سؤال الفيدرالية – مركز حرمون للدراسات

سؤال الفيدرالية – مركز حرمون للدراسات

الثلاثة الأخيرة التي أعقبت إعلان أكراد سورية وحلفائهم الفدرالي َة، في منطقة “روج آفا” (غرب  كردستان).

كيفكانترّداتالفعلعلىهذاالإعلان؟وماالسيناريوهاتالمحتملة؟وهلتشكل”الفدرالية”استجابة لحاجات الواقع السوري الراهن؟ وبالتالي، كيف يتل ّمس السوريون طريق الخلاص؟

1ـإعلانالفدرالية ً ً ً ً اجتمع في 17 آذار/ مارس الماض ي 200 مندوب، يمثلون 31 حزبا كرديا وآشوريا وسريانيا، في مدينة الرميلان الخاضعة لسيطرة “وحدات حماية الشعب” الكردية، وعقدوا المؤتمر التأسيس ي لـ “نظام الإدارة في روج آفا”، تحت شعار “سورية الاتحادية الديمقراطية ضمان للعيش المشترك وأخوة الشعوب”، وأتت هذه الخطوة بعد أكثر من عام على إعلان “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي”، الذي يتزعمه صالح مسلم، “الإدارات الذاتية” في شمال سورية، والتي ض ّمت ثلاثة أقاليم: (الجزيرة، وعين العرب/ كوباني، شرق نهر

الفرات، وعفرين غربه).

اللافت للانتباه أن هذا المؤتمر، جاء في عقب التصريح الذي كان قد أدلى به نائب وزير الخارجية الروسية، سيرغي ريابكوف، في نهاية شهر شباط/ فبراير الماض ي، والذي قال فيه: إن موسكو “تأمل أن يتو ّصل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء جمهورية فدرالية”، وأضاف: “لا ب ّد من وضع معايير مح ّددة للهيكلة السياسية في سورية في المستقبل، تعتمد على الحفاظ على وحدة أراض ي البلاد، بما

في ذلك إنشاء جمهورية فدرالية خلال المفاوضات”.

أوحترّداتالفعلُعلىهذاالاقتراحالروس ي،فيحينه،أنهقديكونممكًناأوجدًيا،كماقديكونبالون اختباٍرأي ًضا،أوفكرةألقيتلج ّسالنبض.ومنجهته،قاليوريفينين،كبيرالباحثينفيمعهدالعلاقات الدولية في موسكو: إن ّما أشار إليه ريابكوف ما هو إلا “فكرة من بين الأفكار التي يجري تداولها”، وأن “هذه الفكرة، وإن كانت مجرد تصريح إعلامي فحسب، إلا أنها الأقرب إلى الواقع السياس ي والديموغرافي، الذي

2

تش ّكل في ظ ّل الأزمة السورية المستمرة منذ سنوات”، ُمنب ًها إلى أن مثل هذا الطرح -في الوقت الحالي- “يمكن أن يفتح الباب أمام اقتراحات أخرى، ستجري مناقشتها في المفاوضات المرتقبة في جنيف”.

ربط مح ّللون بين تصريح ريابكوف وإعلان الولايات المتحدة الأميركية -قبل مدة وجيزة- عن وجود “الخطة ِّ

ب”، وتحذيرها السوريين والعالم من احتمال تقسيم البلاد إذا طال أمد النزاع. هذا، في الوقت الذي نقلت فيه شبكة “س ي إن إن” الإخبارية الأميركية عن الأدميرال المتقاعد، جيمس ستافريديس، القائد السابق لقوات التحالف بحلف شمال الأطلس ي (الناتو)، أن الخطة الاحتياطية، أو “الخطة ب”، التي تحدث عنها

وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، قد تتضمن عم ًلا برًيا ُتستثنى روسيا منه.

