصة. فوُلدت هذه الهيئة مخصيّة وعرفت الانسحابات والاستقالات منذ اليوم الأول. ومازالت قضايا المتعلقة بالتّسيير وحسن التّصرّف منشورة لدى القضاء الإداري، ممّا أضعف هذه الهيئة وشوّهها أمام الرأي العام، حتى أنّ عدد الذين قدّموا ملفات تظلّم كان دون المنتظر بكثير بحكم الحجم الكبير للانتهاكات التي مارسها نظام حزب الدستور منذ اليوم الأول لتربّعه على كرسي الحكم في بلادنا.

وبمقتضى التحالف بين النداء والنهضة فإنّ المقايضة بينهما طالت أساسا ملف العدالة الانتقالية ومسارها الذي يشمل حتى فترة حكم النهضة (إلى حدود جانفي 2014) والتي شهدت بدورها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان على غرار أحداث 4 ديسمبر، 9 أفريل، الرش بسليانة، الاغتيالات، الإرهاب… والمقايضة تقتضي “العفو المتبادل” أو بعبارة أدق تبادل الصمت إزاء الجرائم قبل 14جانفي وبعده. في هذا الإطار تقدّم السبسي بمبادرة تشريعية للمصالحة الاقتصادية والمالية، والتي تمسّ رجال الأعمال وكبار المسؤولين الذين أصبحت تربطهم مصالح بحزبي النداء والنهضة.

وقد ردّ راشد الغنوشي على التحية بأحسن منها بأن دعا إلى المصالحة الشاملة ونسيان جراح الماضي. وتتّفق المبادرتان على إلغاء مسار العدالة الانتقالية.

مصلحة النّداء والنّهضة هي في الالتفاف على المسار

إنّ الالتقاء الموضوعي بين قطبي الرجعية في تونس اليوم فرضت توحيد العزف وتوحيد الوتر، فالنهضة لا ترى في استبداد ما قبل الثورة إلاّ ما طالها وطال منتسبيها في السجون والتعذيب والتهجير، وما دون ذلك فلا يعنيها ولا يهمّها (النهب وتدير البلاد وانتهاك حقوق الشعب واتباع خيارات التبعية والتفقير والفساد…)، والانتهاكات التي طالت منتسبيها يمكن معالجتها بالتعويضات المادية التي شرعت هذه الحركة في توزيعها سرّيّا ودون علم الشعب مستغلّة في ذلك وجودها على رأس أغلبية رجعية في الحكم وذلك تطبيقا لمقولة الغنيمة التي حوّلها راشد الغنوشي إلى مستوى العقيدة، من لم يتمتّع بها فكأنه أخلّ بركن من أركان الدين، علما وأنّ مقاربات حركة النهضة حول العدالة الانتقالية واختصارها في نقطة التعويضات قد شوّهت المشروع برمّته خاصّة أمام جيش المعطّلين والمفقّرين الذين رأوا بأمّ عينهم وزراء النهضة يستغلّون النّفوذ ويصدرون في الرائد الرسمي تسوية المسار المهني والتعويض المادي لخاصة أنفسهم (محمد بن سالم…)، أمّا حزب النداء فقد أكّد استعداده للصمت وغضّ الطرف عن جرائم حركة النهضة إبان ممارستها للحكم بما فيها ملف الاغتيالات والأمن الموازي واختراق القضاء والأمن والإدارة…، وهي الملفات التي غالطت بواسطتها جزء من الشعب والنخب وبنت على أساسها مشروعيّتها إبان انتخابات 2014، وذلك مقابل الصمت المقابل على تركة نظام حزب الدستور، وهكذا التقت الإرادتان وتقاطعتا ضدّ حقّ الشّعب في تصفية تركة الاستبداد الذي طاله وطال بلاده طيلة أكثر من نصف قرن.

العدالة الانتقاليّة استحقاق ثوري

إنّ العدالة الانتقالية بماهي مسار للمساءلة والمحاسبة وكشف الحقيقة عن أسلوب ممارسة الحكم منذ 1955، وإعادة كتابة التاريخ المعاصر لتونس، يبقى استحقاقا ثوريا ومطلبا عادلا. صحيح أنّ عديد العوائق تمسّ اليوم هذا المسار وتمسّ الهيئة وقانونها وتشكيلتها وتشكيلة فروعها الجهوية وبطء نسق عملها، كما تمسّ حجم تقديم الملفات التي ستنعكس في الصورة التي ستقدَّم عن تجربة الحكم السابقة، ومع ذلك فإنّ إنجاح ما تبقّى من المسار وانخراط القوى السياسية والمدنية والاجتماعية المناضلة سيمكّن من إنقاذ ما تبقّى من خطوات، وإنّ إجهاض بقية المسار لن يستفيد منه الشعب بل ستستفيد منه القوى الرجعية التي حملت على أكتافها منظومات الاستبداد في فترات مختلفة من تاريخ بلادنا.

  • Social Links:

Leave a Reply