الحق فوق القوة .. و إرادة الشعب السوري هي العليا ..

الحق فوق القوة .. و إرادة الشعب السوري هي العليا ..

د.حبيب حداد

تجتاز القضية السورية هذه الأيام منعطفاً جديداً ، من حيث ما قد يعتبر تحولاً أو تعديلاً في مواقف بعض الدول المنخرطة منذ سنوات في الشأن السوري . وفي هذا الصدد هناك بطبيعة الحال ما يمكن قوله بشأن مواقف تركيا الحالية أو المستقبلية بعد المصالحة التي تمت بينها وبين روسيا الاتحادية ، وكذلك بشأن العلاقة المتنامية باضطراد بين تركيا وايران ، والتي تستند على قاعدة المصالح المشتركة بين البلدين ، وبالنسبة للنظام التركي ، ما هي درجة المصداقية في تصريحاته المعلنه بعد تدخله وعدوانه السافر والمباشر الذي شنه على شمال سورية منذ يومين ، والذي لم تتضح ابعاده بعد !!! ، وما هي حقيقة مواقف الإدارة الامريكية فيما يتعلق بمدى وحدود دعمها لقوات حماية الشعب الكردية المسماة بقوات سورية الديمقراطية، وكذا مدى التحول في مواقف الدول الأوربية ، والمجتمع الدولي بصورة عامة ، من المأساة السورية بعد اقتناعه بأولوية محاربة الإرهاب والتخفيف من أعباء موجات الهجرة المتواصلة واعتبار تلك المهمة ، المدخل للحل السياسي المأمول للأزمة السورية ، وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة … واذا كان من المبكر الآن الحكم الموضوعي السليم على طبيعة ومضمون تلك التحولات الجارية في مواقف الدول والأطراف المعنية ، وتقييمها كتغيرات نوعية تطال استراتيجيات وسياسات تلك الدول ، التي مارستها تجاه المسألة السورية، أم أنها تغييرات شكلية تقتصر على تعديل في الخطاب والأسلوب ليس إلا .

واذا كان ذلك يتطلب التريث والانتظار بعض الوقت ، فإن الأمر الأهم بالنسبة لنا نحن السوريين الآن على مختلف مواقعنا وتشكيلاتنا السياسية ، وفي المقدمة منها تشكيلات المعارضات السورية ، أن نطرح على أنفسنا جملة من الأسئلة التي تمثل حصيلة اجاباتها مستوى وعينا ، وكفاءة استعدادنا اللذين تستدعيهما مسؤولياتنا الوطنية ، لمواجهة التحديات الراهنة التي تعصف بمصير وطننا . فهل نحن أعدنا النظر فعلاً بأوضاعنا وممارساتنا ، كما تعودنا أن نطرح دائماً ؟ وهل توافقنا فعلاً على تشخيص عللنا وتحديد عوامل الضعف والتشرذم والفرقة التي حالت حتى الآن دون تحقيق وحدتنا الوطنية  ؟، وهل نحن اليوم أحسن حالاً من أمسنا وأفضل أداء وأنجع قدرة على تجسيد ارادة شعبنا ، وتحقيق أهدافه في التغيير الديمقراطي الشامل ، التغيير الذي نادت به ثورتنا عند انطلاقتها ، وقبل أن ينحرف مسارها ، وتغتال أهدافها ، ويسلب قرارها الوطني المستقل ، وقبل أن يتحول كفاح شعبننا التحرري الوطني بفعل عوامل داخلية وخارجية أصبحت معروفة للجميع، إلى حرب أهلية طائفية مدمرة تشمل الإقليم كله، مهددة بإزالة الحدود والكيانات الحالية ، ورسم خرائط جديدة للمنطقة ، حرب لن يكون و قودها في حال استمرارها إلا شعوبنا ، و مجتمعاتنا ، ووجودنا الإنساني ، وخسران رهان أجيالنا المتعاقبة في أن نكون جزءاً عضوياً في عالم متحضر .

يرى العديد من المراقبين السياسيين ، أن الجولة الحالية من الصراع الدائر فوق الارض السورية ، سواء فيما يتصل بالمعركة الطاحنة المتواصلة في مدينة حلب وأريافها ، أم في التدخل العسكري التركي المباشر ، واحتلال مدينة جرابلس كما أسلفنا ، إنما تستهدف من حيث النتيجة، تحسين أوراق مختلف القوى الفاعلة في هذا الصراع، وايجاد ميزان قوى جديد، يساعد على استئناف مفاوضات جنيف ، من أجل الحل السياسي للمسألة السورية في أقرب أجل ممكن ، كما ترغب في ذلك الدولتان اللتان تملكان مفاتيح هذا الحل ، وهما روسيا الإتحادية والولايات المتحدة الأمريكية ، وذلك فيما إذا ما توافقتا على توقيت خطواته العملية التنفيذية . ويرى هؤلاء أن هذه الجولة من الصراع ، توضح إلى حد ما طبيعة التغير الحاصل في مواقف بعض الدول المنخرطة في الحرب السورية ، التي أضحت الساحة المركزية في الحرب التي تشمل المنطقة كلها . وإلا كيف نفسر موقف الولايات المتحدة ، التي تدعم مع التحالف الدولي ، قوات حماية الشعب الكردية ، في تأييدها المعلن للعملية التركية في شمال سورية ، تلك العملية التي لن تقتصر على محاربة داعش واخراجها من جرابلس ، وإنما تستهدف أساسا طرد القوات الكردية وإرجاعها إلى شرق الفرات ؟ وكيف نفسر موقف روسيا وحتى النظام السوري وحليفه الإيراني ؟ حيث أن احتجاج النظام لم ينصب على ادانة مبدأ التدخل أساساً ، وإنما اقتصرت الإدانة على غياب التنسيق معه ، وربما قصد من وراء ذلك إعمال وتطبيق ما تنص عليه بنود اتفاقية أضنة ، الموقعة بين الحكومتين السورية والتركية ، في تسعينات القرن الماضي ، والتي كان من نتائجها كما هو معلوم ترحيل أوجلان من سورية ومن ثم اختطافه من قبل المخابرات التركية .

