إمساك نظام الأسد بالدولة السورية 1/3

إمساك نظام الأسد بالدولة السورية 1/3

مركز كارنيغي للسلام الدولي: نصّب نظام الأسد نفسه على أنه مُزوِّد الخدمات الأساسية الذي لا غنى عنه في سورية. وحلُّ الأزمة السورية يتطلّب كسر هذه القبضة
خضر خضور

منذ الأيام الأولى للانتفاضة السورية في العام 2011، وضع الرئيس بشار الأسد ضمن أولوياته الحفاظ على سير عمل مؤسسات الدولة، ما سمح له بالادّعاء أن النظام لا غنى عنه لتوفير الخدمات الأساسية. من شأن وضع حدٍّ لاحتكار النظام لهذه الخدمات العامة والسماح للمعارضة المعتدلة بأن تصبح مصدراً بديلاً لتوفير الخدمات، أن يُضعِف النظام، وأن يمنع تنظيم الدولة الإسلامية الجهادي المتطرّف من ملء فراغ السلطة في البلاد.

كيف أحكم النظام قبضته

  • يعتمد السوريّون بشكلٍ كبير على الدولة للحصول على الدخل والسلع والخدمات الأساسية والوثائق الإدارية. وحين رُجِّح بقاؤه مهدَّداً، كثّف النظام جهوده للارتباط بمؤسسات الدولة التي توفّر هذه الخدمات الضرورية.
  • تمّ توطيد السلطات البيروقراطية التي كانت أصلاً مترامية الأطراف، لتصبح مراكز حضرية يمكن الدفاع عنها بقوة وخاضعة إلى سيطرة النظام.
  • دمّر النظام الهياكل البديلة التي أنشأتها المعارضة في المناطق المحرّرة للحفاظ على احتكاره توفير الخدمات الأساسية.
  • عزّز صعود تنظيم الدولة الإسلامية – الذي قمع بشكلٍ وحشي السكان في المناطق الواقعة تحت سيطرته – باعتباره الكيان الآخر الوحيد القادر على توفير قدرٍ من الإدارة العامة، سرديّةَ النظام السوري القائلة بأنه هو الخيار الواقعي الوحيد المُتاح أمام السوريين للحصول على الخدمات الأساسية.

ما يمكن للقوى الدولية فعله لوقف احتكار الأسد

النظر أبعد من الإستراتيجية العسكرية. ينبغي على الدول الغربية والإقليمية الداعمة للمعارضة – ولاسيما تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر – أن تقوم بأكثر من مجرّد تقديم المساعدات العسكرية إلى فصائل المعارضة، وأن تدعم أيضاً عملية إعادة هيكلة الفصائل المتمرّدة المسلحة والمعارضة السياسية لتُشكِّل كياناً موحّداً ومتماسكاً أكثر من شأنه الاضطلاع بأدوار جديدة في سورية.

تمكين سلطة بديلة. في المناطق الخاضعة عسكريّاً إلى سيطرة المعارضة المعتدلة، ينبغي تشجيع مجموعات المعارضة على أداء مهامّ الدولة السورية، كما ينبغي دعمها في هذا المجهود.

حماية مؤسسات الدولة. ينبغي منع النظام من تدمير هذه المؤسسات – ومن تدمير قدرة المعارضة على إدارتها – بعد انسحاب قواته العسكرية من هذه المناطق. لتحقيق ذلك، يتعيّن على الولايات المتحدة وحلفائها توفير الحماية الجوية من هجمات النظام بعد انسحاب القوات التابعة للأسد.

khaddour-medium1

خضر خضور – باحث غير مقيم -مركز كارنيغي للسلام

 

 

 

 

 

 

مقدّمة

في أواخر 2011، تكهّن قادة عالميون ومحللون إقليميون بثقةٍ بأن نظام الرئيس بشار الأسد سيتداعى ويسقط في غضون أسابيع.1 لكنه كان حتى أواسط العام 2015 لايزال يقاتل، على الرغم من أنه فَقَدَ السيطرة على أكثر من نصف أراضي سورية ويجهد الآن لإبقاء قبضته على المناطق المتبقية.

