حوار المفاهيم حول موضوعات الثورة والإنقلاب والإنتفاضة – د. حبيب حداد  قد يخيل للبعض

حوار المفاهيم حول موضوعات الثورة والإنقلاب والإنتفاضة – د. حبيب حداد قد يخيل للبعض

أننا بمعالجتنا لهذه الموضوعات انما نتقصد أن ننحو منحى نظريا خالصا بما يستدعيه ذلك من استعراض لمدلولاتها في سياق تطور علم الإجتماع السياسي. لا ليس هذا قصدنا اذ أن ما نود تأكيده في البدايه أن هدفنا هنا هو معاينة هذه الموضوعات على ضوء التجربة التاريخية من جهة وعلى ضوء الواقع المعاش للعديد من مجتمعاتنا العربية طوال السنوات الأربع الماضية من جهة ثانية.ولتوضيح الأهمية العملية لما نرمي اليه من وراء التطرق لهذه الموضوعات نسترجع في هذا الصدد ما شهدناه و مانشهده حتى اليوم من مواقف متناقضة وخلافات فى الرؤى وحتى في السلوك والممارسة حيال مقومات وأهداف وعوامل نجاح أو فشل ماسميت بانتفاضات أو ثورات الربيع العربي.

المعروف في علم السياسة أن مفهوم الثورة وغاياتها قد تطور عبر العصور منذ أن بدأ الناس يدركون أن الفقر والغنى وأن الاضطهاد والإستغلال ليست أشياء ملازمة لطبيعة الإنسان وأن أسبابها الحقيقية تعود الى طبيعة الواقع الذي يصنعه البشر ويتعاملون مع بعضهم البعض على أساسه .ولا شك أن البذور الأولى لعلم السياسة قد زرعت منذ العصور القديمة أيام الدولة- المدينة الإغريقية ,يومذاك عبر أرسطو عن مفهومه للثورة بأنها الحركة الواسعة التي تهز المجتمع باتجاه خلق مجتمع جديد, ,وكان أفلاطون قبله قد أعطى للثورة مضمونا محدودا عندما رأى أنها تحول شبه طبيعي في شكل من أشكال الحكومة الى شكل آخر. ان استعراض تطور مفهوم ومقومات ومآلات الثورات عبر حقب التاريخ المتعاقبة انما يضعنا أمام حقيقة أساسية وهي أن هذه الثورات جميعها سواء تلك التي قامت بها شعوب وامم أوقوميات أو فئات أومجموعات بشرية معينة , كان هدفها الدائم والموحد السعي لنيل حقوق ومطالب مشروعة أساسها الحرية والمساواة والتحرر. وحتى منتصف القرن الماضي ,أي قبل أن ندخل عصر العولمة ونستخدم مصطلح ثورة المعلومات والمعرفة التي تحمل معنى القفزة النوعية في مجال العلوم التطبيقية, كان مفهوم الثورة ومايزال يحمل مدلولين اثنين: ثورات التحرر الوطني من السيطرة الإستعمارية المباشرة ,وثورات التحرر المجتمعي من كل أشكال الإستغلال والإضطهاد ومن كل صنوف الإستلاب والتهميش. هكذا فان المسألة الاجتماعية الإقتصادية بدأت منذ مطلع العصور الحديثة تأخذ دورا رئيسيا في حراك الشعوب من أجل الحرية والعدالة ,حتى أن العديد من تلك الثورات المجتمعية لم تكن تأثيراتها تنحصر في نطاق محلي بل تعدت ذلك الى المستوى العالمي وفي مقدمتها الثورة الفرنسية وثورة اكتوبر الروسية. اليوم وحيث ثورات التحرر الوطني, التي لم تبلغ بعدغاياتها, تكاد تكون محدودة العدد وفي مقدمتها ثورة الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال,فان علماء الإجتماع السياسي يتفقون على أن مصطلح ثورة لا ينطبق الا على الثورات التي يكون هدفها الحرية وأن هذه الحرية الحقيقية التي هي جوهر الوجود الانساني لا تتحقق الا بالتحرر المجتمعي الشامل. الثورات كما تعلمنا دروس التاريخ القريب والبعيد تنشأ عندما تنضج ظروفها وعندما يصبح اصلاح النظام القائم ذاتيا ,أي بآلية من داخله, غير ممكن . هذا التعريف يتجاوز طبعا الدوغما الماركسية التي كانت ترى أن الثورة الاشتراكية تقوم عندما يصبح نمط الإنتاج الرأسمالي عائقا في وجه تطور القوى المنتجة أي العمال والفلاحين وبقية فئات الشعب الكادحة المنتجة. أما الانتفاضة كما أصبح معروفا فهي حالة من الحراك الشعبي العام للاحتجاج لدى السلطة الحاكمة على حرمانها من حقوقها الأساسية وقد تتحول تلك الانتفاضات اذا لم تستجب مطالبها الى مشاريع ثورات تحررية مجتمعية كما هو حال انتفاضات الربيع العربي. بخلاف ذلك فان الهدف العام للانقلابات التي تحدث من داخل النظام الحاكم والتي تقودها غالبا المؤسسة العسكرية هو استبدال السشلطة أوالمجموعة الحاكمة بسلطة أخرى, وكما عهدنا طوال نصف القرن الماضي وحتى اليوم فان الإنقلابات العسكرية عادة ما تكون نتائجها سلبية وفي مقدمتها القضاء على الهوية المدنية للدولة واجهاض التحول الديمقراطي, لكن بعضها الآخر وان انطلق من أهداف عامة أولية يمكن أن يتطوراستجابة للارادة الشعبية ليأخذ أبعاد الثورة المجتمعية الحقيقية كما هو الحال في ثورة مصر الناصرية.

