أن تكون يسارياً في أيامنا –   باسل غطاس

أن تكون يسارياً في أيامنا – باسل غطاس

أن تكون يسارياً في أيامنا

يبدو أننا بحاجة لإعادة تعريف المصطلحات، وإعادة النظر في ما كان يبدو كأنّه من المسلمات، وكذلك لصقل المعاني، لما يلحقها يومياً من غبار تشويهٍ أو خلطٍ عجيب غريب، بسبب الجهل والإسفاف، أو بسبب فوضى الحالة التي نعيشها، أو بقصدٍ في خدمة من في مصلحته خلط المسمّيات والتعريفات.

أحد أكثر المصطلحات الذي ينوء بما حمِّل تاريخياً، هو مصطلح اليسار. حتى أنه أصبح يتّسع لأناسٍ متطرّفين ومتعصبين فكرياً، إلى درجةٍ أصبحوا معها مؤيدين لنظام دكتاتوري فاشي من جهة، أو مهللين لانقلاب عسكري، ضد حكومةٍ ورئيسٍ منتخب ديموقراطياً، من جهة أخرى، ويسمّون فيما يهرق من كلام في الشبكات الاجتماعية والمواقع يساريين.

شمل مصطلح اليسار، في مراحل معينة، كل من آمن بالاشتراكية وإعادة توزيع الثروة، وعارض الاستغلال الطبقي، من شيوعيين واشتراكيين وغيرهم. لكن مفاهيم اليسار تطوّرت، وأصبحت تستند، بالضرورة، إلى مجموعة قيم إنسانية تجعل اليسار متناقضاً، بل والأكثر رفضاً لأي فكر شموليٍّ يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، أو يسعى إلى إقامة نظام حكم شمولي، يحقق رؤيته الشمولية. لم تعد الثنائيات التقليدية البالية منذ أيام الحرب الباردة صالحةً للتصنيف، فمع أو ضد أميركا أو الغرب، مع المعسكر الاشتراكي أو ضده، لم تعد تسعف في عملية التعريف والقياس بحسب هذه الثنائيات، بل وتقود بالضرورة إلى التشويه الحاصل. فهناك من درج الرأي العام على تصنيفهم يساريين، وهم في الحقيقة محافظون ومتورّطون في دعم الأنظمة الرجعية والفاشية، والطغم العسكرية، بحجة الممانعة أو معاداة أميركا والغرب. في المقابل، هناك ليبراليون ديموقراطيون مثابرون في الالتزام بدعم حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. إذاً، ماذا يعني أن تكون يسارياً في هذه الأيام؟

أن تكون يسارياً في أيامنا يعني، بالضرورة، أن تكون وطنياً وملتزماً بقضايا شعبك ومجتمعك، من أجل الحرية والتخلص من الاحتلال والاستعمار، ومن أجل المساواة، ومستعدّا للنضال من أجلها، ودفع الثمن والتضحية في سبيلها. وأن ينبع التزامك هذا من قاعدةٍ متينةٍ وصلبةٍ من قيم وأخلاق، تُعلي من شأن الحريات والحقوق الجمعية والفردية، وتضع الإنسان الفرد، بما هو إنسان، في مركز التطور الحضاري الإنساني، بمعنى السياسي والثقافي والاجتماعي. وهذا يعني احترام حقوقه بالمطلق في الحياة الحرّة الكريمة، وفي حرية التعبير والكتابة والإنتاج الذهني، وفي المساواة التامة، وفي العمل والتنقل والمسكن اللائق والتعليم، وحقه في أن يكون مختلفاً، كذات إنسانية، عن الآخرين في كل شيء.

وهذا يعني، وبشكل خاص، احترام حقوق المرأة إنساناً حرّاً يتمتع بحقوق الانسان كافة، وبإدراك أن تحقيق ذلك في المجتمع الذكوري، وخصوصاً المحافظ، يعني الالتزام بتدعيم المرأة وتفضيلها، والتصدّي لمحاولات القمع والكبت المجتمعي لها، وإتاحة الفرص لها في التعليم والعمل والمشاركة السياسية والمجتمعية. هذا يعني الإيمان بالعدالة الاجتماعية، ورفض كل أنواع الاستغلال والإقصاء والكره الطبقي والعرقي، والانتصار لقضايا كل المظلومين والمهمشين في المجتمع، والعمل من أجل رفع الظلم وتحقيق العدل. وهذا يعني احترام حقوق الأقليات، قوميةً كانت أو دينيةً أو عرقية، ومنحها كل الحقوق الجمعية لتطوير ثقافتها وتراثها. وهذا يعني أن تحترم التراث الثقافي والديني لشعبك، وأن تتعامل معه بنظرةٍ نقديةٍ حداثويةٍ، وليس بتقديسٍ خشبيٍّ، يحول هذا التراث إلى مصدر للقمع والتخلف. وهذا يعني اعتبار الديموقراطية قيمةً بحد ذاتها، وشرطاً لتحقيق القيم التي جئنا على ذكرها، وليس فقط نظام حكم اختياري لتنظيم المجتمع، والتأكيد على رفض إخضاع هذا الموقف لأي موقفٍ، أو مصلحةٍ سياسية أو حزبية.

أن تكون يسارياً يعني أن تكون كلّ ما تقدم، وأن تكون بوصلتك الوحيدة هي هذه القيم وهذه الاعتبارات، وليس غيرها. وأن تحترم رأي من ليس يسارياً وموقفه، وألا تخشى تبني مواقفك المؤسسة عليها، حتى لو جعلك هذا في الجانب نفسه، مع آخرين ممن لا يشاركونك هذه القيم، بل ويتناقضون معها أحياناً، فموقفهم، في الغالب، لمصلحة سياسية آنية، بينما موقفك مبدئي ونابع من صميم القيم والأخلاق التي تؤمن بها.

  • Social Links:

Leave a Reply