 

من الواضح أن المساعدة العسكرية والاقتصادية من إيران وروسيا كانت عاملاً حاسماً في مساعدة النظام على التشبّث بالسلطة. لكن ثمة عامل رئيس آخر يُفسِّر قدرة النظام على البقاء، هو قدرته على الاّدعاء بأن الدولة السورية، في ظل الأسد، بقيت مُزوِّداً لاغنى عنه للخدمات العامة، حتى للسوريين الذين يقطنون مناطق خارج سيطرة النظام. وقد ساعد بروز تنظيم الدولة الإسلامية، ككيان آخر يمتلك القدرة على توفير بعض الخدمات الرئيسة، النظام على تسليط الضوء على عجز المعارضة السورية المعتدلة عن القيام بهذا الدور، ماعزّز زعمه بأن بقاءه حيوي وضروري للحياة اليومية للسوريين.

مع تحوّل الانتفاضة الشعبية إلى نزاع مسلّح في الفترة بين العامَين 2011 و2012، جعل النظام السوري من أولى أولوياته إبقاء الإدارات التابعة للدولة قيد العمل. وهو بهذا جعل السوريين معتمدين على حكمه. معروف أن المواطنين السورييين كانوا يعتمدون بكثافة على الدولة قبل اندلاع الانتفاضة، والعديد منهم اضطرّ إلى مواصلة هذا الاعتماد، وحتى بدرجة أكبر، خلال النزاع. وهكذا، كانت الدولة السورية، ولاتزال، الموفّر الأكبر للوظائف في البلاد، فيما تُعتبَر الإدارات الرسمية هي المُزوِّد الرئيس لسلع أساسية مثل الخبز، والوقود المدعوم، والرعاية الصحية، والتعليم. ثم أن الخدمات الإدارية التي تديرها الدولة، هي وحدها القادرة على إصدار الوثائق التي تسمح للسوريين بالزواج، وتسجيل صكوك الملكية، والسفر إلى خارج سورية.

 

في سبيل ضمان استمرار تلقّي السوريين لهذه الخدمات التي تشتد الحاجة إليها، جرى تعزيز إدارات وهيئات الدولة التي كانت أصلاً واسعة الانتشار، عبر تحويلها إلى مراكز سلطة مدينية يمكن الدفاع عنها، تحت سيطرة الوحدات العسكرية الموالية للأسد. وبالتالي، باتت السُكنى في المناطق التي يسيطر عليها النظام حاجةً وضرورةً للعديد من السوريين.

 

لكن الأهم من كل ذلك أن الجيش السوري استهدف ودمّر بلا هوادة كل المحاولات الوليدة التي بذلتها المعارضة السياسية المعتدلة، (أي المجموعات التي تسعى إلى قلب نظام الحكم مع الحفاظ على تماسك الدولة- الأمة، سواء كديمقراطية علمانية أو كدولة يلعب فيها الإسلام دوراً أكبر في السياسة العامة)، لإقامة بديلها الخاص القابل للحياة الذي يجب أن يحلّ مكان توفير النظام للوظائف الأساسية للدولة.

 

وهذا ماخلق مايبدو أنه المعادلة الثنائية: “إما نحن (أي النظام) أو تنظيم الدولة الإسلامية”. وفي سياق هكذا توازن بين الشرّين، أصبح النظام بالنسبة إلى العديدين الخيارَ الذي يجدون أنفسهم مدفوعين إلى دعمه.

 

لكن، هل نظام الأسد ينقذ ويصون حقاً الدولة السورية؟ إن نظرة عن كثب إلى سلوكيات النظام (وممارساته المتعلّقة بتدمير المؤسسات حين يخسر السيطرة على منطقة، كما حدث في إدلب شمال غرب سورية في نيسان/إبريل)، تشي بأن دعم النظام للدولة يقتصر على هدفه المصلحي الخاص بالتمسّك بالشرعية والسلطة اللتين يحتاج إليهما بشدة.

 

طالما استمر اعتبار النظام حامي الدولة السورية، سيبقى أي حلّ سياسي للأزمة مستحيلاً. وفي سبيل كسر جدار هذا الطريق المسدود (وتطبيق استراتيجية فعّالة لقطع دابر تنظيم الدولة الإسلامية)، يتعيّن على القوى الدولية التي تخشى انهيار الدولة السورية أن تضع حداً لاحتكار النظام السوري للمؤسسات العامة، وأن تسمح للمعارضة المعتدلة بالاستيلاء على وظائف الدولة في بعض المناطق التي تسيطر عليها. مثل هذه الخطوة، من جانب كلٍّ من القوى الداعمة للنظام وخصومه، ستُحسِّن فرص التعاون بين العناصر السياسية والمسلّحة في المعارضة، وتُضعِف النظام إلى درجة إجباره على الدخول في تسويات خلال مفاوضات السلام. كما أنها ستمنع تنظيم الدولة الإسلامية من ملء فراغ القوة في كل أنحاء البلاد.

