المفكر سلامة كيلة للرافد : سيكون الوضع أفضل بعد تحقيق حل سياسي

المفكر سلامة كيلة للرافد : سيكون الوضع أفضل بعد تحقيق حل سياسي

حاوره زكي ناظم الدروبي

سلامة كيلة اسم من الاسماء الكبيرة في عالم اليسار، فهو لمن لا يعرفه مفكر ومناضل يساري، من مواليد فلسطين ويحمل الجنسية الأردنية، تخرج من جامعة بغداد حاملا بكالوريوس في العلوم السياسية، عمل مع المقاومة الفلسطينية، وسجنه نظام عصابة الأسد في دمشق ثماني سنوات.

مع بداية الثورة لم تحتمل عصابة النظام السوري رأيه الحر فاعتقلته ورحلته من دمشق لعمان.

له العديد من الكتب والمقالات حول القضية الفلسطينية واليسار وحول الثورة السورية والربيع العربي.

التقيناه في اسطنبول على هامش معرض الكتاب العربي، لنحاوره ونستشف رأيه حول الكثير من القضايا والتطورات وكان حواراً شيقاً ناقشنا معه الكثير من القضايا الجدلية حول وهم سقوط النظرية الماركسية، وحول أزمات الرأسمالية والامبريالية وأزمة اليسار الانتهازي، واستمعنا في هذا الحوار لرأيه في الديمقراطية ودورها في التنمية الاقتصادية وعلاقتها باليسار، كما عرض لرأيه في الثورة السورية والاخطاء التي وقعت فيها وكيفية تجاوزها وما هي آفاق المستقبل والأيام القادمة على الشعب السوري.

لقاء غني ومحاور كبيرة تحتاج لوقت طويل لتعالج كلا على حدا، حاولنا تقديمها باختصار للوصول لفهم ورؤية الاستاذ سلامة حول هذه القضايا المعروضة.

1- ماذا سقط من التجربة والنظرية الماركسية وكيف ؟

المسالة ليست مسألة سقوط، ولا تعالج الأمور بهذا الشكل، فالماركسية هي أولا منهجية تفكير، هي نتاج تطور بشري طويل في الفلسفة ومستويات الاقتصاد وعلم الاجتماع والسياسة. وبالتالي هذه المنهجية تعالج من منظور فلسفي، وليس من منظور تجربة تحققت في مرحلة لها ظروفها الخاصة. لهذا لا زالت المنهجية الماركسية هي المنهجية التي أتت نتيجة التطور في الفكر الفلسفي منذ نشوء الفلسفة اليونانية ومنطق ارسطو، وتبلورت في شكلها الأخير مع هيغل، حين توصل إلى أن الواقع يتغير وأن الفكر في صيرورة جدلية. وبالتالي هي أصبحت الجدل ومنظور فهم الواقع. ولقد تقدم ماركس خطوة أخرى حين أوقف منطق هيغل على قدميه، حيث نقل التصور من أن الفكر هو الذي يحدد الواقع إلى أن الواقع هو الذي يحدد الفكر، وبالتالي أصبح المنهج من هذا المنظور هو الجدل المادي. هذا الامر لكي نقول أنه انتهى يجب أن ندرس تطور الفكر الفلسفي ما بعد ماركس، لكن في الواقع لازال الجدل المادي هو المنطق الأساس الذي لم يستطع أي تيار فلسفي تجاوزه، بل بقي الفكر المثالي متخلفاً عنه.

لهذا حين نتناول التجربة الاشتراكية يجب أن نتناولها في واقعيتها وفي ظروفها، وبالتالي أن نرى ماذا استطاعت الماركسية المستندة إلى الجدل المادي أن تغير في واقع روسيا، والتي كانت تعيش مع بداية القرن العشرين ظروف القرون الوسطى، حيث أنها استطاعت أن تنقل روسيا لأن تصبح دولة صناعية حديثة ومتطورة، ولقد انهارت لأن الحزب الذي كان ينطلق من التحليل المادي الجدلي للواقع، بات حزباً يحتكم لمنظور مثالي بعد أن أصبح في السلطة، وبات يسعى لفرض رؤى ساكنة تعبر عن وجهة نظر السلطة، وأصبح خلال تجربة التطور الاقتصادي الاجتماعي التي تحققت في روسيا يتحول بيروقراطياً، ولقد عملت الفئات الحاكمة على أن تميز ذاتها على صعيد الامتيازات، والحصول على جزء أكبر من الثروة المجتمعية على حساب الشعب، في ظل نظام استبدادي شمولي، لهذا لم يجد الشعب سوى ازالتها. هنا نلمس، في هذه التجربة، أن الماركسية قد تلاشت منذ زمن طويل، قبل انهيار التجربة الاشتراكية حتى، بعد أن أسسست لتحقيق تطور كبير في البنى الاجتماعية الاقتصادية لروسيا.

