ماهية الثورات .. والثورة المضادة ..

ماهية الثورات .. والثورة المضادة ..

 دهام الحسن *

الثورة هي انقلاب جذري في حياة المجتمع، وتحطيم تام وناجز للنظام القديم بعد أن فات أوانه، وترسيخ لأسس ومبادئ تقدمية جديدة، والبدء ببناء مؤسسات اجتماعية حديثة، الثورة هي طفرة في التطور الاجتماعي، تشمل طائفة من التحولات الحاسمة في البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع .. هناعلينا التنبه، أنه ليس كل إطاحة بالسلطة هي ثورة، فالثورة هي تحطيم لآلة الدولة القديمة، وتطوير لآلية الديمقراطية وأشكالها، فلا مجال لعلاقات طبيعية بين سائر الأحزاب الوطنية بدون ديمقراطية، ولا ننسى أن شعار الثورة الفرنسية كان (الحرية، الإخاء، المساواة).

إن تجاوز ذلك التناقض الثنائي بين الطابع الاجتماعي للإنتاج، والشكل الرأسمالي للتملك، تنجم عنه ما تفسره المدرسة الكلاسيكية الماركسية عن طابع الثورات في المجتمعات الطبقية، حيث تغدو المؤسسات القائمة في أشكال علاقاتها الكابح للقوى المنتجة المتطلعة دائماً وأبداً إلى الأمام .. والثورة بالتالي مستحيلة دون أزمة وطنية عامة، تشمل المستثمَرين والمستثمِرين معاً، فلا بد لها أن تلجأ إلى العنف لإسقاط النظام القائم بالقوة، مع تذكيرنا بمواقف لآخرين عن الثورة السلمية لاحقاً هذا الموقف جاء تناقله وتداوله فيما بعد. الثورة تعني على المستوى السياسي انتقال السلطة من طبقة معينة، أو حلف طبقي معين إلى طبقة أخرى، أو حلف طبقي آخر، والثورة هي محصلة لصراع طبقي داخل مجتمع معين، إن أي مجتمع في مرحلة ما من مراحل التاريخ لا بد له أن يشهد تناقضاً بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وتكون الثورة بالتالي هي الطريق الناجح لحل تلك التناقضات.

يتوقف طابع الثورة على طبيعة قواها المحركة، وعلى الظروف الوطنية والدولية المحيطة، كما أن الثورة تأتي ولادتها نتيجة التصادم بين الطبقات وسائر الفئات الاجتماعية، والأحزاب السياسية المختلفة في الصراع على السلطة.

الثورة بحاجة إلى وضع ثوري، أي حالة ثورية، حيث ترفض الجماهير المحكومة أن تعيش وفقاً لإرادة وإدارة الأنظمة القديمة، وبالمقابل فالطبقات الحاكمة لم تعد هي نفسها قادرة أن تحكم كالسابق، والإدارة بالطرق القديمة، ومجموع هذه العوامل والتغيرات الموضوعية يهيئ وضعاً ثورياً، فيطرأ نهوض عارم على الفعالية الاجتماعية السياسية، نكون بهذا أمام حالة ثورية، بيد أن الانتقال إلى الثورة يتوقف على العامل الذاتي، ترى هل في وسع الفئات الاجتماعية الثائرة، والطبقات الاجتماعية، والأحزاب السياسية، القيام بتحركات ثورية، والنهوض بالشعب؟! .

إن الضرورة التاريخية للثورات تأتي عند عجز سائر القوى الإطاحة بالطبقة السائدة، وتغيير النظام بالوسائل السلمية التنافسية، وبالانتخابات، أجل هكذا حالات ومثل هذه الظروف لا بد لها أن تنجب الثورة، فأية أرض يعيش عليها بشر، هي مهد لثورة ما حتماً، الثورة لا تأتي أو تتحقق وفق مخطط من رأس أحد ما، فغالبية الثورات إن لم يكن جميعها، لا يمكن التنبؤ بتاريخ اندلاعها، ألم تكن الثورات العربية (الربيع العربي) في العام /2011/م مفاجأة لنا جميعاً، فلم يتوقعها أحد منا.. أما التغيير فعادة يحدثه الشعب من خلال أدواته، كالقوات المسلحة، الحركة الشعبية، حركة المقاومة والانتفاض ضد الظلم، وهذه الأدوات هي عدة الثورات في بعض المحطات، بل هي الثورة بعينها..

أما عن الثورة المضادة، فهي تعبير عن أفكار وقوى ومصالح تتعارض مع التقدم، ومع الطبقات والفئات الاجتماعية التي تحملها، وعادة ما تضم الثورة المضادة فضلا عن بقايا عهد النظام القديم، تضم الإسلاميين، والمؤسسة العسكرية، لكن الثورة محكوم عليها بالفشل، من حيث انسداد الآفاق التاريخية أمامها، ولأنها عملية اجتماعية ناكصة، هي رد فعل على الثورة الاجتماعية، وتهدف إلى صيانة أو بعث النظام الاجتماعي الذي ولى زمانه.

الثورة المضادة مرافقة لكل ثورة اجتماعية تقدمية، فالثورات الاجتماعية بحكم تطورها ذاته تنجب الثورات المضادة، وقد تتغلب الثورة المضادة على الثورة الاجتماعية، فتمنى الأخيرة بالفشل، تتوسل الثورة المضادة أشكالا من الممارسات، بدءا من الأعمال الهدامة، إلى الأعمال المسلحة، فالحروب الأهلية، حبك المؤامرات، وانتهاء بالتخريب والإلهاء والغدر.. والثورة المضادة تعتمد قاعدتها على الطبقات الاستغلالية التي تفقد السلطة والمداخيل والامتيازات..

من أهم وأشهر الثورات في التاريخ قديماً وحديثاً، ثورة العبيد التي ارتبطت باسم قائد الثورة سبارتاكوس ضد الإمبراطورية الرومانية في حوالي سنة -73- قبل الميلاد، فهي تعد ثورة العبيد ضد السادة، أي تحرير الأرقاء منهم، لكنها أخيراً منيت بالإخفاق، وأيضاً من الثورات التاريخية التي حظيت بشهرة عالمية هي ثورة 1789 الفرنسية، وكانت بقيادة البرجوازية ضد الإقطاع ومن خلفه الكنيسة فهي أيضاً فقدت كثيراً من قوتها وبريقها، وأخيرا ثورة أكتوبر الاشتراكية، الثورة البروليتارية ضد النظام الرأسمالي في روسيا عام 1917 والتي شهدنا صور تداعيها في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي..

ما يشهده العالم العربي اليوم من حراك جماهيري، سيقف عنده الدارسون مطولا، وسيكون محط اهتمام ودراسة حتى بعد عشرات السنين، وسيغدو مرجعاً للعاملين في الحقول الاجتماعية والسياسية، فما سمي بالربيع العربي يبقى مادة دسمة، ومعلماً بارزاً من معالم التاريخ العربي ولن يطويه البعد الزمني، وهي باعتقادي ثورة لا تقل أهمية عن الثورات التي أتينا عليها، وإن تفردت بطابعها الخاص، ورغم هذا التفرد والخصوصية لا بد أن تكون ثمة نقاط التقاء مع الثورات الأخرى، علينا أن نقف عندها بالدراسة كظاهرة نحن جميعاً بحاجة إلى دراستها والاستفادة منها باكتساب الدروس والجدوى، لكن يبقى الخلاف قائماً بسبب الخلفية المعرفية والأيديولوجية والمنبت الطبقي والاجتماعي لكل منا..!

* شاعر وكاتب سوري

  • Social Links:

Leave a Reply