تيارات اليسار السوري والعربي هي أكثر التيارات السياسية تأزّمًا ..

تيارات اليسار السوري والعربي هي أكثر التيارات السياسية تأزّمًا ..

منصور الأتاسي

25 أيلول / سبتمبر، 2016 التصنيف حوارات جيرون- حافظ قرقوط

أكّد منصور الأتاسي ، الأمين العام لـ “حزب اليسار الديموقراطي السوري”، أن “كل” التيارات السياسية في سورية والمنطقة العربية مأزومة، وشدد على أن أكثرها تأزّمًا هو اليسار، وقال: إن المنطقة العربية “كلها” تعيش أزمة سياسية وبنيوية عميقة، وهذا يفسر سهولة اختراقها ودفعها إلى الحروب .

وعن تردّي الخطاب اليساري العربي تجاه ما يجري في سورية، قال الأتاسي في تصريح لـ (جيرون): “يُعاني اليسار من أزمة مضاعفة، ارتبطت أولًا بأزمة اليسار السوفياتي التي أدت إلى انهياره، وإلى ابتعاد الحزب الشيوعي السوري عن جماهيره، نتيجة خضوعه لسياسة البعث، وتخليه عن استقلاليته، ويُضاف إليه الانقسامات المتتالية التي جرت داخلة، وداخل كل فصيل من فصائله المنقسمة، نتيجة تخلّيهم عن دورهم الوظيفي في الحياة السياسية والاجتماعية، وإلى سيطرة وهيمنة دور الأمين العام، الرافض لكل رأي آخر في كل الفصائل المنشطرة عن الحزب، منعته هذه السيطرة من أي إمكانية لفتح حوار فكري وسياسي، يؤدي إلى تعديل سياسته وفكره، وتقييم التجربة التاريخية الفاشلة مع النظام، وتحليل أسباب انهيار التجربة الاشتراكية المحققة، كل ذلك تجاهلته قيادة الحزب؛ ففقدت دورها وقاعدتها، ودفعها إلى الالتصاق بنظام قاتل مجرم، وتتحمل هي النتائج .

_ ابتعاد اليسار عن الجماهير 

ورأى الأتاسي أن الديكتاتورية “جزء مكوّن لتركيبة اليسار العربي والعالمي التابع للسوفيات، وهي نتيجة مرحلة سياسية تاريخية، عاشتها الحركات السياسية العربية، في مرحلة انتقالها من نظام إقطاعي إلى نظام أرقى، وتم إضعاف الإقطاع، كتشكيلة اقتصادية، وبقيت (عقلية الإقطاع السياسي) التي أنتجت زعماء للأحزاب والأوطان، وعندما نضجت الظروف الموضوعية للتغير، تحولت الى أنظمة قاتلة في صراعها للبقاء، فدّمرت الأوطان والأحزاب”.

وعن موقع اليسار وقواعده من كل ذلك، قال المعارض السوري: “كمجموعة كوادر وسطيه، وأعضاء لجان مركزية، أو منطقية، داخل كل الفصائل المتفرعة عن الحزب الشيوعي السوري، رفضوا سياسة الحزب وبدأوا بالنضوج منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وكانت مهمتهم الحفاظ على الحزب والفكر ثم تجديده، فتم تشكيل (هيئة الشيوعيين السوريين)، التي بادرت لدعوة اليسار المعارض، وتم التحالف تحت اسم (تجمع اليسار الديمقراطي السوري)، الذي ضم كافة الأحزاب والتجمعات التي تتبنى الماركسية، وتؤمن بالديمقراطية”، وأضاف “بعد انسحاب إعلان دمشق من الحوار الوطني، تابعنا مع هيئة التنسيق ثم انسحبنا منها؛ بسبب الموقف من حزب صالح مسلم، ومن التصريحات التي كانت تتناقض مع قرارات المكتب التنفيذي، الذي كان يدلي فيها هيثم مناع، والذي يتجاهل فيها الهيئات، وحاولنا تأسيس تجمع ديمقراطي ولم نفلح، ويشير إلى أن الهيئة قدّمت 52 شهيدًا، وتم اعتقال العشرات من كوادرها، أما (حزب اليسار الديموقراطي السوري)، فقد تم اعتماد الاسم في المؤتمر الذي عُقد في نهاية 2014، وهو موجود في قيادة عدد من المجالس المحلية والمجموعات العسكرية، ويرى أن عدم وضوح ذلك يعود للتعتيم على ما يقوم به اليسار بشكل عام، عادًّا وجودهم أحد الضمانات الرئيسة لعودة الأفكار الديمقراطية إلى الشارع السوري”.

