ماذا فعل اللابتوب – عمران كيالي

ماذا فعل اللابتوب – عمران كيالي

عمران كيالي صح

كانا لا يفترقان، ليس فقط لأنهما من أبناء حي واحد (السريان الجديدة)، بل لأنهما يعملان في المجال نفسه، و هو مجال العمل المسرحي، فالأول مسؤول إداري في نقابة الفنانين، يتابع الأعمال المسرحية التي تقدم في المدينة، و يهتم بما يتعلق فيها أو يكتب عنها، والثاني يعمل رئيسا لإحدى فرق التمثيل الشبابية … كانا يلتقيان في أغلب الأيام، نهارا في مديرية المسارح أو النقابة، و مساء في مطعم الشباب بعد أن ينتهيا من لعبة الشطرنج في مقهى منتدى الشام الذي يعلوه منزل سعد الله الجابري أحد رجالات الكتلة الوطنية في سوريا … في مطعم الشباب، و بعد كأس من مرق مخلل اللفت و بعض الصحون الصغيرة، يبدآن بالنميمة على الزملاء و الأصدقاء المشتركين، سواء في مجال التمثيل و المسرح أو في المجالات الفنية الأخرى، و نادرا ما ينضم إليهما شخص أو صديق ثالث … في هذه اللقطة الصغيرة سأسمي الأول، الذي يعمل في النقابة باسم (ن)، و أسمي الثاني الذي يعمل في مديرية المسارح باسم (م) … مكان اللقطة : مقهى منتدى الشام، الغرفة الصغيرة إلى اليسار … زمانها : بعد استيراد أجهزة اللابتوب و الهواتف الذكية، و قبل التفجير الغادر الذي دمر المبنى و ما حوله … دخل (م) إلى المنتدى، و بعد أن سلم علي، جلس إلى طاولة منفردة في الزاوية، وضع الحقيبة السوداء على الطاولة، أخرج منها اللابتوب، وصله بالكهرباء، ثم ضغط على زر التشغيل، بعد عدة ثوان بدأ يداعب أزرار الكيبورد … قلت في نفسي : سيترك اللابتوب بعد قليل، عندما يصل صديقه اليومي (ن) و تبدأ لعبة الشطرنج … كنت أنا أقتل الوقت بقراءة جريدة حزب جبهوي انتهت صلاحيته عندما نهض (م) فجأة و بدأ يرحب ب(ن) … تعانقا، قبلا بعضهما، و كأن شهرا قد مضى على آخر مرة التقيا فيها .. تابعت في نفسي: الآن سيطلبان من أبو عبدو إحضار الشطرنج و فنجاني الإسبريسو … لكن الذي حصل غير ذلك، فقد جلس (م) بعد انتهائه من الترحيب بصديقه اليومي (ن) إلى الطاولة، تابع مداعبة أزرار الكيبورد، بينما أخرج (ن) هاتفه الذكي و فتحه ليبدأبدوره بمداعبة مفاتيحه … حدثتني نفسي، أو أنا حدثتها، لم أعد أذكر : ربما لديهما أشياء مهمة و ضرورية يبحثان عنها أو يجيبان عليها، فلا مانع من منحهما بعض الوقت لكي يتابعا طقسهما اليومي في لعب الشطرنج و شرب الإسبريسو ثم الذهاب إلى مطعم الشباب ليشربا كأسا من مرق مخلل اللفت مع بعض الصحون الصغيرة … ربع ساعة مرت، و ربع ساعة أخرى بعدها، و اللقطة ثابتة كما هي: (م) يداعب مفاتيح اللابتوب، (ن) يداعب أزرار الهاتف الذكي … لا أبو عبدو أحضر الشطرنج، و لا (م) و (ن) استمتعابفنجان الإسبريسو، و لا أنا استمتعت بسماع صوتهما وراء كل نقلة بيدق أو فيل أو حصان أو قلعة … تركت لمخيلتي حرية الاستنتاج : ما هو الموضوع الهام الذي يشد انتباههما و حواسهما إلى هذه الدرجة الفظيعة، بما يشبه الإدمان أو الغرق في الشئ ؟ أم أقول الاستلاب ؟ و هل يحتاج (م) مثلا، إلى فلم إباحي ليعزز نشاطاته البيولوجية قبل الذهاب إلى النوم ؟ أم أنه يهتم فعلا بكلمة بريجينيف التاريخية و الهامة، و التي قدمها إلى المؤتمر الرابع و العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، و التي صلبت المؤتمرين أكثر من أربع ساعات قضوها بين التململ و حك الرأس و فرك العيون و دقائق من الوقوف مع التصفيق الحاد لأفكار لم تطبق و توجيهات لم تنفذ؟ … تابعت مخيلتي استنتاجاتها : ربما نسخ له ابنه الأعمال الكاملة من أفلام توم و جيري أو ساسوكي … نفضت مخي بحركة لا إرادية، و قالت لي نفسي : هذه الاحتمالات غير واقعية، فلو أنه يعزز نشاطاته البيولوجية، تفضحه حركات الشفاه و جحش الحنك، و لو أنه يتابع خطاب بريجينيف،لوجم طويلا و تثاءب كثيرا، و لو أنه يتفرج على أفلام توم و جيري أو ساسوكي، لابتسم و ضحك عشرات المرات … الحل الوحيد لمعرفة سبب هذا الاندماج الكلي بشاشة اللابتوب هو سرقة بعض النظرات، و هذا يستدعي منك أن ترسل رأسك إلى الخلف كثيرا … نصف ساعة أخرى مضت، ربما أكثر، قبل أن يغادرا المقهى، لم يجر أي حديث بينهما، رغم وجود عشرات الأمور المشتركة، لم يمارسا النميمة على الزملاء و الأصدقاء، حرماني، عفا الله عنهما، من متعة مراقبتهما، و من رائحة الصداقة الحقيقية التي يمتلكانها و لا يعرفان قيمتها …

  • Social Links:

Leave a Reply