حالة صراع بقاء

 

الدولة السورية والنظام السوري هما كيانان متميّزان عن بعضهما البعض، لكنهما دائمَي التفاعل. وحين استولى الرئيس السابق حافظ الأسد على السلطة في انقلاب عسكري العام 1970، كانت مؤسسات الدولة مترسّخة ولديها بيروقراطية وبنى تحتية قادرة على خدمة كل البلاد. وخلال العقود الثلاثة من حكمه، تغلغَلَ النظام بكثافة في أجهزة الدولة، خاصة مراتبها العليا، من خلال شبكات من المحسوبيات والقرابات العائلية والفساد وأعاد وسم مؤسسات الدولة برموز عائلة الأسد، فعلّق صور الرئيس في المكاتب الحكومية وأقام تماثيله ونُصبه في مواقع المُلكية العامة.

 

والحال أنه طيلة 40 عاماً في ظلّ حكم حزب البعث، أزال الرئيسان حافظ الأسد وابنه بشار الحدود بين النظام (وهو كناية عن توليفة من شبكات عائلية غير رسمية، وفئوية، ودينية وشبكات أخرى، عاملة جميعها داخل الإطار المؤسسي للدولة وخارجه)، وبين الدولة السورية (وهي الجهاز الذي يُدير البلاد ويوفّر الخدمات).

 

كانت خدمات الحكومة بالغة الأهمية لشطر وافر من الحياة السورية. فالمكاتب الإدارية كانت الهياكل الوحيدة التي يمكنها إصدار الوثائق الضرورية والسماح للسوريين بتسجيل المواليد الجدد ومُلكية العقارات الجديدة في القيود الرسمية، والحصول على التعويضات. كما كانت الجامعات والمدارس والمشافي التابعة إلى الدولة تقوم بوظائف لاغنى عنها لمعظم المواطنين. وغداة التضخّم الهائل للقطاع العام خلال حقبة السبعينيات، أصبحت الدولة المُوظِّف الأول. وتشير التقديرات إلى وجود 1.4 مليون شخص على لائحة الرواتب الحكومية في العام 2010. 2

 

عمد النظام إلى تكثيف جهوده لدمج نفسه أكثر في مؤسسات الدولة هذه حين بدأت الانتفاضة في أوائل 2011، بعد أن أحسّ أن وجوده بات في خطر. وهكذا ربط الرئيس بشار الأسد في خطبه وبياناته بين مصير النظام والبلاد ككلّ، وكرّر على نحو منتظم أن رحيله عن السلطة سيقود إلى انهيار سورية. أما استمراريته عبر النزاع فستسمح للدولة ومؤسساتها بالنجاة والبقاء، على الرغم من خسارة النظام الأراضي لصالح المعارضة. وكما قال الأسد في مقابلة مع “بي. بي. سي.” في شباط/فبراير: “الأمر لايتعلّق ببقائي، بل ببقاء سورية”.3

 

فاخر النظام بجهوده للحفاظ على استمرار عمل مؤسسات الدولة على الرغم من الحرب، وشدّد مراراً على أن النظام هو الدولة. وعلى سبيل المثال، في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، أشاد وزير التعليم العالي بإنجازات النظام الجامعي الرسمي الذي استقبل 650 ألف طالب وخرَّج أكثر من 50 ألف طالب كل سنة، على الرغم من تواصل النزاع.4 وبعد ذلك بشهرين، وفيما كانت مدينة حمص في الغرب تعاني من نقص حادّ في الغاز، مجَّد النظام المدينة لجهودها في ضمان استمرار عمل المشافي التابعة للدولة، والمخابز، ومعامل معالجة المياه ومنشآت أخرى.5

 

كيف عزّز النظام أصوله؟

منذ نشوب الحرب، عمد النظام إلى مركزة العديد من وظائفه الإدارية، فوزّع الخدمات الأساسية على مدن المحافظات السورية،6 حيث تنتشر القوات التابعة له، بدلاً من مواقع في الريف، كما فعل قبيل الانتفاضة. وهذا ماشجّع جمهرة واسعة من النازحين المدنيين على الانتقال إلى هذه المناطق (ماعزّز السردية العامة للنظام بأن مهمته العليا ليست حماية نفسه بل صون الدولة). كما أبقى النظام أيضاً السكان في الأراضي الخاضعة إلى المعارضة معتمدين عليه في مراكز الخدمات إذا ما أرادوا الحصول عليها.