ومن ثم فإن الجدل المادي لازال هو المنهجية العلمية الوحيدة التي تسمح بفهم الواقع فهماً صحيحاً.

ربما تجاوز الواقع العديد من الافكار التي طرحها ماركس وانجلز، وهذا طبيعي لأن الماركسية تنطلق من أن الواقع متغير، والافكار متغيرة بتغير الواقع، ولا يجوز أن نحدده بأفكار ثابتة، وإلا لن يعود الجدل جدلاً أو مادياً.

2-  الامبرياليه هي القطب الآخر من العالم القديم، هل استطاعت التخلص من أزماتها بعد انهيار عدوها أم لا تزال الازمات تفتك بها ؟

في المستوى الاول، على العكس فقد تفاقمت أزمات الرأسمالية كثيراً، وإذا كان هناك من اعتقد أن انهيار الاشتراكية هو نهاية التاريخ، وأن الرسمالية قد فرضت انتصارها النهائي، فقد أوضحت الأزمة المالية الكبيرة التي حدثت عام 2008 أن الرأسمالية تعيش في أزمة كبيرة، وأنها تغرق في مشكلات كبيرة لا يمكن حلها. حيث أن النمط الاقتصادي الرأسمالي الذي كان يعاني في فترات قديمة من فيض الانتاج – أي من كثرة انتاج السلع – وبالتالي كانت تتصارع رأسمالياته على كسب الاسواق من أجل حل أزماته المتمثلة بأزمة الكساد، بات يعاني الآن من أزمة أعمق، تمثلت في أن فيض الأرباح التي كان يحققها، أدى لأن يصبح التراكم المالي لا يجد أ إمكانية على التوظيف في القطاعات التقليدية(أي ما يسمى بالاقتصاد الحقيقي) ، ولقد أصبح هو المسيطر نتيجة توسع نشاطه المالي، وهذا يعني أن الاقتصاد بات يقوم في كتله الاساسية على مسألة مال/ مال من خلال التوظيف في المديونية، سواء لدول أو لافراد في بلدان الرأسمالية، وفي المضاربات في اسواق الأسهم، وعلى السلع والخدمات، وهذا أمر يعني أن حركة المال تؤدي إلى تضخم كبير في القيمة، دون وجود فائض حقيقي، ولهذا تقود لنشوء فقاعات مالية كبيرة تؤدي إلى انهيارات اقتصادية أيضاً باتت تهدد النمط الرأسمالي بمجمله.

وبالتالي إذا كان القطب الاشتراكي قد انهار فإن الرأسمالية “المنتصر” دخلت في مرحلة لم يعد ممكناً فيها معالجة أزماتها، وبات حل هذه الأزمات يقوم على نهب شعوبها عبر سياسة التقشف والتخلي عن كل منجزات النضالات الطبقية القديمة، ومن ثم العودة الى استغلال الطبقات العاملة. وكذلك توسيع نهب الأطراف واستنزاف كل ثرواتها.

4- على سيرة الأزمات كيف ترى مستقبل أوروبا بعد دخولها في أزمات لم تتمكن من الخروج منها؟

من ضمن هذه الازمات، التي أشرت إليها، نلمس أن أوروبا تعيش في أزمات كبيرة، حيث بتنا نرى أن مديونية هذه الدول يفوق الدخل القومي لها، وباتت دول في الاتحاد الاوربي تسير نحو الافلاس والانهيار، وهذا يعني انهيار القطاع المالي الاوروبي، لأن هذه الدول استدانت من بنوك أساسية في فرنسا والمانيا، وبالتالي باتت هذه البنوك مهددة بالافلاس، وسينعكس ذلك على اليورو الذي بات يعاني أزمة، وستنعكس على مجمل الاقتصاد الرأسمالي العالمي، حيث أن الحديث يجري في اطار الرأسمالية المالية العالمية عن انفجار فقاعات مالية كبيرة، منها فقاعة الديون الأوروبية، وأيضا فقاعة أسواق الاسهم والقطاع العقاري الصيني، اضافة لأزمة أمريكا التي باتت مديونيتها أكبر من دخلها القومي، ولهذا اعتقد أن الانهيار المالي الذي حدث سنة 2008 سيتكرر بشكل أسوء في فترة ليست بعيدة.