أمام هذا الواقع ، و ازاء كل المستجدات والتحديات على صعيد قضيتنا الوطنية ، فإن التساؤل الذي يواجهه كل سوري و في كل  آن : هو أين هي إرادة الشعب السوري المغيبة حتى الأن في كل ما يحدث ؟ وهل أن توافقات أطراف الصراع الدولية ، في غياب ممثل حقيقي لهذه الإرادة يمكن أن تلتقي مرحلياً مع مصالح شعبنا في وضع حد نهائي للمأساة التي يعيشها منذ خمس سنوات ، واسترجاع وحدة وطننا ، والسير في الطريق الصحيح لتحقيق طموحاته المشروعة في الحرية والكرامة وحياة العصر ؟؟

بكل تأكيد لا يمكن أن تكون إرادة الشعب السوري مسموعة ومحترمة، ولا يمكن له أن ينتزع حقه في تقرير مصيره وصنع مستقبله، اذا ما استمرت أوضاع المعارضات السورية التي تدعي تمثيل ارادة الشعب السوري على ما هي عليه الأن من تشتت وبؤس وتخلف وتبعية. ولعل أخطر ما تجلى في مواقف وممارسات معظم هذه المعارضات حتى اليوم ، هو عدم ايمانها والتزامها بالمشروع الوطني الديمقراطي السوري الموحد من جهة، وعدم التزامها الفعلي بأن الحل السياسي الوطني وفق قرارات الشرعية الدولية ، هو السبيل الوحيد لانقاذ وطننا وتحقيق تطلعات شعبنا . الأمر الذي أخرج هذه المعارضات عن مسار الكفاح الوطني التحرري الحقيقي ، وجعلها تتحالف مع المجموعات الارهابية الظلامية المسلحة، إذا قبلت بها كواجهات لها ، أو تتسابق للانخراط والتبعية لأجندات الدول الاقليمية. وهكذا كان الحصاد المر، استمرار فصول الكارثة التي ألمت بشعبنا، عندما وضع طوال هذه السنوات بين المطرقة والسندان ، مطرقة مجموعات الإرهاب ، وسندان نظام الاستبداد ، واللذين هما في حقيقتهما وجهان لعملة واحدة .

أمام هذا الواقع الصعب والمعقد، الذي يخيم على سورية اليوم، ويضع على المحك تاريخها وحاضرها ومستقبلها، وأمام تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة والعزيمة، هل بإمكاننا نحن السوريين، أن نفعل ما هو مطلوب منا لتغيير مسار الأحداث، فيما يتفق ومهمة انقاذ وطننا، الذي أضحت تطالعنا مختلف مراكز البحث والدراسة الأجنبية، بين الحين والأخر، بأن سورية التي كنا نعرفها، سورية الموحدة المتحضرة والمقتدرة لن تعود أبداً !!!. وهل يمكن وبرغم كل هذه الظروف الصعبة، أن تنتصر قضية شعبنا المحقة والعادلة، مهما بلغت شراسة وحقد وإجرام قوى الارهاب والاستبداد والطغيان ؟؟؟. إن علينا أن نغادر مواقع اليأس والقنوط والانتظار مزودين ومستوعبين دروس السنوات المريرة الماضية. علينا أن نقدم على المبادرات العقلانية الواعية، التي توحد رؤية أطراف المعارضة الوطنية الديمقراطية، التي توضح بكل جلاء صدق التزامها بالمشروع الوطني الديمقراطي الواحد لسورية المستقبل، وايجاد الهيئة او الأداة الحاملة لهذا المشروع واللقاء والحوار لبلوغ هذه الغاية مع الأطراف التي بادرت مؤخرا الى تبني مثل هذه الرؤية والتي لا شك ان مواقفها تلك تعتبرخطوات بناءة في السبيل الصحيح الذي افتقدناه حتى الأن . التحديات التي تحدق بوطننا جسيمة وخطيرة , اما الزمن فانه لا يرحم ,والتاريخ كما علمنا دائما لا يمهل الشعوب التي لا تنهض لتجسيد ارادتها وانتزاع حقوقها . فهل نفعل كل ما بوسعنا ونضحي بكل ما نملك حتى نستطيع استعادة ذاتنا الوطنية المعهودة وحتى تظل ارادة شعبنا الواحد هي العليا.

  • Social Links:

Leave a Reply