 

تقوم قوات الأمن المرتبطة بالنظام بحماية مؤسسات الدولة بدقة. وتقع كل المكاتب الإدارية إلى جانب حواجز أجهزة المخابرات الرسمية. علاوة على ذلك، توجد البيروقراطية الحكومية ومباني الإدارات الرسمية (بما في ذلك مكاتب الإدارات الجامعية، والمستشفيات، والمحاكم، والهيئات المُصدِرة للوثائق الشخصية) على مقربة من أجهزة مخابرات النظام، التي تشمل الاستخبارات العسكرية، وأمن الدولة، واستخبارات سلاح الجو، والأمن السياسي. والسوريون الذين يقصدون هذه المقار يجب أن يخضعوا إلى تدقيق العين الساهرة لعناصر الأمن التابعة للنظام.

 

جرى على نحو متصل عسكرة المدن السورية التي تقع فيها المكاتب الإدارية، من خلال نشر فرق الجيش وإقامة القواعد العسكرية. المثل الساطع على ذلك هو مركز درعا في جنوب سورية الخاضع إلى النظام، حيث تم في 2012 تحويل ستاد رياضي إلى قاعدة عسكرية تنطلق منها الحوامات لشنّ الهجمات. وبالمثل، جرى على عجل تحويل مخيّم في إدلب استخدمته منظمة بعثية شبايبة (تُدعى رسمياً “طلائع البعث”) إلى قاعدة عسكرية.

 

إضافة إلى القوات العسكرية النظامية، نُشِرَت على نطاق واسع ميليشيات تم تجنيدها محلياً.7 كما سلّح النظام بشكل مباشر سكاناً محليين ونظّمهم في لجان شعبية محلية. وفي حين أن حافز العديدين يتمثّل في الرغبة بالدفاع عن أحيائهم أكثر من ربط أنفسهم إديولوجياً أو سياسياً بالنظام، إلا أنهم يساهمون لامحالة في الجهود الأمنية للنظام.

 

في الوقت نفسه، أبقى النظام عملياً على ارتباط المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة بمؤسسات الدولة. وعلى سبيل المثال، يتعيّن على الأشخاص الذين يقطنون ضواحي درعا أن يتوجّهوا إلى مقرات مكاتب النظام في مركز المدينة للحصول على الأوراق الرسمية ومرتّبات الدولة.

 

كل هذا خلق اقتصاداً جزئياً غير رسمي، حيث ينقل أشخاص مرتّبات ووثائق من النظام إلى مناطق تسيطر عليها المعارضة، في مقابل رشى وافرة. فكلٌّ من الوسيط وموظف الحكومة الذي يقوم على هذه الخدمات يتقاضيان عمولة، بما يخرق سياسة الدولة القاضية بضرورة حضور المستلم. وهذا مايوفّر لهذين الطرفين ولمجتمعاتهما الصغيرة دخلاً إضافياً ودرجة من البحوحة النسبية.8

لقد قرر العديد من المدنيين هجر منازلهم والانتقال إلى ملاذات آمنة تقع تحت سلطة النظام. وحتى أعداء الأسد لهم أفراد من عوائلهم الذين فرّوا من لجج النزاع إلى مناطق تابعة للنظام، لهدف مزدوج: الحصول على كلٍّ من الأمن والخدمات التي تجعل من مناطق النظام أكثر رعاية للحياة من مناطق أخرى.9

 

والواقع أن التمركز العالي للمدنيين في المناطق الخاضعة إلى الأسد، يصبّ كذلك في خانة النظام، لأنه يُثبِط همم المعارضة في شن الهجمات عليه. وهذا تجسّد في العام 2014 في قيام المعارضة بقصف حي المحطة في درعا.10 يقع هذا الحي تحت سيطرة النظام، لكن العشرات من الذين قُتِلوا في الهجوم كانوا لجأوا سابقاً إلى هذا الحي، ماعنى أن الهجوم أدّى عملياً إلى زيادة الدعم الشعبي للنظام في أوساط الداعمين الخُلَّص للمعارضة. وهذا خلق توتراً بين مجموعات داخل المعارضة المحلية، وجعلها (وفقاً لناشط معارض) تمتنع عن شنّ مزيد من الهجمات على مناطق في درعا يسيطر عليها النظام.11

