معركة جديدة على شواطئ لبنان ..

معركة جديدة على شواطئ لبنان ..

حبيب بطاح 

عن الفنار للاعلام

مدينة جبيل اللبنانية

مدينة جبيل اللبنانية

في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وصف الرحالة المصري القديم وينامون، وهو يقف في مقر أمير بيبلوس – المدينة التي تعرف اليوم بإسم جبيل- تحطم أمواج البحر الأبيض المتوسط خارج النافذة الكائنة خلفه، كما لو أنها كانت تضرب “الجزء الخلفي” من رأس الأمير.

كان وينامون قد تم إرساله من قبل رمسيس الحادي عشر، ملك مصر، في بعثة للبحث عن خشب الأرز اللازم لإصلاح مركب مقدس. وساد التوتر المفاوضات مما إضطر البعثة المصرية للعودة إلى البلاد في نهاية المطاف لجلب المزيد من المال اللازم لشراء الخشب.

إعتمد الفراعنة لفترة طويلة من الزمن على غابات لبنان الوفيرة في حينها لبناء معابدهم، وأثاثهم، وسفنهم. وبحسب روايته، فقد تفحص وينامون قطع الخشب المكدسة على شاطيء جبيل والمجهزة للتصدير، بواسطة عشرين سفينة رست في مينائها.

الآن، وبعد أكثر من 3,000 عام، توصل علماء الآثار اللبنانيون المعاصرون للكشف عن الموقع الدقيق الذي يمكن أن يكون الميناء قد دفن فيه والدور المحوري لجبيل، التي تعد واحدة من أقدم المدن في العالم، في سلسلة التجارة البحرية القديمة.

تقود مارتين فرنسيس-ألوش، عالمة الآثار البحرية في الكوليج دو فرانس، هذه الأبحاث، حيث قامت بإجراء سلسلة من الإختبارات الجيوفيزيائية في جبيل على مدى السنوات الخمس الماضية. وتحدت نتائج فرنسيس- ألوش الافتراض طويل الأمد القائل بأن ميناء جبيل الحالي، الذي تم إنشاؤه في العصور الوسطى والذي تصطف على طوله الآن قوارب الصيد والمطاعم والمحلات السياحية، قد كان أيضاً موقع الميناء في الحقبة الفينيقية. اعتمدت فرنسيس-ألوش على الدراسات المسحية التي أجرتها عالمة الآثار البريطانية الراحلة أونور فروست، والتي استبعدت كون ميناء العصور الوسطى والمناطق الساحلية المحيطة به موقع الميناء الفينقي بعد قيامها بإحداث ثقوب لسبر الغور على طول شواطيء جبيل عام 2000.

لكن، وبعد إجراء اختبارات جيوفيزيائية جديدة، تعتقد فرنسيس-ألوش الآن بأن الميناء قد يكون مدفوناً في البر الداخلي في واقع الأمر، إلى الجنوب مباشرة من أطلال جبيل، حيث كشفت التنقيبات عن وجود مراسي سفينة فينيقية وخط ساحلي قديم يرتفع فوق شاطئ البحر الحالي ب 10 متر. وتحرص فرنسيس-ألوش على استئناف تنقيباتها في الموقع على أمل العثور على قطع أثرية أو هياكل تعود للميناء الفينيقي الذي كان يعج بالحركة فيما مضى وتجارة الأخشاب الشهيرة فيه، بحسب ما تشير النقوش الجدارية التي عثر عليها في المعابد المصرية.

لكن المشروع تعثر لأن الأرض التي ترغب فرنسيس-ألوش في مواصلة الحفر فيها تقع ضمن موقع رئيسي للعقارات المطلة على شاطئ البحر، حيث يتواجد مصيف للأثرياء ومنتجع صحي قيد الإنشاء هناك.

كنيسة في بنت جبيل

كنيسة في بنت جبيل

يقع المشروع البالغ قيمته 12 مليون دولار أميركي، والذي أطلق عليه اسم “النادي الدبلوماسي”، بجوار موقع جبيل المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي مباشرة، ويقع على أرض مملوكة للكنيسة الأرمنية، التي قامت بتأجير الملكية للمطور الرئيسي، وهو وزير لبناني سابق. وقد ورثت الكنيسة هذه الملكية من ملجأ سابق أقيم في الموقع المعروف بإسم “عش العصافير”، والذي قدم الرعاية للآلاف من الأطفال الأرمن الذين تم إنقاذهم من الإبادة الجماعية في تركيا. وقد تسبب المنتجع المقترح، والذي سيتألف من مجموعة من الكابينات الشاطئية الخاصة وحمامات السباحة، ضجة العام الماضي عندما سرب نشطاء معلومات عن خطط لتحويل مبنى دار الأيتام العائد للعصر العثماني، والذي يضم أقدم كنيسة أرمنية في جبيل، إلى مطعم أو منتجع صحي. ومما هو أكثر إثارة للجدل شروع المتعهد بالإستعدادات لنبش الجثث المدفونة في مقبرة صغيرة تقوم قرب الكنيسة تعود للناجين من المذابح الجماعية والذين ساعدوا في بناء دار الأيتام. وبعد انتشار الموضوع بشكل واسع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وصلت القصة للصحافة الأرمنية في الولايات المتحدة الأميركية، وبعد ذلك بوقت قصير، قام قداسة كاثوليكوس الأرمن لبيت كيليكيا الكبير آرام الأول بإيقاف المشروع.

