الخلط بين الديمقراطية و صناديق الاقتراع !  – محيي الدين محروس 

الخلط بين الديمقراطية و صناديق الاقتراع ! – محيي الدين محروس 

هناك العديد من الكتابات حول مفهوم الديمقراطية و الليبرالية، التي لا يجوز بأي حال اختصارها فقط على صناديق الانتخابات. 

جوهر الديمقراطية – الليبرالية يكمن في الممارسات الديمقراطية للمؤسسات الرسمية و المدنية، و ممارسة المواطن لحقه الطبيعي في حرية التعبير و الرأي، و في الحريات العامة، و حرية الإعلام: المرئي و المسموع و المقروء. في ضمان الدولة لحرية ممارسة المعتقدات الدينية و اللادينية. في المشاركة الفعالة في التفكير الجماعي بشؤون المجتمع. في مساواة المواطنين في الحقوق و الواجبات أمام القانون، بغض النظر عن إنتماءاتهم الدينية و القومية و الإثنية و العرقية. في فصل السلطات الثلاث: التشريعية و التنفيذية و القضائية. في احترام الدولة و تطبيقها للدستور و للقوانين التي تُشرعها. في توسيع التعددية و تشكيل المؤسسات الأهلية ، و في توسيع الانفتاح على الآخر المختلف.

المشكلة تكمن في اللجوء إلى صناديق الاقتراع في أجواء الخطاب الشعبوي و الغوغائي، أي الخطاب الديني المتعصب أو القومي المتعصب أو العنصري…. إلخ – و خاصةً من خلال سيطرته على السلطة الرابعة، الذي يستغل مشاعر الناس، لكسب أصواتهم، التي تصبح فيما بعد سلاحه، بأنه مُنتخب من الشعب، و بأنه يمثل الديمقراطية ! وبذلك يكون في الواقع، قد أفرغ الديمقراطية من محتواها، وقتلها في مهدها، و يُمارس في الحكم الأساليب الديكتاتورية باسم الأكثرية العددية، و باسم الديمقراطية !

مثال مافعله حزب ” بهارتيا جاناتا ” الهندوسي الاصولي، بعد فوزه بالانتخابات التي شارك فيها أكثر من نصف سكان الهند من مجازر واسعة بحق المسلمين و المسيحين. 

و مثال الخطاب القومي الشعبوي لبوتين، و لغيره من قادة أحزاب اليمين في اوروبا الذين فازوا بالانتخابات!

مثال نظري لتوضيح المفارقة: 

لو فرضنا بأن بشار الأسد حصل على الأكثرية في انتخابات ” ديمقراطية ” شفافة و تحت المراقبة الدولية .( و ليس بالضرورة 90 أو 80%..يكفي 51%

هل يعني هذا بأن حكمه سيكون ديمقراطياً و نظامه ديمقراطياً؟ 

نفس الشيء، لو تم انتخاب البغدادي في ما يُسمى ” الدولة الإسلامية ” بانتخابات ديمقراطية، هل تُصبح الدولة الإسلامية دولة ديمقراطية؟ في إيران .. في لبنان لو فاز حسن نصر الله برئاسة الجمهورية .. و في بلدانٍ عديدة في آسيا و إفريقيا و أوروبا .. ! و من المفيد التذكير بأن: انتخاب هتلر كان أيضاً انتخاباً ديمقراطياً!

صناديق الاقتراع ما هي إلا وسيلة للتعبير عن رأيي الأكثرية العددية، تحت تاثيرات مختلفة، قد تكون شعبوية ومتعصبة ( مثال : التصويت في جنوب امريكا لا ستمرار العنصرية ..أي التمييز من اصول افريقية إلى أواسط الستينات ! ) و قد تكون وعود كاذبة ( أمة عربية واحدة …. خلافة إسلامية ..و غيرها ). 

و لكي تكون صناديق الاقتراع في الواقع معبرة عن الديمقراطية، لا بد أن تحافظ على محتوى الديمقراطية الجوهري الذي ذكرته في البداية. أما عندما تتعدى الحكومة سلطتها التنفيذية على السلطة التشريعية أو القضائية، و تقوم بتضييق الحريات، و تركيز السلطة بيد الحزب الحاكم، تُصبح هذه الأكثرية المؤيدة ” للزعيم ” في معارضة مع القوى السياسية الأخرى، الذين تصفهم بالخونة، و لا ترى فيهم معارضة وطنية!

المجتمع الذي يطمح للديمقراطية، لا يطمح إلى حكم ” الأكثرية ” العددية، و إنما إلى نظام تعددي يحترم حقوق المواطن، و إلى ممارسات يومية لثقافة الديمقراطية، بين المؤسسات و المواطن ، و بين المواطنين أنفسهم.

الثقافة الديمقراطية عملية اجتماعية طويلة، تأخذ من موروثها الثقافي و من ثقافات الشعوب، و تُضيف إليه تجربتها الخاصة، ليزداد محتواها الحضاري و الإنساني غناءً.

  • Social Links:

Leave a Reply