تزامنهذا-أي ًضا-معالحديثالذيأخذتنبرتهبالارتفاع،دولًياومحلًيا،عناحتمالتقسيمسورية إلى أربعة أقاليم: إقليم “كردستان سورية” ومركزه الحسكة، و”إقليم الساحل” الذي ُتلحق به حمص، و”إقليم جبل العرب”، وأخي ًرا الإقليم الذي يشمل ما تبقى من البلاد، ويكون تحت النفوذ السن ّي، على أن

تكون دمشق عاصمته.

2 ـ ر ّدات الفعل على “إعلان الرميلان” ّ ّ بعد صدور الإعلان مباشرة، صدر تصريح عن وزارة خارجية النظام في سورية، حذر فيه “أي طر ٍف

تس ّول له نفسه النيل من وحدة أرض الجمهورية العربية السورية وشعبها، تحت أي عنوا ٍن كان، بمن في ذلكالمجتمعونفيمدينةالرميلان”،وأّكدأن”طرحموضوعالاتحاد،أوالفدرالية،سيشكلمسا ًسابوحدة الأراض ي السورية… ولا قيمة قانونية ّله”، وأوضح أنه “لن يكون للإعلان أ ّي أثر قانوني، أو سياس ي، أو

اجتماعي، أو اقتصادي؛ طالما أنه لا يعبر عن إرادة كامل الشعب السوري”.

كذلك صدر بيان عن “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية” أ ّكد أن “لا مكان لأي مشاريع استباق ّية، تصادر إرادة الشعب السوري”، وح ّذر “من أ ّي محاول ٍة لتشكيل كيانات، أو مناطق، أو إدارات، تصادر إرادة الشعب السوري”، وش ّدد على أن “تحديد شكل الدولة السورية، أكانت مركزية أم فدرالية، ليس من

اختصاص فصي ٍل بمفرده”.

3

غير أن رئيس “المجلس الوطني الكردي في سورية”، إبراهيم ب ّرو، قال لشبكة “روداو” الإعلامية، قبل أربعة أيا ٍم من اجتماع الرميلان الذي صدر عنه الإعلان: إن “المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي مستورا، ووزراء خارجية أميركا وروسيا والدول الأوروبية، يؤكدون على ضرورة إقامة نظام فدرالي في سورية”، وأوضح “أن المجلس يؤمن بأن الفدرالية لا تعني تقسيم سورية… وإذا لم يتم تطبيق الفدرالية؛ فإن البلد س ُيق ّسم، وعندها سيتح ّسر السوريون على الفدرالية”. عل ًما بأن “المجلس الوطني الكردي” هو أحد المكونات المهمة في “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة”. إلى هذا، دعت “رئاسة إقليم كردستان العراق”

الأكراد في سورية من أجل تأييد نظام فدرالي لسورية و”كردستان سورية”.

سرعان ما خرجت تظاهرات في يوم الجمعة، التالي لإعلان الأكراد عن فدراليتهم، في العديد من المدن التي تسيطر عليها قوات المعارضة، وأتت متزامنة مع الذكرى الخامسة لاندلاع الثورة، وأعرب المشاركون فيها عن رفضهم الكامل للفدرالية ولتقسيم البلاد.

و ع ل ى ص ع ي د ر ّد ا ت ا ل ف ع ل ا ل د و ل ي ة ؛ ق ا ل ا لم ت ح ّد ث ب ا س م و ز ا ر ة ا ل خ ا ر ج ي ة ا لأ م ي ر ك ي ة ، ج و ن ك ي ر ب ي : ” لا ن ؤ ّ ي د قيام مناطق حكم ذاتي، أو مناطق شبه مستقلة داخل سورية”، وأ ّكد أن ما يريده الأميركيون هو “سورية مو ّحدة بكاملها، فيها حكومة لا يقودها بشار الأسد، تستجيب لتطلعات الشعب السوري، سورية مو ّحدة

غير طائف ّية… هذا هو الهدف”.