مع ذلك، فقد كانت هنالك القليل من الأحاديث عن تطوير المنتجع غير المرحب فيه على طول شواطئ جبيل في وقت سابق من هذا الشهر في ندوة عقدت في الجامعة اللبنانية الأميركية بعنوان، “بيبلوس: التاريخ، والثقافة، والحداثة”، حيث قدمت فرنسيس-ألوش النتائج التي توصلت إليها. وقد تكلم المتحدثون من مختلف أنحاء البحر المتوسط عن حماية المناطق التاريخية وتشجيع انخراط المجتمع المحلي في مدنهم وبلداتهم. لكن، ما أن جاء الحديث إلى جبيل الحديثة، حيث يقع حرم الجامعة اللبنانية الأميركية، حتى تحدث الأكاديميون اللبنانيون بصرامة عن الآثار والعصور القديمة. فيما جاء الذكر الوحيد للمدينة الحالية على لسان رئيس بلدية جبيل زياد حواط، الذي قام بإلقاء كلمة رئيسية لإفتتاح الحدث، مشيداً بدور المجلس البلدي للمدينة في الحفاظ على ماضيها القديم ورؤية لمستقبل “أخضر”، بما في ذلك الوعود ببناء متحف جديد، ومحطة للطاقة الشمسية، ووعود تتعلق بالنقل العام. قال حواط “ليست جبيل ملكاً لسكان جبيل فحسب، لكنها تنتمي للعالم بأكمله.” وأضاف “إن بيبلوس نموذج للمدن اللبنانية الأخرى.”

في الواقع، يعج شاطئ المدينة، كما هو الحال في أغلب شواطئ لبنان، بالمنتجعات الخاصة بالنخبة، والعديد منها قد بنيت من دون تراخيص ومنعت وصول العامة إلى الشاطئ. ووجدت دراسة أجريت عام 2012 من قبل وزارة النقل والأشغال العامة أكثر من 1,000 تجاوز على طول الشريط الساحلي للبلاد البالغ طوله 220 كيلومترا، أي بمعدل خمسة منشآت في الكيلومتر الواحد، والعديد منها مملوكة من قبل سياسيين. لكن حواط، الذي يشرف هو نفسه على تطوير مركز تسوق مثير للجدل تبلغ مساحته 25,000 متر مربع يقع على التلال المطلة على المدينة القديمة، لم يبق للاستماع للأسئلة المقدمة من أعضاء اللجنة أو العدد الصغير من الطلاب الذين حضروا الندوة. (فقد أسرف في تقديم الشكر للجامعة، واصفاً إياها “بالشريك” في جميع الأنشطة البلدية، مشيداً بتفانيها في خدمة المجتمع.)

وعند السؤال عما إذا كانت الجامعة مشتركة في الحكم المحلي في محيط التطوير الساحلي والمخالفات القانونية، قال إيلي حداد، عميد كلية الهندسة المعمارية والتصميم بالجامعة، إن العمل سيكون ملائماً أكثر لأن يقوم به صحافي استقصائي. واتفق أحد الأساتذة مع ذلك مضيفاً “ليس من دور الجامعة متابعة ما تقوم به البلدية.” لكن في بيروت، إنخرط عدد من الأساتذة بشكل وثيق في حملات لوقف التطوير الساحلي غير المنظم من خلال تجهيز الناشطين بأبحاث قانونية أو مساحية، فضلاً عن إستراتيجيات للتخطيط البديل. وقد خاض العديد من الأساتذة، والمهندسين المعماريين، وخبراء التخطيط العمراني الإنتخابات البلدية الأخيرة في العاصمة واعدين ببرنامج يهدف لإستعادة المدينة، والمساحات الخضراء فيها، والساحل المخصص بشكل تام تقريباً، من المتعهدين المنفذين.

مع ذلك، لا يحتاج القطاع العقاري لأن يكون على خلاف دائم مع المحافظة على الآثار، كما وضحت الأستاذة فرنسيس-ألوش رداً على سؤال طرح عليها بخصوص تأثير “النادي الدبلوماسي”، حيث قالت إنه في الإمكان إدماج الأطلال ضمن المنتجع، مشيرة إلى أن المتعهد قد وافق على السماح بمتابعة التنقيبات. قالت فرنسيس-ألوش “يمكن أن يسير كل شيء جنباً إلى جنب، ويداً بيد.”