_ الإسلام السياسي ومستقبل سورية

بالمقابل قال الأتاسي، في ردّه عن رؤيته للإسلام السياسي، ومستقبله بالحركة السياسية السورية، موضحًا: “لا يوجد إسلام سياسي متماسك وموحّد، وهو من أكثر التنظيمات انقسامًا واقتتالًا، وهذه التيارات فشلت في قبول الشعب لها، وفي تحقيق برامجها المتعددة والمتناقضة، بدأنا نلاحظ مؤشرات أزمتها في الاقتتال الجاري بين الفصائل، وداخل الفصائل ذاتها، كما أن كل منطقه سيطرت عليها إحدى فصائل الإسلام السياسي، تمّرد السكان كما جرى في المظاهرات ضد (جبهة النصرة) في معرة النعمان، وفي العديد من قرى إدلب وحلب، وكما جرى من تمرّد كثير من المناطق بوجه (داعش)، هذا الشكل من الإسلام السياسي هُزم، المشكلة هنا في عدم وجود البديل السياسي من القوى الديمقراطية تحل محله”.

وفيما إن كان هناك من يستغل الدين لغايات سياسية، أوضح: “الإسلام في سورية مُعتدل ووسطي، وللإسلاميين تاريخ مهم ومحترم في صراعهم ضد الاستعمار، وأيضًا من أجل الحرية، وقد ساهموا في الانتقال إلى المرحلة الديمقراطية اليتيمة في منتصف الخمسينيات، وفي هذا السياق يرى أن هنالك دورًا ما ينتظر أمثال هؤلاء الذين نلاحظ إرهاصاتهم في ثورتنا، من الدكتور محمد حبش إلى الأستاذ رياض ضرار، إلى العشرات غيرهم، وهم جزء من المستقبل السياسي لدولتنا الوطنية الديمقراطية”، وفي السياق أضاف: “كذلك يكنّ الشعب السوري كل الاحترام لمن دفع دمه ثمنًا لموقفه، من الأب باولو إلى الأب فرنسيس، وكلنا أيضًا نحترم الشيخ الطفيلي الأمين العام السابق لحزب الله في لبنان، الذي وقف ضد سياسة حسن نصر الله وتدخله في سورية وتبعيته لولاية الفقيه”.

_ دلالًا دوليًا للأسد

من جانب آخر رأى الأتاسي أن النظام السوري “قد لاقى دلالًا دوليًا، على الرغم مما ارتكبه، ذلك يعود إلى كون الربيع الديمقراطي، أخاف كثيرًا من الدول، فاتحدوا ضده، وحاولوا بالمال تحويله من ربيع ديمقراطي، إلى ربيع إسلامي، ولضعف الحركة الوطنية؛ لأسباب ذاتية وموضوعية، استطاع الإسلاميون أن يُهيمنوا على النشاط، ودفعوا الأمور إلى صراع سيؤدي إلى تدمير الوحدة الوطنية، هذا ساعد النظام في تصوير ما يجري، أنه ثورة متطرفين قتلة، يدفعون سورية نحو الخلف لقرون، وقد نجح في ذلك، يُضاف إلى هذا أن النظام، وبسبب استعداده لدفع أي ثمن مقابل استمراره في الحكم، قد تخلى عن مهماته، فأصبحت سورية ومصيرها في يد الصراعات والتوافقات الدولية والإقليمية، التي توافقت على بقاء الأسد ونظامه، على الرغم من كل الجرائم التي يرتكبها”.