في الوقت ذاته، قال مارك تونر، المسؤول في الخارجية الأميركية، للصحفيين: “إن واشنطن لن تعترف بمنطقة موحدة، وتتمتع بحكم ذاتي، تعلنها المجموعات الكردية في سورية”، وأضاف: “هذا أمر ينبغي أن تت ّم مناقشته، والموافقة عليه، من جميع الأطراف المعنية في جنيف، ثم من الشعب السوري نفسه”.

أماعلىصعيدرّداتالفعلالإقليمية،فقدأعلنمسؤولتركيكبيرأنبلاده”تعارضإقامةأيكيانات جديدة في سورية، وأنه لا يمكن ا ّتخاذ خطوات منفردة على أسس عرقية”، كما أعلن رئيس الحكومة التركية في ذلك الوقت، أحمد داود أوغلو، إثر زيارة قام بها إلى طهران في شهر آذار/ مارس الماض ي، أن تركيا وإيران ض ّد تقسيم سورية. وكان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، قد سبقه إلى القول: إن بلاده ” ُتدافع عن وحدة

4

سورية،وسيادةالدولةعلىكاملأراضيها”،وأشارإلىوجودخلا ٍفمعروسياحولفدرلةسورية،خصو ًصا بعددعمروسيامثلهذاالخيار،وفتحمكت ٍبتمثيليلأكرادسوريةفيموسكو.

3 ـ السيناريوهات المحتملة

ب ع ي ًد ا م ن ّ ا ل ت ص ر ي ح ا ت ا ل د ب ل و م ا س ي ة و ا لإ ع لا م ي ة ا ل ت ي ت ص د ر ه ن ا ، أ و ه ن ا ك ، و ا ل ت ي ت ت و ا ف ر ع ل ى ق د ٍر م ن التضليل، فإن الممارسات المشتركة الأميركية- الروسية، تشير إلى أن العمل، في هذه المرحلة، قد يكون جارًيا، ليس على إعادة النظر بالدولة التي ح ّددتها اتفاقية سايكس- بيكو، وإنما على إعادة صوغها، بقصد إضعافهاتحتمسمّياتمختلفة،الفدرالية،أوالمحا ّصةالطائفيةلافرق،معالسعيلتفريغالسلطة

المركزية والسيادة الوطنية من مضمونيهما.

صارأم ًرامتداوًلاأنأميركاوروسياتفكرانفيواح ٍدمنالسيناريوهاتالمطروحة؛لح ّلالمسألةالسورية، بالفدرالية؛ ذلك أن الروس ينظرون إليها على أنها وسيلة، تحفظ سيطرة “نظام الأسد” على المناطق التي تسكنها الأغلبية “العلوية” على الأق ّل، والتي تض ّم قاعدة طرطوس البحرية الاستراتيجية بالنسبة إلى موسكو، وقاعدة حميميم الجوية التي أقامتها، بعد تدخلها فًي سورية، في 30 أيلول/ سبتمبر 2015. أما بالنسبة للأميركيين؛ فتبدو الفدرالية -من وجهة نظرهم- حلا واقع ًيا ممك ًنا، لبل ٍد تشرذم -بالفعل- إلى

غير أن هذا الأمر يدعونا إلى استحضار التجربة العراقية في هذا المضمار؛ ذلك أن الأطروحة الفدرالية في العراق، لا تزال حديثة العهد؛ فقد ظهرت في عقد التسعينيات من القرن المنصرم، ُبعيد غزو دولة الكويت، وانتفاضة آذار/ مارس 1991، وخروج منطقة شمال العراق (كردستان العراق)، ذات الأغلبية الكردية، من قبضة السلطة المركزية في بغداد، بدع ٍم من قوات التحالف الدولية، وفي 4 تشرين الأول/ أكتوبر 1992، اتخذ البرلمان الكردستاني قرا ًرا بتب ّني النظام الفدرالي للعراق؛ الأمر الذي أثار، في حينه، جد ًلا واس ًعا حول الآثار المستقبلية، المترتبة على العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العراق، وفي

دول الجوار.

