شخصيات ثقافية مولعة بالأحذية ..

شخصيات ثقافية مولعة بالأحذية ..

تطورات جنيف _ خطيب بدلة

أحياناً، أثناء قراءتنا لسيناريو فيلم سينمائي، أو مسلسل تلفزيوني؛ نعثر على مشهد مليء بالمبالغة، والتهويل، مبني على القفز فوق المنطق الواقعي للأمور، فنقول للسيناريست الذي كتبه: هذا المشهد (OVER)، حبذا لو أنك تحذفه، أو تعدله، باعتباره مسيئاً للعمل. ولكنَّ ما نشهدُه على الأرض، وبالأخص أثناء الثورة السورية، قد تجاوز الـ ‏(‏OVER‏)‏ التمثيلي، وأوصلنا إلى مشاهدة حالات واقعية هستيرية، تشبه المسرح العبثي، أو الفن السوريالي !

إن بمقدور المرء، مثلاً، أن يتفهم دوافع فنان مهم كـ “جورج وسوف” لأداء أغنية “يا بشار”، بعد أن تَعَطَّلَ القسمُ الأكبر من حباله الصوتية، لأنه غناها قبل الثورة، وقبل سواقي الدماء التي أسالها بشارُ الأسد في الشوارع السورية؛ ذلك أن فنانين مهمين كثيرين فعلوا الشيء نفسه، البعضُ منهم فعلها عن قناعة، وحب حقيقي لبشار الأسد! ولوالده من قبله! والبعض الآخر إما خوفاً من السلطة الأمنية، أو لتحصيل المال أو مكاسب من نوع آخر؛… نذكر منهم المرحوم مصطفى نصري، وعلي حليحل، ورفيق السبيعي، وعمرو دياب، وميادة الحناوي، وأصالة نصري، وفارس كرم، ومعين شريف .

وكان الموسيقار صفوان بهلوان قد وضع عبقريته الفنية كلَّها في تلحين قصيدة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري الذي أوصل المجرم الأبَ، بمديحه، إلى مصاف عظماء التاريخ! ونجوى كرم التي غنت لبشار ثم سحبت غناءها… ولعل من أفظع سقطات الفنان الكبير وديع الصافي موالُه الذي يقول فيه: ضلك يا أسد عالوطن حافظ، لأنك قدر هالإيام حافظ، أبو سليمان مين غيرك يا حافظ، حفظ لبنان من شر الخراب! ولكننا بلغنا قمة الاستغراب حينما رأينا جورج وسوف، في حلب، ينحني ليبوس حذاء رامي مخلوف! فلو أننا توخينا الموضوعية والإنصاف لقلنا إن مكانة “جورج وسوف” الإنسانية أعلى بكثير من مكانة رامي مخلوف هذا اللص الذي سرق قسماً كبيراً من الثروة القومية السورية، بشراكة غير معلنة مع ابن عمته بشار الأسد، وصَرَّحَ، في بداية الثورة، أن أمن سورية من أمن إسرائيل!.. وعدا عن موضوع المكانة نتساءل: ألا يعرف جورج وسوف طريقة للتعبير عن حبه، أو امتنانه لرامي مخلوف غير هذا المشهد الـ ‏(‏OVER‏)‏ ؟

الكلام نفسه يمكن أن نقوله عن ‏الفنانة رغدا. فهي، حقيقةً، واحدة من نجمات شاشة السينما السورية المضيئات. إن بإمكاننا أن نكون متساهلين كثيراً، فنسوغ لها أن تدعو بشار الأسد إلى قمع المنتفضين، أو الثائرين عليه، ومحاربة مَنْ تسميهم إرهابيين ووهابيين وتكفيريين،.. ولكننا، حينما قرأنا ما صرحت به، أصبنا بالهلع! قالت، حرفياً، ما يلي :

السيد الرئيس بشار الأسد. سأخاطبك أباً (مع أنها أكبر منه سناً!!)، وأخاً، وقائداً، كما أنت لنا دائماً. سيدي الرئيس، لا نريد بيوتنا، بل نريد سوريتنا، لا نريد عقاراتنا بل نريد إنقاذ حضارتنا، لا نريد أنجاساً يبكيهم البعضُ لأنهم من الشعب السوري، لا نريد خونة بين صفوف الشعب السوري، أسقِطوا الجنسية السورية، علقوا المشانق في الساحات! نريد قصفَ كل منطقة فيها إرهابي، ولو مات آلاف المدنيين!! كل من بقي من المدنيين في المناطق تلك، هو حاضن ومتواطئ!! لن تنتهي الحروب بدون دم وقتل وتنكيل. يكفي صبراً، أحرقوا الأرض بمن فيها لتتعمد سوريا بالدم كي تجتاز أزمتها… لا تهادنوا مع القتلة ومَن احتضنهم! لا ترحموا كل من قَدَّمَ طعاماً أو ماءً أو ضماداً أو مأوى أو سلاحاً لخنازير الزنا وزعران النكاح وحثالة المتأسلمين… أما آن للكيماوي أن يستشيط؟!