وعن الحل الأفضل والأسلم في سورية، تابع: “إنه سياسي، وهذا يعني إشراك الجميع في الانتقال إلى سورية الحرة الديمقراطية، لكن هذا الحل له شروطه، منها توازن القوى العسكرية، واحترام الدول الكبرى للقرارات الدولية، وأيضًا وجود معارضة سياسية وعسكرية موحدة ببرنامج وطني ديمقراطي، ولكن لا يوجد أي أفق للحل؛ لأن أميركا تمنع أي سلاح فعّال للثورة، مقابل مشاركة روسيا وإيران وميليشياتها الإرهابية كحزب الله والميليشيا العراقية وغيرها، والحل ضمن هذه الظروف سيكون قاتلًا للسوريين وسيفتت سورية، ولا شك في أن الهيئة العليا للمفاوضات ضمن هذه المعطيات، تُقدّم مواقف جيدة، باعتمادها وثيقة جنيف 1 وما نتج عنها”.

_ بوادر التقسيم

في هذا السياق، شدد الأتاسي على وجود خطر حقيقي من تقسيم سورية، وقال: “هذا التقسيم قد تختلف أشكاله، فيوجد مناطق نفوذ دولية لروسيا في الشمال، وأميركا في الجنوب، وتركيا لها قسم، وإيران وحزب الله فيما يسمى سورية المفيدة، أما الشكل النهائي لوضع سورية، فسيحدده الخلاف، أو التوافق الأميركي – الروسي حصرًا، بسبب تمزّق الحركة الوطنية السورية وتناحرها”.

وحول رؤيته لما تقوم به إيران داخل سورية، عدّ “التشنج الطائفي والمذهبي المدعوم إيرانيًا، والهادف إلى تهجير السكان ضمن أراضي ما يسمى بسورية المفيدة، والمغطّى بصمت دولي مريب، أخطر ما يواجه الشعب السوري حاليًا، وإحباطه يتطلب استلام زمام المبادرة، ومتابعة حملة وقف التهجير القسري، وربطها بفك الحصار ووقف قصف المدن، والتأكيد على الإطار التنفيذي للبيان المشترك الصادر عن الائتلاف، وعدد واسع من الكتائب المسلحة”.

وعن سبل الخروج من المشهد المظلم، قال: “في العمل المشترك لإعادة صياغة الخطاب الوطني الجامع، واعتماد النشاط السياسي في الداخل، كأساس للعمل الوطني، ورفع شعار إبعاد كل الغرباء عن سورية، ورفض التبعية، وإيجاد مؤسسة إعلامية موحّدة قادرة على التحرك، وربط محاربة التطرف بإسقاط النظام، والتخلص من الإملاءات السياسية، وهذا كلّه يتطلب عقد مؤتمر وطني، يقرر السياسات المنسجمة مع هذا التوجه والأشكال التنفيذية لها، وينتخب قيادة قادرة على إدارة الصراع”.

أما بشأن القضية الكردية، فقال “إنها ككل القضايا الوطنية، ومردها إلى أن الاستبداد أنتج العديد من المشاكل الكبيرة، التي يجب حلّها، لكن الخلاف ينتج عن شكل الحل، وطريقة استخدام هذه القضايا المحقّة وتوظيفها من قبل دول أخرى، تهدف إلى استخدام أجزاء متطرفة من الأكراد والعرب، لصالح أجنداتها الخارجية، فحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي هو جزء من الأكراد وليس كلهم، ولو توفّرت الظروف الموضوعية، لكان هو الجزء الأقل تأثيرًا في الوسط الكردي، هو يريد أن ينقل التجربة العراقية، دون أن يكون هناك أرض تجمع الأكراد، وهذا خطأه وخطره على الأكراد أولًا، حيث يمنع و يضطهد أي تيار فكري أو سياسي داخل منطقته، وحل المشكلة الكردية يكمن بالانتقال إلى المجتمع الديمقراطي، وضمن شعار الحقوق المشروعة للشعب الكردي في إطار وحدة سوريا أرضًا و شعبًا”.