مناطق عديدة، تسيطر عليها جماعات مس ّلحة، ذات تو ّجهات متباينة.

5

منذ تلك الفترة، أ ّي تسعينيات القرن المنصرم، كان موضوع الفدرالية ُيطرح، بين الحين والآخر، من جانب القوى الكردية، ولا س ّيما الحزبين الكبيرين: الديمقراطي الكردي، والاتحاد الكردستاني، في المؤتمرات والتحالفات التي كانت تن ّظمها وتجريها المعارضة خارج العراق، وبعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، وفي ظ ّل الاحتلال، تبنى قانون إدارة الدولة العراقية الموّقت مبدأ الفدرالية، وُتطرح –اليوم-

تساؤلات ع ّما إذا كانت هناك مسا ٍع في سورية؛ لاستنساخ التجربة العراقية، أو الاسترشاد بها.

إذا كان ث ّمة ش يء من هذا القبيل، يجري العمل عليه في الدوائر والمرجعيات الدولية المق ّررة؛ فعلى الأغلب سوف يكون مصيره الفشل، لا بل سيكون، في سياق الواقع السوري الراهن، ومع الحقائق التي ارتسمت على الأرض، نو ًعا من العبث بمصير الكيان، وخطوة في اتجاه تمزيق البلاد، وتحويلها إلى (كانتونات) ه ّشة،

تحمل في داخلها بذور شقا ٍق ستفض ي إلى سفك الدماء، و حروب مفتوحة.

يعود ذلك إلى الاختلاف الكبير بين الحالتين: العراقية والسورية؛ فسورية، بخلاف العراق، لا تسمح طبيعتها الجغرافية، وتداخل مك ّوناتها، بالقسمة وفق هذا التصور الذي ُيراد الاسترشاد به، أو استنساخه؛ إ ذ لا ي س ت ط ي ع أ ّي م ك ّ و ّ ٍ ن ا لا ن ف ص ا ل ع ن غ ي ر ه ، خ ا ص ة أ ن ا لأ ق ل ي ا ت ا ل ع ر ق ي ة و ا ل د ي ن ي ة و ا لم ذ ه ب ي ة ف ي س و ر ي ة ، ليس لها جغرافيا محددة، وليس لها أغلبية بشرّية إلا في أماكن محدودة، غير مؤهل ٍة لأن تكون أقاليم فدرالية قائمة بذاتها. وعلى سبيل المثال، تتوفر المناطق، التي أعلن أكراد سورية فدراليتهم فيها، على أغلبية عددية عربية وليست كردية، ففي محافظة الحسكة، والتي ُتع ُّد أكبر جز ٍء من هذه الفدرالية المزعومة، يوجد 1717 قرية، عدد القرى العربية منها 1161 وعدد الكردية 453، بينما البقية فأشورية وعربية مختلطة، أي أن القرى الكردية لا ُتش ّكل أكثر من 26في المئة من إجمالي قرى تلك المنطقة، وهذا الأمر ينطبق

-تقري ًبا- على عدد السكان.

4 ـ سؤال الفدرالية

بعي ًدا من ر ّدات فعل ومواقف كثي ٍر من السوريين، الذين رأوا فيما يجري خطوة في اتجاه تمزيق البلاد، وتحويلهاإلى(كانتونات)ه ّشة،تقوم-فيمجملها-علىفكرةتقسيمالبلادإلىدويلاتمذهبيةوعرقية،تحمل في دواخلها بذور شقا ٍق تؤدي إلى حروب مفتوحة؛ فإن السؤال المشروع هو: هل يمكن أن تكون الفدرالية

6

مخر ًجا من الحالة الراهنة، التي آلت إليها أوضاع سورية، وأوضاع السوريين؟

لا ب ّد من التنويه -أوًلا- إلى أن “الفدرالية”، من حيث المبدأ، هي أحد الأشكال المضافة إلى “فكرة الدولة”، أو “مفهوم الدولة”، وقد جاءت تلبية للحاجات التي اقتضاها تطور المجتمعات البشرية، في تاريخها الحديث والمعاصر، وبهذا المعنى، هي معطى حداثي بامتياز، بغ ّض النظر عن تلك التجارب الشبيهة التي عرفًتها البشرية، في تاريخها القديم والوسيط. وكما تنشأ باتحاد مجموع ٍة من الدول أو الولايات؛ فإنها تنشأ -أيضا-

من خلال تفكك دو ٍل بعينها.