وقال متحدث بإسم النادي الدبلوماسي إن المتعهد حريص أيضاً على مواصلة أعمال الحفر وبأنه سيجعل أية أطلال يتم العثور عليها في الموقع مفتوحة أمام الجمهور. قال المصدر الذي اشترط عدم ذكر إسمه “بالطبع لن تكون مغلقة أمام الجمهور، وستكون مفتوحة لجميع اللبنانيين. إذا ما تم العثور على شيء ما، لن نقوم بتحريكه أو تدميره، وسيتم الإحتفاظ به في الموقع. من المهم بالنسبة لنا أن نبين الكيفية التي سيمكننا من خلالها مزج الحداثة بالعصور القديمة.” لكن المتحدث قال إنه من السابق لأوانه الحديث عن الكيفية التي سيتمكن من خلالها الجمهور بالضبط من الوصول إلى الأطلال الواقعة في داخل منتجع خصوصي وعما إذا كانت ستكون هناك حديقة عامة أو مساحة للعرض أم لا. وأضاف المصدر بأن الشاطئ، وعلى عكس غيره من المنتجعات، لن يكون مسيجاً للعملاء فقط، وبأنه سيبقى مفتوحاً أمام عامة الناس.

لكن مشاريع عقارية أخرى إنتهت بشكل مغاير. فقد تمت إزالة العديد من المدن ومواقع الأطلال على طول الساحل اللبناني بسبب إستثمارات خاصة. وقد غطى فيلم وثائقي عن الموضوع من إنتاج قناة الجزيرة عام 2014 أحد المنتجعات في جنوب لبنان حيث تم ربط مبان بأحواض سباحة حديثة بأطلال قديمة بشكل مباشر بواسطة الخرسانة. خسرت فرنسيس-ألوش نفسها معركة الحفاظ على ما تعتقد بأنه حوض السفن الجاف القديم من العصر الفينيقي في موقع تنقيبات في بيروت، والذي تم تدميره من دون سابق إنذار قبل عامين بعد صدور قرار من وزير الثقافة، ليتم بعد ذلك بناء برج سكني فاخر.

ومع الطفرة العقارية غير المنظمة في لبنان، يشعر علماء الآثار المحليون بالعجز بسبب القيود المتعلقة بالميزانية وقوانين الملكية. حيث تنص تلك القوانين بأن الحفريات الأثرية يجب أن يتم تمويلها من قبل المطورين عندما يتم إكتشافها في ملكياتهم الخاصة. من الناحية النظرية، يمكن للمطور المضي قدماً في البناء ما أن يتم الإنتهاء من أعمال الحفر ويُمنح موافقة مديرة الآثار التابعة لوزارة الثقافة. مع ذلك فإن المفاوضات بين الوزارة والمطورين النافذين حول الأطلال التي يجب أن تبقى، وتلك التي يمكن تدميرها، والوقت اللازم للباحثين للقيام بعملهم، ليست علنية. وفي الحالات النادرة التي تقرر فيها الدولة وقف المشروع، فإن ذلك سيعني على الأرجح بأن في إمكان المستثمر وقف تمويل الحفريات.

تعهد المتحدث بإسم النادي الدبلوماسي بأن المشروع سيكون مختلفاً عن المطورين الآخرين الذين “لا يعلنون حتى عن العثور على الأطلال ويقدمون على تدميرها أحياناً في جنح الظلام.” وأنفق الرجل الذي يقف وراء المشروع، جان لوي قرداحي، وزير الإتصالات السابق ورئيس بلدية جبيل السابق أيضاً، 200,000 دولار أميركي حتى الآن “من جيبه الخاص” على التنقيبات الأثرية، بحسب المتحدث بإسم النادي. وبسبب قرب المشروع من موقع بيبلوس، فإن منظمة اليونسكو سيكون لها رأياً أيضاً في منح الموافقة على إنشاء المنتجع، وهو الأمر الذي لا يزال معلقاً، كما أضاف المتحدث.

أما بالنسبة للمقابر الأرمنية، فإن خطة إستخراج الجثث لا تزال ماضية في طريقها. وقال المصدر إن الرفات سيتم نقلها إلى موقع تذكاري جماعي كجزء من متحف جديد عن الإبادة الجماعية الأرمنية إلى الداخل من الموقع الحالي. لكن النشطاء يتعهدون بمواصلة معركتهم للحفاظ على قبور أولئك الذين نجوا من الفظائع والكنيسة التي قاموا ببنائها، بإعتبارها واحدة من المستوطنات الكبرى الأولى للطائفة في لبنان. كما إنهم يقولون إن الموقع يجب أن يبقى مفتوحاً بالكامل أمام الجمهور كواحد من قطع الأراضي القليلة غير المستغلة المتبقية على الساحل.

منذ ما يزيد عن 3,000 عام، تمت كتابة رواية وينامون، ويعتقد بعض الباحثين الآن بأن القصة قد تكون خيالية بشكل جزئي على الرغم من الأوصاف التفصيلية التي تضمها والتي تتناسب مع الأحداث المسجلة. وسواء أكانت رحلته الشاقة ومفاوضاته المجهدة مع الأمير دقيقة أم لا، فإن شواطئ بيبلوس اليوم لا تزال محفوفة – كما كانت في العصور القديمة – ببحر لا يلين.

  • Social Links:

Leave a Reply