من عبد الرحمن الكواكبي إلى أبو محمد العدناني ..

من عبد الرحمن الكواكبي إلى أبو محمد العدناني ..

 د . حبيب حداد

شغلت اوساط واسعة من الرأي العام عندنا . وحتى على الصعيد الدولي . قبل أيام قليلة , بقصة تصفية ابو محمد العدناني ,الذي عرف بانه الناطق الرسمي لما يسمى بتنظيم داعش وربما يكون ايضا احد منظريه . ولا غرابة أيضا في ان يرى فيه اعضاء هذا التنظيم واعداد وافرة من تيارات مجتمعاتنا اليوم , وفي هذا الزمن الرديء بالذات , زمن التردي والتخلف والإنحطاط , خير ممثل لرسالة خير امة أخرجت للناس ,كي تدعو الى المعروف وتنهى عن المنكر !!! . لذا فإن السؤال المنطقي الذي يطرح في هذا الصدد هو : هل كانت اهمية هذا الرجل راجعة لما يمثله من خطر ارهابي وحشي ضد جميع بني البشر ؟ ام كما يرى البعض ان ذلك راجع حسب اعتقادهم الى الكاريزما الإستثنائية التي يتحلى بها والى صدق وعدالة الرسالة التي يدعي حملها ؟

وامام ظاهرة العدناني التي من الخطأ البالغ النظر اليها كحالة فردية , اذ لاشك انها احدى الأمثلة فحسب , الدالة على ما تواجهه مجتمعاتنا العربية اليوم من عوائق وعوامل عطالة و قصور في بنيتها العامة التي ما زالت تحول دون تحررها واللحاق بركب العصر . فكما نعلم هناك آخرون على هذا المنوال , غادروا الى العالم الآخر , قبل العدناني مثل بن لادن والزرقاوي والشيشاني والمصري والشامي والقائمة تطول .. إن مانود التأكيد عليه هنا ان المنهج الموضوعي العقلاني في فهم وكيفية مواجهة ظاهرة الارهاب التي باتت تمثل خطرا وجوديا يهدد كياناتنا الوطنية , هذا الخطر الذي لم يعد وقفا على الساحات الساخنة في اقليمنا مثل سورية والعراق وليبيا واليمن وسيناء وغيرها … بل تعدى ذلك ليصح خطرا داهما يهدد عالمنا من أقصاه الى أقصاه , المنهج العقلاني يقتضي منا ان ندرس الجزء داخل الكل وليس منفصلا عنه , وان ننأى عن استخدام تلك التصنيفات المخادعة التي لا تقنع حتى مستخدميها , بان هناك ارهابا وحشيا شرسا وان هناك ارهابا رحيما ومعتدلا يمكن معايشته والتفاهم معه !!! .واذا كنا دائما نرى ان الارهاب والاستبداد وجهان لعملة واحدة وان علاقتهما ببعضهما علاقة النتيجة والسبب في آن واحد ,وان اخطر انواع الاستبداد هو الاستبداد السياسي والاستبداد الديني الذين يرجعان الى طبيعة واحدة ويهدفان الى نفس الغاية وهي استلاب حرية الانسان واستباحة كرامته ,وتكريس عبودية وتخلف الشعوب وانحطاطها ,كما اوضح ذلك وقبل اكثر من قرن احد أبرز رواد التنوير والنهضة العربية واحد ابرز مؤسسي الفكر القومي العربي بماهيته الحضارية الإنسانية , ألا وهو عبد الرحمن الكواكبي الذي لقي حتفه مسموما في مصر في غمرة مقاومته الاستبداد العثماني , فلقد ايقن الكواكبي بأنه لا يمكن القيام باي اصلاح في ظل نظام الحكم الاستبدادي بل ان اول ما يجب القيام به هو التخلص من هذه الأنظمة لفتح الطريق امام تقدم مجتمعاتنا وتجاوزها حالة الفوات التاريخي التي تفصلها عن واقع الأ مم المتقدمة .وقد اكد الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ,الذي كنا وما زلنا نأمل لكن مع الأسف بدون اية استجابة حتى الأن ,ان يدرس في اطار منهاج الدراسة الاعدادية في البلدان العربية ,أكد على ان واجبه الدائم كان تنوير افكار الأمة وتنبيه الغافلين فيها فيما هو داء الشرق ودواؤه ,وان اصل الداء هو الاستبداد السياسي والديني وان دواؤه هو الأخذ بنظام الشورى الدستورية التي يرى انها تتمثل في عصرنا هذا بالديمقراطية البرلمانية كما طبقتها الأمم الغربية . ما احوجنا اليوم ان نستعيد تلك المنطلقات المنهجية التي طبقها هذا الرائد النهضوي الكبير الذي رأى ان مشكلة التخلف التي يعاني منها العالمان العربي والإسلامي ذات جذور واسباب داخلية اساسا , كما اكد دوماعلى مبدأ الشمولية في تناول موضوع الاستبداد بتتبع مظاهره وتقصي ابعاد تغلغله في جميع المجالات الإجتماعية والثقافية والدينية والسياسية والإقتصادية التي ستؤدي عاجلا او آجلا الى القضاء على المجتمع اذا لم يوضع حد له . كذلك كان في مقدمة الأمور التي دعا اليها الكواكبي باستمرار ضرورة الإنفتاح على الشعوب الأخرى والاستفادة من جميع التجارب الإنسانية في الأخذ بالحلول التي طبقتها لمعالجة الاستبداد بكل مظاهره وأسبابه ,وتجلى ذلك في مطالبته بالإصلاح الديني الحقيقي تمهيدا للإصلاح السياسي اسوة بما حدث في الغرب مبديا رأيه في جوهر وصلب هذا الموضوع من خلال اجتهاده في تفسير العديد من النصوص الدينية وفق مقاصدها التي رمت اليها حس كل بيئة ومرحلة زمنية ..