5-  هناك من يرى أن الحكومة الروسية ليست امبريالية، وهي أقرب إلى الشيوعية، خصوصاً بعد دعمها من قبل عدد من الشيوعيين العرب. كيف تفسر هذه الظاهرة؟  وهل روسيا امبريالية؟

هذه مشكلة ارتبطت بفهم الشيوعيين العرب، وشيوعيي العالم، لمفهوم الامبريالية ذاته. حيث أن ما ساد في اطار الفكر الشيوعي الذي تعمم مع الاتحاد السوفيتي، أن الامبريالية تعني الاستعمار والسيطرة على الدول الاخرى، أي على ما هو سياسي. لهذا يجري التحجج أن روسيا ليست امبريالية لأنها لا تحتل ولا تسيطر، رغم انها احتلت اوستينيا الجنوبية، وسيطرت على شرق اوكرانيا، وهي تحتل سورية الآن، والاتفاق الذي وقّع مع النظام السوري هو احتلال وليس اتفاق صداقة كالذي كان يوقع مع الاتحاد السوفيتي.

الامبرالية هي مفهوم اقتصادي بالاساس. وقد حدده لينين بنشوء الاحتكار، وظهور الرأسمال المالي. وهذا النشوء هو الذي يؤدي إلى ميل الدول الامبريالية للسيطرة على الاسواق والتوسع الخارجي. وروسيا الآن – من هذا المنظور – هي دولة امبريالية، لأن الاحتكارات والمافيا المالية هي التي تحكم، وهي تتناقس مع الامبرياليات القديمة لكي تحصل على الاسواق. وأيضاً هذا ظهر في سورية، حيث أنها قامت باستعراض عسكري كبير دموي، من أجل أن تزيد من عقود السلاح مع دول جديدة، يمكن أن تُفتن بقدرة السلاح الروسي على الفتك والقتل. وهذا ما ظهر أخيراً، فبعد تدخلها في سورية زادت مبيعاتها من الأسلحة. لهذا حين يرفض الشيوعيون تسمية روسيا بالامبرالية، يعني أنهم مازالوا يعيشون منظور الحرب الباردة، والذي كان يقوم على التصارع والتنافس بين أمريكا الامبريالية، وروسيا الاشتراكية، ولم يروا كل التحولات التي جرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وأزمة الرأسمالية والتناقضات التي تحيط بالعالم الآن، والتي تظهر أن الرأسمالية تعود للتنافس من أجل السيطرة على الأسواق والمواد الاولية، كما كانت في بداية القرن العشرين، رغم أن وجود السلاح النووي يمنع من نشوب حرب عالمية، لهذا نلمس أن الصراع يأخذ شكلاً اقليمياً من أجل السيطرة هنا أو هناك.

6- الديمقراطيه تعني التعددية السياسية والاقتصادية، وهي أصبحت جزء من نشاط القوى الثورية، كيف ترى نظام العدالة الاجتماعية القادم، وشكل نموه داخل الحياة الديمقراطية؟

أولاً الديمقراطية لا تعني التعددية الاقتصادية والسياسية، هذا منظور الرأسمالية ذاتها التي تقوم أصلا على حرية السوق، وبالتالي تؤسس نظاماً ديمقراطياً يحافظ على حرية السوق، وفي هذا الوضع ليس من امكانية لعدالة اجتماعية في بلدان الأطراف، وأصلاً ليس هناك قدرة على بناء دولة ديمقراطية، لأن الاقتصاد في هذه البلدان يقوم على أساس أنه اقتصاد ريعي، أي اقتصاد يعتمد على النشاط في قطاعات العقارات، والخدمات، والسياحة، والبنوك، وليس اقتصاداً منتجاً أصلاً، ولهذا لكي تبنى ديمقراطية حقيقية في الأطراف، يجب أن يعاد بناء الاقتصاد على أسس جديدة، تقوم على أنه اقتصاد منتج. وقد حققت الراسمالية في بعض البلدان، عدالة اجتماعية، نتيجة وجود اقتصاد منتج يحقق الارباح، ونتيجة وجود نهب في الأطراف، ولهذا كانت قادرة على تحقيق بعض العدالة، نتيجة تخوفها من وجود الاشتراكية، والتي كان يمكن أن تدفع الطبقة العاملة في بلدانها لاسقاط الرأسمالية وتحقيق التغيير الاشتراكي، وأيضاً نتيجة الكساد الذي أصابها عام 1929 ودفعها إلى أن توسع السوق الداخلي عبر زيادة الأجور، لكي يستطيع العمال شراء السلع التي تنتجها بشكل أكبر.

