جرابلس .. مدينة التاريخ  العريق  والتعايش المشترك ..

جرابلس .. مدينة التاريخ العريق والتعايش المشترك ..

* مصطفى الدروبي 

بعد طرد داعش منها وتحريرها يوم الأربعاء  24 آب الماضي من قبل الجيش الحر وبمساندة ودعم الجيش التركي خرجت هذه المدينة البلدة من أسّرِ الظلام والظّلاميين وأخذ اسمها يتردد عبر المنابر لكبار مسؤولي دول العالم بدءاً من الرئيس الأمريكي  أوباما والروسي بوتين ..وليس انتهاءً  بالخطب المتتالية للرئيس طيب أردوغان ..والتي كان آخرها  في مدينة هانغ زو الصينية والتي عقدت  فيها  يوم السبت  6- 9-  2016 أعمال قمة  العشرين، ( قادة أكبر عشرين دولة في العالم من حيث النمو الاقتصادي ).

وكذلك احتلت صور المدينة شاشات العالم ومنصات التواصل الاجتماعي ..فمن هي جرابلس ؟ وأين تقع ؟وما هو دورها في التاريخ؟

لنقرأ أولاً ماذا قالت الويكيبيديا عن جرابلس : (هي مدينة تقع في الشمال الشرقي من مدينة حلب وتتبع لها إدارياً .. جرابلس هي كركميش التاريخية عاصمة الحثيين الشهيرة…. كركميش مدينة استوطنها الإنسان منذ آلاف السنين ، حيث  قامت العديد من بعثات الآثار السورية والاجنبية بالتنقيب والكشف عن آثار المدينة ، وفي الأربعينات قامت بعثة أثرية من جامعة اكسفورد بقيادة الباحث وعالم الآثار الشهير ( هو غارث ) بالتنقيب في جرابلس عن مدينة كركميش والتي تعود إلى خمسة آلاف سنه خلت.. ونُقلت الكثير من المكتشفات حينها إلى متحف – اشمولين – في اكسفورد ، وتم الكشف عن الكثير من الآثار الهامة منها كالأبنية والمُغر الأثرية مثل المغر الكائنة شرق المدينة وغربها والمتواجدة بكثرة في ريف المنطقة وأشهرها قرية  مغر الصريصات ( قرخ مغار – أي أربعون مغارة بالتركية ) و التي تعود إلى حقبة ما من التاريخ  وأنها كانت تحتوي على تجمع سكاني كبير .. حيث وجد بها أربعون مغارة وغيرها العديد من اثار هذه الحضارة العريقة .

مدينة جرابلس هي مدينة سورية تتبع إدارياً ريف محافظة حلب وتقع على بعد 125 كم شمال شرقها على نهر الفرات حيث أنها أول مدينة  يعبرها النهر عند دخوله سوريا أما عدد سكانها فلقد بلغ  729 26 نسمة حسب التعداد  الاحصائي  الذي جرى عام  2004 م. وتتميز جرابلس بمناخ معتدل نسبياً في الصيف وبارد في الشتاء وفصل  الربيع فيها من أجمل فصول السنة حيث تتلون الطبيعة في سهولها وريفها الرائع بالخضرة والزهور المتنوعة، وجمال هذه الطبيعة الخلّابة يدعو للتأمل والتأثّر بسحر هذا المكان المغرق في القِدَم الرابض على كتف الفرات الخالد.

وكان يتردد على هذه المدينة خلال العقد الأول من القرن العشرين توماس إدوارد لورانس ( لورنس العرب ) ضابط المخابرات البريطاني والذي عمل كمنقب عن الآثار في المنطقة راسماً الخرائط العديدة تحضيراً  لنسف خطوط السكك الحديدية والتي كانت  تزود الجيوش العثمانية بالإمدادات أثناء الحرب العالمية الأولى  وهذا ما أورده في كتابه الشهير ( أعمدة الحكمة السبعة ) ..وقضى فترة ليس بالقليلة في هذه المدينة معتمداً على صديقين مخلصيّن له هما حمودي الشيخ إبراهيم وسليم أحمد الداهوم ..ويقال أن أجاثا كريستي كتبت روايتها الشهيرة ( جريمة في قطار الشرق السريع ) في علّية حمودي  ( والعليّة هي الغرفة التي تعلو الطابق الأرضي من الفِناء  ويستقبل بها كبار الضيوف عادة)!