المجال هنا لايسمح بالاستطراد في ذكر أسباب الثورات وعوامل انضاجها اذ لاشك أن العملية الثورية هي صيرورة متواصلة تقطع في مسارها لتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها مرحلتين: مرحلة النضج والاعداد ومرحلة الحراك المباشر لتغيير الواقع القائم وبناء البديل المطلوب ..لذا فان عوامل وأسباب الثورات ,المباشرة منها وغير المباشرة, عديدة و تتراوح من حالة لأخرى بين الخاص والعام أي العالمي, وبين الذاتي والموضوعي,وبين الرمزي أي المعنوي والمادي, وبين المعرفي والايديولوجي أوالعقائدي, وكذلك تتباين تلك الحالات الثورية الموحدة في اهدافها , التي تتمحور حول الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية, من حيث أسبابها البعيدة المهيئة ومن حيث أسبابها القريبة المفجرة.

على ضوء هذه المقدمة كيف ننظر الى الحراك الشعبي الذي شهده كل من دول مايسمى بالربيع العربي وكيف نقيم طبيعة هذا الحراك من حيث أدواته ومن حيث اهدافه وغاياته والعوامل التي ساعدت على تدعيمه لتحقيق تلك الأهداف أوتلك التي عملت على افشاله أوحرفه عن مساره الطبيعي وغاياته المنشودة. لقد أصبح واضحا للجميع بعد انقضاء أربع سنوات أن ذلك الحراك الذي شهدته كل من تونس ومصر وليبيا وسورية والعراق والبحرين وغيرها,كان مشروع ثورة تحررية مجتمعية من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية واللحاق بقطار التقدم والحداثة ,كما أصبح واضحا للجميع أن انتصار أي حراك منها في تحقيق أهدافه وتحوله الى ثورة انما يتوقف على توفر جملة من العوامل الداخلية أولا ومن ثم على توفر عوامل خارجية مساعدة. أما العوامل الداخلية التي كان وما يزال ينبغي توفرها لنجاح هذه الحراكات الشعبية الواسعة أومشاريع الثورات فهي بايجاز: أولا-أن يمتلك كل حراك رؤية سياسية واضحة معبرة عن الارادة الشعبية في التغيير الديمقراطي وخارطة طريق تحدد المهمات العملية الانتقالية التي لا بد من انجازها لاستكمال التغيير المطلوب. ثانيا- أن يجسد الحراك الثوري الوحدة الوطنية بكل مقوماتها ومكوناتها وأن يولي اهتماما خاصا لمشاركة الطبقة الوسطى والمرأة وأجيال الشباب وهيئات ومنظمات المجتمع المدني. ثالثا- أن يكون هذا الحراك موحد القيادة والتوجيه وأن تتسلح هذه القيادة بمستوى من الوعي وبخطاب سياسي منطقي مقنع يعزز الوحدة الوطنية لأن روحه هي الهوية الوطنية, خطاب يسعى دوما لتقوية معسكر الأصدقاء وإضعاف معسكر الخصوم والأعداء. رابعا- أن يميز الحراك الشعبي في خطابه وممارساته في ارض الواقع بين السلطة الحاكمة التي لا بد من انهائها كخطوة أولى في عملية التغيير وبين النظام الذي لا بد من تغييره خلال المرحلة الإنتقالية وبين الدولة ومؤسساتها التي ينبغي الحرص عليها وحمايتها واصلاحها لاحقا .اذ لا يمكن مواجهة أنظمة الفساد والإستبداد بسياسات ردود الفعل التي تلتقي من حيث النتيجة مع اغراض تلك الأنظمة التي عزمت على الدفاع عن وجودها ومصالحها حتى لو أدى ذلك الى الدمار النهائي لمجتمعاتها .