ما يمكن أن نطرحه نحن كماركسيين هو اسقاط الرأسمالية، من أجل تغيير النمط الرأسمالي القائم من اقتصاد ريعي لاقتصاد منتج، وبناء دولة علمانية ديمقراطية، دون أن نعتقد بأن حرية السوق، والاقتصاد الرأسمالي، يمكن أن تحقق تطور ما، أو هو مفيد لتحقيق تطور ديمقراطي كما يتوهم البعض.

7- الثورة السورية بدأت ديمقراطية تعمل على اسقاط الاستبداد وبناء الدولة المدنية الديمقراطية،  ماهي العوامل الداخلية والإقليمية والدولية التي ساهمت في ارباكها؟

هناك عوامل عديدة وكبيرة مع الأسف، منها داخلية، واقليمية، ودولية، حيث كان واضحاً أن امتداد الثورات العربية من تونس إلى مصر، فاليمن وليبيا ثم إلى سورية، وتحرك الشعوب في بلدان عربية أخرى، حتى أن الحراك وصل لدول أوربية مثل ايطاليا، واسبانيا، واليونان، وحتى إلى وول ستريت في أمريكا، قد فرض أن تنظر أطراف عديدة للوضع بعين ترى خطراً محدقاً بها، وخصوصا كما أشرنا قبلاً من أن الرأسمالية تعاني أزمة كبيرة، وبالتأكيد لا يمكن فهم ما جرى في الثورة السورية دون فهم هذا الوضع بشكل دقيق.

كان النظام منذ البداية قد قرر أن يواجه أي حراك شعبي بعنف ووحشية لأنه رأى نتائج ما جرى في تونس ومصر، ولأنه يعرف الأزمة الاقتصاية العميقة التي أنتجها في سورية وأطاحت بوضع الشعب السوري المعيشي، لكنه كذلك رأى أن مواجهة الثورة يفترض تشويهها عبر دفعها للتسلح وإلى اتهام الاخوان المسلمين والسلفية بأنها من يمارس الارهاب، كل ذلك من أجل أن يبرر العنف الذي مارسه أولاً، وثانياً لكي يخيف الأقليات الدينية والطائفية، وخصوصاً هنا العلويين، لأنه كان يعرف أن العلويين يمكن أن ينخرطوا في ثورة ديمقراطية، لأن وضعهم الاقتصادي سيئ، وربما أسوء من مناطق كثيرة في سورية، وبالتالي لأنه يعرف أن تحرك العلويين، وانخراطهم بالثورة، يعني سقوطه السريع، فهذا الحراك لو تم فسيفكك البنية العسكرية الصلبة التي سيعتمد عليها في مواجهة الشعب، ولهذا عمل منذ البداية على تشويه الثورة عبر اتهامها بأنها ثورة اصولية اسلامية، وفي الوقت ذاته زرع أفراد بدأوا يعملون على تشكيل مجموعات اصولية، ومن ثم أطلق سراح العديد من أفراد المجموعات “الجهادية”، الذين كان اعتقلهم سنوات 2003 و2004 و 2005، وأيضاً ممن سلمتهم أمريكا له من كوادر وقيادات تنظيم القاعدة، وسنلمس أن هذه المجموعات التي أطلق سراحها هي التي شكلت التنظيمات الأصولية الأساسية القائمة الآن مثل جيش الاسلام، وأحرار الشام، وجبهة النصرة، وأيضاً جزء ممن ساهم بتشكيل داعش .

لكن اعتقد ان خطة النظام كان يمكن أن تفشل لولا مساعدة دول اقليمية له، سواء بالتنسيق المباشر معه أو بسبب غباءها نتيجة مصالحها الضيقة. فقد كان واضحاً أن السعودية قد اتفقت مع النظام على دعمه مالياً وسياسياً وأسهمت في اظهار صحة خطاب النظام ذي الطابع الأصولي للثورة، وحينما تسلحت الثورة – بعد عنف شديد مارسه النظام – عملت على تشويه الكتائب المسلحة، عبر دفعها لأن تتسمى بمسميات اسلامية على أمل الدعم المالي، ومن ثم ضخمت من حجم التنظيمات المرتبطة بها مثل جيش الاسلام، وأيضاً دعمت جبهة النصرة بعد أن شكلها النظام، وضغطت من أجل ادخال (جهاديين) لكي ينخرطوا فيها، ومولت ذلك.