وبما أنً الفدرالية وليدة الدولة الوطنية القوية، دولة الديمقراطية والمواطنة؛ فهي مصدر لقوة هذه الدُولة أيضا، ثم إن علاقة جدلية[تكافلية] وطيدة تربط بين الفدرالية من جهة، والديمقراطية والمواطنة والهوية من جهة أخرى.

وبعي ًدا من بعض التجارب الرديئة، التي ارتكست إليها، هنا أو هناك، فقد هدفت، في المفهوم الذي قامت عليه، إلى تأسيس نظام دستوري قوي، ترتكز عليه التعددية الديمقراطية؛ كونها تعمل على تعزيز الديمقراطية النيابية، عبر توفير مواطنة مزدوجة في مركز جمهوري واحد، وتساهم في تجسيد مبدأ العدالة القضائية في مواجهة العسف الذي قد تبديه الدولة؛ لأنها تضعف قدرتها على انتهاك الحقوق، عداك عن

أن الإجراءات القانونية اللازمة لصنع القرار، في الأنظمة الفدرالية، تح ّد من سرعة الحكومة في التصرف.

وبالعودة إلى السؤال المطروح أعلاه، هل يمكن للفدرالية أن تكون مخر ًجا من الحالة الراهنة التي آلت إليها أوضاع سورية وأوضاع السوريين؟ نشير بإيجاز إلى:

1 ـ لم يحز السوريون، منذ جلاء المستعمر الفرنس ي عن سورية، في منتصف الأربعينيات من القرن الماض ي، وحتى الآن، على “دولة وطنية” بالمعنى الحديث لهذا المفهوم؛ والدولة التي قامت بعد الجلاء، وكانت تتوافر على الح ّد الأدنى من الأدوات الكفيلة بإدارة شؤون البلاد، ورثناها عن المستعمر الفرنس ي، وهي من

إنجازه. ُ 2 ـ لم يتح لهذه الدولة أن تنمو وتزدهر في سياق طبيعي، مع تداعيات نكبة فلسطين، وقيام دولة إسرائيل

في عام 1948، ثم مع تداعيات الانقلابات العسكرية المتتالية التي شهدتها البلاد، منذ عام 1949، وحتى عام

7

1954. لا، بل أخذت تشهد مسا ًرا من التراجع في ظ ّل تلك الانقلابات. ّ 3 ـ بعد القضاء على حكم الشيشكلي عام 1954، شهدت سورية مرحلة ديمقراطية قصيرة، استمرت

حتى عام 1958، وشهد السوريون -في تلك المرحلة- تش ّكل جنين دولة وطنية ديمقراطية، ثم ما لبث أن

انقطع هذا السياق بقيام دولة الوحدة عام 1958. ّ 4 ـ مع فشل الوحدة عام 1961، لم ينجح السوريون، إبان حكم الانفصال، في استعادة هوية دولتهم

السابقة (الوطنية والديمقراطية)، ثم ما لبثت أن سقطت الدولة ذاتها، أو جرى إسقاطها عام 1963، إثر الانقلاب العسكري الذي استولى عليه حزب البعث، وانفرد -بشكل شبه ُمطلق- بالمجالين: السياس ي والسلطوي، ثم أخذت الدولة بالتلاش ي -تدريج ًيا- في مواجهة تغ ّول السلطة، وما زال السوريون يعيشون