خامسا- التمسك بسلمية الحراك الثوري وطابعه الشعبي فاذا أصبحت العسكرة هي الطابع العام لهذا الحراك كما حدث في ليبيا وفي سورية لاحقا,فان ذلك سيؤدي كما شهدنا الى انجراف الحراك الى المربع الذي يريده النظام والى فقدان الحراك الإرادة الوطنية المستقلة ومن ثم انحرافه عن مساره الطبيعي نتيجة تصفية قياداته الواعية المخلصة ونتيجة ارتباط المجموعات المسلحة بالقوى الاقليمية والدولية التي اصبحت تمولها وتسلحها وتوجهها وكذلك العديد من التشكيلات السياسية الخارجية الأمر الذي كانت حصيلته مأساة حقيقية كما هو واقع سورية اليوم التي تواجه تحديات مصيرية وتعيش حروبا اهلية مدمرة ببعديها الطائفي والإقليمي.سادسا- موقف المؤسسة العسكرية في كل من الدول التي شهدت حراكات ماسمي بالربيع العربي. لقد كان موقف الجيش في كل من هذه الدول مختلفا ,ففي تونس مثلا اتخذ موقف الحياد بين النظام والمعارضة وفي سورية كان موقف الجيش ولا يزال الإنصياع التام لارادة السلطة ,ولكن وبصدد هذا الموقف ألا يجدر بنا أن نتساءل وبكل مسؤولية عن دور المعارضات السورية الخارجية سواء في ممارساتها أم في خطابها الغرائزي المتخلف الى دفع الجيش السوري للوقوف في مثل هذا الموقف. سابعا- عدم مخاطبة المجتمع الدولي بلغة صحيحة أي بلغة المصالح التي توجه سياساته وعدم اعطاء الرأي العام العالمي الشعبي الصورة الصادقة لمطامح شعوبنا المشروعة ,فتارة نطالب هذا المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته الأخلاقية والانسانية والقانونية وتارة نتهمه وندينه بالتواطؤ والتحالف مع الأنظمة الفاشية المستبدة.وللتدليل على صحة حكمنا هذا نتساءل هنا: هل شهدنا مظاهرة ذات شأن في أي من عواصم الدول الأوربية خلال السنوات الأربع الماضية لتأييد ودعم أي من مشاريع الثورات العربية التحررية. أما ما يتعق بدور العامل الخارجي في نجاح أو اجهاض مشاريع تلك الثورات فقد أصبح عاملا حاسما في وقتنا الراهن من حيث نجاحها أوفشلها وتتوقف طبيعة هذا الدورعلى عاملين :أولهما متانة الوضع الذاتي للحراك الثوري وحدود استقلالية ارادته, وثانيهما مدى تقاطع أو تناقض مصالح الدول الفاعلة مع أهداف هذا الحراك. كان فولتير يرى أنه لايكفي أن يسود الظلم والحرمان والإضطهاد في المجتمع لكي تنفجر الثورا ت ولكن لابد للشعوب أن تشعر بمرارة هذا الواقع وأن ترفضه وتنتفض لتغييره وهذا ما عبر عنه بصورة أخرى عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد في قوله:ان شعبا يستسيغ طعم حياة ا لعبودية والقهر والاذلال هو شعب لا يستحق الحرية. لقد انتفضت الشعوب العربية بعد طول معاناة و انتظار للحاق بمسار العصر ,واندلعت تلك الإنتفاضات بعد نضوج تربة المجتمع بسبب حادث جزئي عارض لعب دور الشرارة كما في حالة البوعزيزي وأطفال درعا. وقد كان لبعض تلك الانتفاضات كما في تونس أن تتكامل في صيرورة ثورة تحررية فتنجح في تغيير نظام الاستبداد القائم , وغيرها كما في مصر لا يزال في طريق استكمال اهدافه وثالثها كما في ليبيا واليمن وسورية قد انحرف عن مساره وغرقت هذه الأقطار الثلاثة في أوضاع تهدد مصيرها كدول ومجتمعات وأوطان,وبات مستقبلها متوقفا على وعي وتصرف شعوبها والقوى الحية فيها في هذه الظروف والأوضاع الاستثنائية.

 
 
 

    

  • Social Links:

Leave a Reply