وأيضاً لعبت دول أخرى مثل قطر وتركيا على أن تفرض على الثورة السورية قيادة ليست منها، وأقصد هنا جماعة الاخوان المسلمين خصوصاً، وسهلت لهذه الجماعة منذ البداية أسلمة الثورة من خلال تحكمها بالاعلام التابع لها، وكان كل ذلك يدخل الثورة السورية في مآزق، وأوصلها للوضع الذي نحن فيه.

طبعاً لن أتحدث عن ايران التي تدخلت بعد عام وأشهر من الثورة بشكل عسكري مباشر  (حزب الله والحرس الثوري والميليشيا الطائفية العراقية) بعدما لمست ضعف النظام نهاية 2012، وتدخلت ضمن خطاب طائفي، كان يظهر وكأنه النقيض لخطاب النصرة وداعش. وأيضا دور روسيا التي استغلت وضع الثورة السورية، كي تفرض ذاتها كقوة عالمية أساسية، حيث ظهرت بداية أنها تواجه امريكا في مجلس الامن، رغم أن امريكا كانت تريد اعاقة أي تدخل عسكري في سورية، وكانت تميل لدعم الموقف الروسي ضمناً، ومن ثم حين وجدت روسيا أن الوضع في سورية ينهار، تدخلت عسكرياً لكي تفرض منظورها في ابقاء بشار الاسد، والسيطرة على سوريا، واحتلالها. أما حول امريكا وموقفها من الثورة السورية، ومن الوضع السوري، وهذا أمر بات مجال أخذ ورد في المعارضة السورية، هذه المعارضة التي راهنت على التدخل الامريكي، وظلت ملتصقة بالموقف الأمريكي، فقد كان واضحاً منذ البداية أنها تميل لتدمير المسار الثوري الذي بدأ في تونس، وبالتالي إن التدخلات الاقليمية في سورية يمكن أن تساعد على تدمير هذا المسار الثوري، لهذا دعمت روسيا على الاقل منذ بداية 2012، حين طلبت منها أن ترعى مرحلة انتقالية في سورية، وعملت على شل “دعم” الكتائب المسلحة من قبل دول مثل تركيا وفرنسا، ومنعت تسليحها، وبالتالي اسهمت بشكل أو بآخر بأسلمة الثورة، ومن ثم دعمت تدخل داعش وتوسعها في سورية، بعد أن قام النظام وقامت ايران بإطلاقها ونقلها من العراق الى سورية، ونرى الآن أنها تسير خطوة بخطوة وراء المنظور الروسي، الذي يزيد من الوحشية لتدمير الثورة، أي يحاول أن يفرض المنظور الذي يريده.

أظن أن كل هذه العوامل هي التي أدت لأن تتحول الثورة، من ثورة شعب يريد التغيير عبر تظاهرات كبيرة، الى التسلح، بفعل وحشية النظام، ودور بعض أطراف المعارضة الخارجية، ومن ثم الاسلمة العامة التي بدأت تتغلغل مع ازدياد وحشية النظام، وتدخل الدول الاقليمية بعضها مع النظام، وبعضها يدعي أنه مع (الشعب السوري). لهذا نحن في حالة استعصاء شديد أولاً، أي ليس من الممكن لطرف أن يحسم الصراع، وأيضاً بات الملف السوري بيد قوى دولية وبالتحديد بيد روسيا بدعم امريكي.

8-  نعتقد أن سياسة المعارضة الانانية والمتلهفة للسلطة ساهمت أيضاً في ارباك الثورة، ونمو التيار السلفي، ما هو دور اليسار في الثوة السورية … اليسار الثوري … واليسار الانتهازي ؟

بالتأكيد كان لأطراف المعارضة، مجمل المعارضة، دوراً سلبياً حيث لم تكن تتوقع أن تخرج ثورة في سورية، فحاولت أن تستغلها سواء للضغط على النظام للقيام بإصلاحات، أو لاستثمارها من أجل تدخل امريكي يسقط النظام ويأتي بها الى السلطة، ولهذا اشتغلت من جهة للتحضير لتدخل امريكي، ومن جهة أخرى لأسلمة الثورة، كي يكون لها أساساً في الحكم، وفي كل ذلك أسهمت في أن تكون عبئاً على الثورة، وفي تخريب مسارها، وفي وصولها الى الاستعصاء الحالي، والفوضى، والأصولية المنتشرة.