هكذا كان مسار النهضة العربية بصورة عامة منذ اواسط القرن التاسع عشر وحتى بداية السبعينات من القرن الماضي . , فلقد تميز هذا المسار الذي كان محدد الأهداف واضح الرؤية وموحد الارادة والأداف الكبرى بالنسبة لشعوبنا العربية ,وبرغم العديد من الإخفاقات والهزائم التي اعترضته , كان في حصيلته مسارا متصاعدا سواء في كفاحه المتواصل للخلاص من الاحتلال العثماني ومن بعد ه الإحتلالين الفرنسي والبريطاني ,و الذي توج بانجاز هدف الاستقلال الوطني , و بعد ذلك في مواصلة السعي الجاد في طريق التنمية الانسانية المستدامة من اجل استكمال مقومات الاستقلال الحقيقي ببناء الدولة- الامة الحديثة . لكن الذي حدث بعد ذلك غير ما تطلعت وسعت اليه الشعوب العربية عندما ابتليت مراكز القوة الثلاثة في النطام الإقليمي العربي ونعني بذلك مصر وسورية والعراق بانظمة استبداد شمولي , انظمة سلطانية اشبه ما تكون بأنظمة القرون الوسطى والتي طال تسلطها وكان حصاد سياساتها التمهيد للاوضاع الماساوية التي تعيشها هذه الأقطار الثلاثة اليوم . فهل يعقل وفاء لهذا الرأسمال التنويري الحضاري الذي كونه رواد النهضة العربية العربية رفاق وتلاميذ عبد الرحمن الكواكبي على مدار قرن من الزمان ان تصل اوضاعنا الى النفق المظلم الذي نحن فيه اليوم ؟ ,وهل يعقل بعد هذا التراكم النضالي الغني وما قدم في سبيله من تضحيات جسام من قبل حركاتنا الوطنية والاصلاحية ومن قبل ثوراتنا التحررية التي شهدها اكثر من بلد عربي على امتداد القرن الماضي ان يغرق العديد من مجتمعاتنا في حروب اهلية طائفية ومذهبية لا تبقي ولا تذر ؟ وهل كان يتوقع احد ان مجتمع حلب الذي انجب الكواكبي وغيره من قادة الفكر والكفاح التحرري النهضوي , حلب بالذات التي يجمع كل المؤرخين انها من حيث المقومات الفكرية والحضارية والعمرانية كانت تعتبر المدينة الثانية بعد اسطنبول طوال عهد السلطنة العثمانية , بيئة حلب هذه يمكن ان تنجب هي أو أريافها بعد اكثر من قرن من الزمان ابو محمد العدناني وامثاله من الذين ينخرطون في داعش وجبهة النصرة وبقية المننظمات الارهابية يتحدثون باسم الاسلام وامجاده , يشوهون عقيدته ويسيئون الى قيمه الحضارية ورسالته الانسانية السمحة , وبما يؤدي في الوقت نفسه الى تدمير وطننا :مجتمعا وتاريخا وكيانا .