هذه المرحلة حتى الآن. 5 ـ كان من أبرز تجليات السياسات التي سادت سورية طوال العقود الخمسة الماضية، ذلك التراجع

المريع لل ُهوية الوطنية الجامعة، وهو تراجع محمو ٌل على إرساء سياسات تمييزية، وإثارة عصبيات، وإحياء هويات فرعية ما قبل الوطنية، أو ما يطلق عليها أمين معلوف “الّهويات القاتلة”، تج ّسد بصورة فاقعة في واقعنا السوري، وساد الانتماء الأعمى هذه العصبيات؛ فتشظت ال ُهوية الوطنية السورية إلى ُهويات عديدة: عربية وكردية وسنية وعلوية ودرزية ومسيحية، ولقد كشف “نظام آل الأسد” حقيقته البشعة، خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتب ّين أنه ليس نظا ًما طائف ًيا وعشائرًيا وفاش ًيا فحسب، وإنما نظام زبائني أي ًضا؛فبعدأنقتلمئاتالألوف،وهّجرالملايينمنأبناءسورية،باتيعتمد-فيبقائه-علىحمايةإيرانية- روسية- أميركية- إسرائيلية. أما “وحدويته” الشعاراتية؛ فتق ّلصت إلى تحصين “سورية المفيدة”، والمساومة مع قوى انفصالية كردية على كيا ٍن، يتم ّدد يو ًماً بعد يوم، برعاية دولية مشبوهة، تحمل على الاعتقاد بأن

الكلام عن “خريطة تقسيم” جديدة، ما عاد كلاما في الهواء.

5 ـ خاتمة

ّفي ظ ّل صراع ال ُهويات القائم اليوم، وكذلك الحرب التي عصفت بسورية، أصبح السوريون في حاجة ملح ٍة إلى عق ٍد اجتماعي جديد، ينقلهم إلى الحالة الوطنية الأرحب. وبطبيعة الحال، ليس المدخل إلى ذلك مشروع “الفدرالية الكردية” في شمال سورية وشرقها، ومشروع “سورية المفيدة” في غربها.

8

مثلهذهالمشاريع،لنتؤول،فيظ ّلالأوضاعالراهنة،إلىقيامدولةفدراليةفيسورية،بلسوفتنتهي – غال ًبا – إلى العصف بالكيان الوطني القائم، وربما بكيانات أخرى، أق ّل حصانة من سورية، مثل: لبنان، والأردن،وماتبقىمنفلسطين؛ذلكأنمعضلةالح ّلالفدرالي،فيظ ّلهذهالأوضاع،تكمنفيأنهسيقوم على الأساس الذي ترسمه القوة النارية للمتحاربين على الأرض؛ حيث كان لخرائط القتال المتغيرة على مدى أكثر من خمسة أعوام، وخرائط المجازر والتغيير الديموغرافي، الدور الأساس في رسم الحدود، وف ًقا لل ُهويات

الطائفية والإثنية.

أما بخصوص القضية الكردية؛ فليس من ش ّك في أن المظلومية الكردية هي مظلومية سورية، وإن لم يستطع السوريون ح ّلها في إطار الكيان الوطني السوري، وفي سياق إحياء دولة وطنية؛ فلن يستطيعوا ح ّلها في إطار الإقليم الكردي المقترح؛ لهذا تبدو الحاجة ُمل ّحة الآن، أكثر من أي وقت مض ى، إلى تنظيم وإطلاق حوار وطني واسع، يقوم به سوريون أحرار، يمت ّد ليشمل البلد بأكمله، ويفض ي إلى عقد اجتماعي جديد. وإنه لأمر بديهي أن استعادة الدولة أوًلا، وإرساء الدولة الوطنية الحديثة، والمجتمع الديمقراطي التعددي ثان ًيا، يشكلان حجر الزاوية في العقد الاجتماعي المأمول.. وليتحدث -بعد ذلك- من يشاء عن شكل الدولة

الذي يشاء.

  • Social Links:

Leave a Reply