 

إن اعتماد السوريين على الدولة يتجاوز حدود البلاد. فإلى حين غيّر النظام سياسته في أيار/مايو 2015، كان حاملو جوازات السفر السورية في لبنان المجاور وتركيا، وحتى في أقطار بعيدة في أوروبا أو الولايات المتحدة، مُجبَرون على الاستعانة بشبكة داخل مدن يسيطر عليها النظام من أجل الحصول على وثائق رسمية. البعض كان يدفع 2000 دولار لتجديد جواز سفره كي يستطيع السفر.12  وهذه ليست رسوم إدارية رسمية أُعلِن عنها حديثاً، بل رشوة يتقاسمها موظفو الدولة المخوّلون إصدار جوازات السفر الرسمية.

 

لابل يمكن القول إن النظام يفرض دعماً على العديد من السوريين إجبارياً له، من خلال الإمساك بالدولة السورية كرهينة.

 

لكن، وبعد توسّع النزاع مع الوقت، فإن المسكة الخانقة للنظام على عنق الدولة ستستهلك قدرته المؤسسية على خدمة الجمهور. فبدلاً من بذل الضغط على النظام للتوصل إلى تسويات، تُفاقِم الحرب من نزعة الفساد والزبائنية في مؤسسات الحكومة، مايدفع النظام إلى زيادة تغلغله في جهاز الإدارة المدنية وإحكام قبضته على الدولة السورية. وعلى سبيل المثال، يخلق بيع الوثائق الرسمية حوافز لدى الموظفين الرسميين للبقاء على ولائهم للدولة (بهدف مواصلة اقتناص الرشى)، ويشجّعهم على إصدار الوثائق بطريقة انتقائية (أي فقط لأولئك القادرين على الدفع).

 

لقد قلّص النزاع ميزانيات الحكومة وأجبرها على إدخال تخفيضات حادة على دعم السلع الاستراتيجية، الخبز ووقود الديزل. وهذا يعني أنه في المستقبل المنظور، حتى في مناطق يسيطر عليها النظام، ستكون هذه السلع صعبة المنال، وأكثر كلفة، ولايستطيع الحصول عليها سوى أولئك المستعدّين لرشوة موظفي النظام في المكاتب المنوط بها توزيعها.13  إن ملايين العائلات العادية لاتزال تعتمد على إجراءات الدعم هذه، التي تُعتبَر حجر الزاوية في العقد الاجتماعي بين السوريين وبين الدولة، وهي (العائلات) باتت منخرطة في المنطق الفاسد للنظام.

 

إن استخدام النظام للدولة كسلاح، له تأثير مُدمِّر أكثر على الدولة نفسها. ففي وادي بردى، في ضواحي دمشق، تُواصِل الحكومة دفع رواتب المعلمين، وتوفّر المواد التعليمية للمجتمعات المحلية، حتى بعد أن سقطت المنطقة في أيدي المتمردين. بيد أن النظام طبَّق وظائف الدولة هذه بطريقة استنسابية، فطَرَدَ من العمل المعلمين النشطين في صفوف المعارضة، واعتقل أي طالب عمل مع المعارضة حين كان يغادر وادي بردى لتقديم امتحانات الشهادة الثانوية. وبالتالي، استخدام الدولة كسلاح على هذا النحو، يحرم الدولة من الموظفين الأكفاء، مايُلحِق ضرراً فادحاً بالفعالية على المدى الطويل.14

 

حالة دير الزور

إضافةً إلى نقل أجهزة الدولة من الأرياف إلى المناطق الحضرية، نقل النظام أيضاً مؤسسات الدولة السورية داخل المدن إلى الأحياء التي لاتزال تحت سيطرته بالكامل. في دير الزور، وهي مدينة تقع في شرق سورية وتقطنها عشائر عربية معارضة للأسد تاريخيّاً، نجح النظام في تعبئة السكّان للدفاع عن الجزء الواقع تحت سيطرته في المدينة – حيث انتقلت مؤسسات الدولة ويجري اليوم توفير الخدمات.