الم يحن الوقت بعد ان نستفيق من غفوتنا وننهض من عثارنا وكبوتنا , فنتسلح بالوعي السليم ونطبق مناهج العلم الحديث في تشخيص عللنا واعطابنا وصياغة خطط بناء مستقبلنا المنشود في اطار ثورة ثقافية فكرية شاملة , ندرك في سياقها اننا ما زلنا في غيبة تامة عن استيعاب واستخدام مناهج العلوم الاجتماعية الانسانية الحديثة بما فيها علم الأديان الذي اصبح احد هذه العلوم الاساسية في المعاهد والجامعات ومراكز البحوث والدراسات في البلدان المتقدمة ؟

ألم يحن الوقت بعد كي نحررعقلنا وتفكيرنا من عقلية المؤامرة , و نقلع والى غير رجعة عن استخدام المنهج الذاتي البوليسي في تحليل الأحداث والوقائع وفي رسم طرق وبرامج واليات التعامل معها . فنتوقف مثلا عن القول ان داعش وجبهة النصرة والمنظمات التكفيرية الأخرى هي صنيعة النظام السوري او العراقي او اسرائيل او ايران اوتركيا او روسيا او الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ,وندرك ان هذه التنظيمات هي اساسا نبت تربة مجتمعاتنا المتخلفة والمناخات الملائمة لنموها وانتشارها وان ظواهر الارهاب والتعصب والارهاب التي تفتك بنسيج مجتمعاتنا وتدمر روح وحدتنا الوطنية اليوم , هي من صنع برامج التعليم والثقافة السلفية المتحجرة المتخلفة في معاهدنا ومدارسنا وجامعاتنا ,ومن وحي الخطب والتوجيهات المنحرفة عن جوهر قيم الدين التي تلقى في المساجد وفي محتلف اماكن العبادة في بلادنا , وهي ايضا وليدة المناخ الذي يعيش فيه المواطن – الانسان في ظل انظمة الاستبداد والقهر والفساد محروما من ابسط الحريات الديمقراطية ومن حقوقه الأساسية .فهذه هي التربة المطلوبة وهذا هو المناخ المناسب لنشوء وتفريخ ظاهرة الارهاب واستفحالها وتوفير الفرص لكل القوى المعادية لتحررنا وتقدمنا ووحدتنا كي تستغل وجود هذه الظاهره وتسخرها بما يخدم مصالحها ويساعد في تنفيذ مخططاتها القريبة والبعيدة ..

وأخيرا وليس آخرا , الم يحن الوقت بعد , وفي خضم المحنة المصيرية التي يواجهها شعبنا , كي يستجيب السوريون بكل تشكيلاتهم وهيئاتهم المعارضة الوطنية فعلا , والبعيدة عن وصاية الاطراف الدولية ,لنداء الوطنية السورية الجامعة ,نداء تاريخهم ومصيرهم المشترك فيقتنعوا ان الخطوة الاولى من اجل انقاذ وطنهم والسير في الطريق السديد لتحقيق تطلعات شعبهم ,إنما تتمثل اولا وقبل اي شيئ آخر في توحيد ارادتهم واستعادة ثقة شعبهم . وفي اعتقادنا و كما اعربنا عن ذلك في كل المناسبات ان افضل وسيلة لتجسيد هذه الارادة الموحدة , في الظروف الحالية ونقلها الى حيز الواقع .هي الدعوة الى مؤتمر سوري وطني عام تحت اشراف ورعاية الامم المتحدة . فهذه هي الخطوة الاولى والعاجلة كما نرى كي يكون صوت ورأي الشعب السوري حاضرا وفاعلا في كل مايتعلق بتقرير مصيره , بدل ان نظل في موقع الانتظار والمراهنة على ما قد يطرح من حلول دولية , كما يشاع هذه الأيام , من قبل الدولتين الكبيرتين اللتين تمتلكان في حال توافقهما مفتاح هذا الحل اي روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الامريكية . ان وجود ممثل حقيقي يعبر عن ارادة الشعب السوري في هذه المرحلة المفصلية من حياتنا هو الضمانة الاولى للتعامل مع كل مشاريع الحلول السياسية التي ستطرح , حيث يمكن لهذا الممثل الحقيقي ان يتعامل بالوعي والخبرة والكفاءة المطلوبة وتحديد اين تتقاطع اوتتعارض هذه الحلول المقترحة مع مشروعنا الوطني الديمقراطي الموحد الذي قامت من اجلها ثورتنا التحررية الوطنية , قبل ان يتم الغدر بها واغتيال اهدافها وروحها التحررية وتشويه هويتها من قبل ذوي القربى المفترضين , قبل الأغيار والخصوم والأعداء المتوقعين .

  • Social Links:

Leave a Reply