كان يعيش في جرابلس في مطلع العقد الثاني من القرن الفائت إثنيات  متعدة تمثّلت بالمسيحين العرب السريان كآل توما وكان أبرز شخصياتهم حكمت توما ( النبكي ) وكذلك عائلة شيخو والمتمثلة بأسرة الطبيب فرج الله شيخو ( أبا نائل ) وشقيقه قرياقوس شيخو وعلى العائلات الأرمنية التي تدفقت إلى جرابلس بُعيّد المحّنة الأرمينية بعد عام 1915 وبَنَتْ حيّاً عامراً وبعض الكنائس وفق النموذج الأرميني المعتاد ومن حجر الحوّار اللّدن والذي يَكّثُر في الجبل الذي يعلو جرابلس ويشرف على فراتها وسهولها …وكذلك بعض العائلات اليهودية والتي كانت آخرها عائلة داوود رفائيل ( أبو رفول ) إلى جانب أُسر عربية من انتماءات قبلية متعددة  كأسرة القادر ( الجادر ) من قيس والتي يقال أنها أتت من أورفة …أورفة هذه التي تعتبر توأم جرابلس في تقاليدها من حيث المأكل والملّبس والعيش المشترك والمَعْشَر الحسن.. وكذلك عائلة حمودي سالفة الذكر والتي تعتبر واجهة الدمالخة  والسراحنة  إلى جانب الخليط الواسع لبيوتات عربية ذات انتماءات قبلية متعددة كالهنداوي ( وهم عرب أتوا  من مصر كجند مع حملة إبراهيم باشا ) وعائلة خليفة ( وهم أجداد المناضل السوري مصطفى خليفة وكاتب رواية القوّقعة ذائعة الصيت ) من قبيلة عّنِزة  … أما سكان جرابلس من عرب طيء فقد قدموا إليها بشكل متأخر كالشيوخ والصريصات  .. وبالنسبة للمكونات الكريمة الأخرى من غير العرب فنجد عائلة مَحْلي  والتي يقال أن أصولها من أرومة تركية … وقبرطاوي الشركسي وأرناؤوط  وخربوطلي .. وأكراد قدموا من بيره جيك ويتكلمون التركية … ونعتقد أنه من خلال هذا الخليط المتعددة دينياً وإثنياً نشأت نزعة التسامح وقبول الآخر إضافة إلى غياب التعصب الديني حيث يعيش النصارى إلى جانب أخوتهم المسلمين في إطار المودّة والتراحم .. وحتى أبو رفول اليهودي عندما تعرّض لمحاولة اعتداء من قبل شاب متحمس من آل خليفة إثر نكّسة عام 1967 تصدى له المسلمون بكل رجولة و قاموا بحمايته ….. و قالوا : من سيمس أبو رفول سيمسنا … فهو واحد منا .

كانت جرابلس تنتعش اقتصادياً عندما تكون العلاقات مع الجانب التركي جيدة حيث سكانها اعتمدوا تاريخياً على المعّبر البريّ الذي ربط جرابلس بتركيا ( معبر كركميش ) وكانت المدينة عامرة في خمسينات وستينات القرن المنّصرم حيث كان كاتب هذه السطور شاهد في طفولته على عمرانها ونشاط سوقها وكثرة مقاهيها وفنادقها وحاناتها ومنشيّتها القريبة من الدوائر الحكومية والتي تصدح بصوت كوكب الشرق أم كلثوم على امتداد النهار وأواخر الليل..وحتى على بقايا دار السينما والتياترو ( وهو ناد ليلي ) لهذا كان يطلق الأتراك على جرابلس البهيّة لقب باريس الصغرى ( كوجك باريس )..

أما الحياة السياسية فكانت ذاخرة قبل انقلاب البعث حيث هناك تاريخ ناصع للشيوعيين في هذه المدينة وخاصة في أوساط الأرمن وكذلك ريف المنطقة من الفلاحين الفقراء …ومن ثم ظهر تنظيم القوميين السوريين والبعث فيما بعد وكذلك الاتحاد الاشتراكي ( الناصريين ) بعد الانفصال وكانوا يسموّن بالوحدويون…أما الأخوان المسلمين فلا مكان لهم في جرابلس تاريخياً ..حيث البيئة التي أتينا على ذكرها لا توفّر مستنبتاً لأفكار هؤلاء.

إن الحديث عن هذه المدينة العظيمة يحتاج للكثير من الوقت والتوثيق متمنين على من عاد من أخوتنا إليها بعد التحرير تسجيل أهم المحطات  من تاريخها استناداً إلى ذاكرة المعمّرين بها والذين مازالوا على قيد الحياة ..

 

كاتب سوري *

  • Social Links:

Leave a Reply