أما حول اليسار فأظن أنه علينا أن ندقق في من هو اليسار؟ هل الأحزاب الشيوعية الموجودة في السلطة هي يسار، أظن أنها ما دامت في السلطة فهي تمثل مصالح رأسمالية مافيوية. أما في المعارضة فهنالك مشكلة في هذا الامر، حيث أن بعض الأحزاب التي تدعي اليسار هي في ذيل جماعة الاخوان المسلمين، وبالتالي هناك أيضاً جزء مهم من اليسار ضمن اعلان دمشق، وهو يعبر عن ميل ليبرالي ذو هوى (غربي)، وبالتالي لا أظن أنها تعبر عن اليسار.

هناك اشتات من اليساريين، ومن المجموعات اليسارية، حاولت أن تلعب دوراً بشكل أو بآخر في الثورة السورية، لكن كان صعباً عليها أن تكون مؤثرة بشكل جدي نتيجة ضعفها، وربما تبلورها المتأخر.

هذا هو وضع اليسار ولا شك أن غياب دور يساري حقيقي في الثورة، كان نقطة ضعف قاتلة لأن الثورة ظلت عفوية أولاً، ومن ثم خضعت لمؤثرات بعض المعارضة، ولدول اقليمية، ولاعلام وتدخل اقليمي ودولي، ولازلنا كيسار في مأزق لأننا مازلنا على هامش الصراع.

9 – الثورة الآن محاصرة بين استبداد النظام والتطرف والموقف العالمي المعادي لها، كيف يمكن الخروج من الحصار؟

بالتاكيد الوضع صعب جداً، حيث كما أشرت أن دولاً اقليمية ودولية تتحكم، سواء بالنظام الذي بات يخضع الآن للسيطرة الروسية، وللتحكم الايراني، أو للمجموعات (الجهادية) مثل داعش والنصرة التي تخضع لسياسات أجهزة مخابراتية عالمية متعددة، وتعمل من أجل فرض تدخل دولها، عبر الايهام بأنها تخوض حرباً ضد الارهاب، وأيضا المجموعات السلفية الاساسية التي تعتبر من الثورة، باتت خاضعة لقرارات الدول الاقليمية. ولهذا كما اشرت فإن القرار في الوضع السوري، بات مرتبطاً بقوى دولية واقليمية، وفي كل هذه الوضعية، ما هو ممكن هو، اما قناعة روسيا بضرورة تحقيق حل يقوم على ابعاد بشار الاسد، لأنه لا امكانية لحل حقيقي دون ذلك، او استمرار الصراع وفق التوازنات القائمة على الأرض، حيث يؤدي القصف الروسي العنيف والوحشي إلى تراجع الكتائب المسلحة، وسيطرة النظام على بعض المناطق، أو حدوث دعم اقليمي للكتائب المسلحة، وخصوصاً  للنجموعات الأصولية المرتبطة بهذه الدول، لكي تحقق تقدماً من جديد.

هذا هو الوضع الذي لا نستطيع أن نحقق فيه تغيير الآن، والذي بات مرتبطاً بقناعة روسيا أن عليها ترحيل الاسد، لكي يتحقق حل، هو لا يحقق مصالح الشعب، لكنه يوقف هذا الشكل الوحشي من الصراع، وبالتالي هذه التدخلات الاقليمية والدولية، رغم أنه يبقي سورية رهينة لروسيا.

بالتأكيد يجب التفكير في تطوير دورنا، وقوانا، بالقدر الذي نستطيع ضمن كل هذا التعقيد، لكن سيكون الوضع أفضل بعد تحقيق حل سياسي، لأن الشعب سيعود للشارع من جديد، كما حدث بعد وقف اطلاق النار في مرحلته الاولى، حيث تظاهر الشعب من أجل اسقاط النظام، واصطدم مع حبهة النصرة، وطالب بطردها، وربما يوضح ذلك أن انتهاء هذا الشكل الدموي والمتعدد من الصراع، سوف يجعل الشعب قادراً على مواجهة النظام، ومواجهة المجموعات الاصولية المختلفة.

  • Social Links:

Leave a Reply