 

قبل الانتفاضة، كان حي دوار التموين المركزي يضمّ معظم مؤسسات الدولة، وكانت الطبقة الوسطى تقيم بشكلٍ أساسي في حي الحويقة. وبين حزيران/يونيو 2012 ومطلع العام 2013، حين وقع هذان الحيّان تحت سيطرة المتمرّدين، نقل النظام المكاتب الإدارية إلى حي الجورة الذي تقطنه الطبقة الوسطى والطبقة الوسطى الدنيا. وتغيّرت التركيبة السكانية (الديموغرافيا) أيضاً مع تدفّق العديد من سكّان الحويقة السابقين وسكّان الأحياء الغنية في المدن المجاورة إلى هذه المنطقة.

 

في إحدى المرّات، كادت المعركة من أجل السيطرة على دير الزور أن تدفع قوات النظام إلى خارج المدينة بالكامل. وفي خطوة رأى أحد الضباط في الجيش السوري أنها مؤشر على مدى أهمية الحفاظ على حضور إداري في شرق سورية بالنسبة إلى النظام السوري، أرسل الأسد في حزيران/يونيو 2012 قوات الحرس الجمهوري النخبوية التي يقع مقرّها في دمشق، للمساعدة في الدفاع عن المواقع الخاضعة إلى سيطرة النظام في دير الزور – في حين ظنّ العديد من المراقبين أن النظام مستعدٌّ للتخلّي عن المنطقة بالكامل.15

 

بعد اشتباكات عنيفة مع المعارضة في أواخر العام 2012، أنشأ النظام أجهزة كاملة في الأحياء لتوفير الخدمات للمدينة برمّتها، وحافظ على أمنها من خلال فروعه الأمنية والمجمّعات العسكرية الكبرى. وبحلول نهاية العام 2013، ومع تأمين حماية الجورة، تعزّز وضع قوات الأسد مجدّداً.

 

لم يردع التقدّم الذي حقّقه تنظيم مايُسمّى الدولة الإسلامية في دير الزور والمناطق الريفية المحيطة بها في كانون الأول/ديسمبر 2014 النظامَ عن الدفاع بقوة عن هذه المناطق. يشكّل حي الجورة الذي يتمتّع بحماية كبيرة مركزَ مقاومة تنظيم الدولة الإسلامية بالنسبة إلى النظام، ويوفّر هذا الحي الخدمات إلى المواطنين على الرغم من المعارك الجارية. وقد توافد مئات آلاف الأشخاص إلى هذه المناطق من أرجاء أخرى من المدينة ومن الأرياف، وكذلك من الرقة الخاضعة إلى سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في شمال البلاد.16  اقتصرت استراتيجية مكافحة التمرد التي يتّبعها النظام على تنظيم وتدريب عشائر عربية سنّية في دير الزور للدفاع عن الجورة ومنع تنظيم الدولة الإسلامية من التقدّم من الأرياف باتجاه هذا الحي.17

 

من خلال تعبئة السكان المحليين لصالح الدولة، حمى النظام مركزه الاستراتيجي من الهجمات، وأشاد بالجهود التي بذلها السكّان للدفاع عن المدينة. فقد زار وزير العدل السوري، الذي يتحدّر من دير الزور، المدينة في تموز/يوليو 2014، وأشاد بالجهود التي بذلها أبناء دير الزور لحماية المصلحة الوطنية.18

 

إضافةً إلى ذلك، حضر شيوخ عشائر كبرى في المنطقة، وشخصيات بارزة منها مثل المفتي المحلّي ورئيس الجامعة ورئيس الفرع المحلّي للهلال الأحمر في دير الزور، مؤتمراً عُقِد في دمشق في آب/أغسطس 2014 لإدانة تنظيم الدولة الإسلامية والإعلان عن التزامهم بمحاربته.19  وبغضّ النظر عمّا إذا كان هؤلاء الوجهاء شخصيّاً مؤيّدين أو مُعادين للنظام، فمن مصلحتهم إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية ودعم المدينة وخدمات الدولة التي يعتمدون عليها. وهم يرون أن هذا هو البديل الوحيد عن تنظيم الدولة الإسلامية – الذي يعرف الناس جيّداً ممارساته الوحشية الفظيعة لقمع السكّان الخاضعين إلى سيطرته، ويخشونها على نطاق واسع، حتى أولئك الذين يشاركون في الحرب منذ أربع سنوات.

 

يتبع غدا الجزء الثاني

 

 

  • Social Links:

Leave a Reply