من جهة أخرى فإن ما قالته الفنانة “رغدا” لقائدها بشار الأسد قد جاء في الوقت غير المناسب له! فقد طلبتْ منه استعمال الكيماوي في الوقت الذي كان الناطقُ الرسمي باسم الخارجية السورية يظهر يومياً على شاشات التلفزة، ويستبسل لينفي وجود الكيماوي لدى النظام السوري، وأنه فيما لو كان لديه كيماوي فلن يستخدمه ضد الشعب السوري! (وكان الناس يكملون جملته فيقولون: لدينا أسلحة كثيرة نقتل بها الشعب، ولسنا مضطرين لاستخدام الكيماوي)!

كان المرحوم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي مؤيداً للنظام السوري وغير موافق على الثورة، ولكنه، وهو الرجل العالم ذو المؤلفات الإسلامية الكثيرة، لم ينزل إلى الدرك الذي بلغه المفتي الدكتور أحمد حسون. فلقد تفوق أحمد حسون على مختلف أنواع (الشبيحة) في دفاعه عن استبداد عائلة الأسد! وهو الآخر دافع بطريقة لا يمكن أن تخدم النظام نفسه، بل تعطي مردوداً عكسياً، وبالأخص يوم هدد الأوربيين بوجود خلايا إرهابية (استشهادية) نائمة، يمكن له أن يحركها، عندما يشاء، لتقض مضجعهم! وأسفَّ حسون أكثر حينما طالبَ مجرمي الجيش العربي السوري بأن يبيدوا أية حارة تخرج منها رصاصة واحدة في مسقط رأسه حلب، ويقتلوا كل مَنْ فيها من بشر!

والحقيقة أن هذا كله كوم- على حد تعبير إخوتنا المصريين-وطريقة الفنان سلوم حداد في مديح مجرمي الجيش العربي السوري كوم. لا يوجد في الواقع رجل واحدٌ يطلب من الفنان سلوم أن يتحدث بموضوعية ونزاهة عما جرى في بلاده، كأن يقول، مثلاً، إن الناس ثاروا، سلمياً، على استبداد الحكم العائلي الوراثي الذي أوجده حافظ الأسد، مطالبين بالخبز والكرامة وبالتداول السلمي للسلطة وإلغاء القوانين الاستثنائية ومحاكم أمن الدولة؛ فقوبلوا بالقتل والاعتقال والتشريد، ثم تسلحت ثورتهم، فاستغلها إسلاميون متشددون، وشكلوا جماعات إرهابية، وأن النظام استغل ظهور المتطرفين ليمعن في قتل السوريين جميعهم ليحافظ على حكمه الوراثي… إلخ.. ولكن معظم السوريين، ومنهم محبو الفنان سلوم، استغربوا تمثيليته ذات الإخراج السيء حينما دخل استديو “الفضائية السورية” ليشارك في أحد البرامج وإذا به يقول: وأنا قادم إلى هنا شاهدتُ العسكري الواقف عند الباب، هذا العسكري كله عزة، وكرامة، وشهامة، وحرية، و.. (وانفلت بالبكاء، ترافق ذلك مع سيلان السائل المخاطي من أنفه)!

إنه لمن غير المعقول، بل المستحيل، أن يكون سلوم جاهلاً بأن هذا العسكري إما فقير لا يملك مالاً يدفعه رشوة لقائد الكتيبة ليعطيه إجازة مفتوحة، ومن ثم فهو يكبس على الجرح ملحاً ويعد الأيام والليالي ليخلص من هذا كابوس الخدمة الإلزامية هذا… أو أن أهله يملكون مالاً قليلاً دفعوه لسمسار متنفذ ليجعل خدمته بعيدة عن جبهات القتال، أو أنه الآن يفكر بالهرب أو الانشقاق. وفي كل الأحوال هو فاقد لصفات العزة والكرامة والحرية التي تحدث عنها سلوم كلها!

لدى أهل مدينة حلب مثل شعبي جميل. فحينما تتوالى الأمور السيئة على أحدهم، ثم يأتي رجل هو الأكثر إزعاجاً، يقولون: كان ناقص الدست بيتنجانة! وهذا حالنا نحن السوريين مع المذيعة التونسية السيدة كوثر البشراوي، إذ بعد كل ما شاهدناه من ولع بعض الشخصيات الفنية العاشقة للحذاء العسكري، جاءتنا كوثر ومعها فردة بوط عسكري، وضعتها في حضنها، ضمن الاستوديو، وانخرطت بتقبيلها!

لا يعتقدنَّ أحدٌ منكم، سادتي القراء، أنني أغض- في حديثي هذا- الطرفَ عن رجل يقول إنه مستعد لأن يبوس حذاء الشهيد الذي كان يقاتل ضد النظام السوري واستشهد … يا أخي احزن عليه. قَبِّلْ جبينه. قدر تضحيته حق قدرها. لا تقم بأفعال حقيرة في المناطق التي حررها هؤلاء الشهداء بدمائهم … ولكن … دعك من الحذاء! ألا توجد طريقة للتعبير عن الحب غير (بوس الصرامي)؟!

  • Social Links:

Leave a Reply