ورأى أيضًا أن ما يجري في صفوف المعارضة، هو “نتاج طبيعي للاستبداد المسيطر منذ 8 آذار/ مارس 1963، عندما فُرضت الأحكام العرفية وحالة الطوارئ واعتُقل القانون والدستور، كما أنه طبع بعض المعارضة بطابعه، فكلنا يذكر انقسام إعلان دمشق عندما لم يستطع تيار أن يتعامل مع تيار آخر، فأبعد رموزه، وكلنا يذكر انسحاب إعلان دمشق من المفاوضات التي كانت جارية في بداية الثورة، ما أدى إلى انقسام المعارضة إلى هيئة تنسيق ومجلس وطني، وأيضًا محاولة الأخوان المسلمين الهيمنة على المجلس الوطني؛ ما أدى إلى تبعثره، وإعادة تشكيله باسم الائتلاف الوطني، الذي لم يستطع تجاوز الاختلافات والهيمنة التي كانت موجودة أصلًا”.

وأضاف: “هذه العوامل قد أضعفت الحركة الوطنية؛ ما أدى إلى ابتعاد الجماهير المنتفضة عنها، وساهم في انتشار الشعارات الطائفية والقومية وغيرها، وساعد في عسكرة الثورة بالطريقة التي نراها، فالقوى الوطنية لم تستطع أن تتجاوز خلافاتها، أو أن تعترف بالآخر وتنتبه إلى المخاطر التي تعصف بالثورة، فانعزلت وابتعدت عن التأثير، كما تضافرت الإرادة الدولية المعادية للتطور الديمقراطي، ما أدّى إلى انفراد النظام بالشعب السوري قتلًا وتدميرًا وتفكيكًا”.

_ الطبيعة الفاشية للنظام الروسي

وعن التدخل الروسي، أكّد الأتاسي أن الروس والنظام “هما مغول العصر، وما يجري هو عدوان مباشر على الشعب، إذ يرون أن كل معارض هو إرهابي يجب قتله، لقد كان الاتحاد السوفياتي، وعلى الرغم من كل ملاحظاتنا حوله، صديقًا للشعوب، بينما الرأسمالية الروسية الجديدة، تريد أن تعود للحياة الدولية، ولكن بشكلها المتخلّف والاستبدادي القديم، إذ أنها تاريخيًا في مؤخّرة الرأسماليات الأوروبية، وأكثرها استبدادًا وتعثرًا، وما تزال، وهي تستفيد من عدة عوامل تمكّنها من العودة إلى دورها السابق، أولها ضعف وتراجع الموقف الأميركي، والأزمة التي تجتاح أوروبا، ووجود أنظمه عربية عاجزة، مع الدور غير الوطني للنظام، هذه العوامل ساهمت في ظهور دولة كبرى ترغب باقتسام العالم مع أميركا، وتستند في سياساتها إلى دعم المتطرفين في العالم، كنظام ولاية الفقيه في إيران، والانقلاب في مصر، والحكم الحالي في العراق، وكثير من الأمثلة، وإن الاعتماد على هذه الأنظمة، يُظهر طبيعة النظام الروسي الفاشية، وأعتقد أنه إذا بقي التراخي الدولي على ما هو عليه، فإن فاشية جديدة ستظهر وستدفع العالم نحو المجهول، هذه طبيعة النظام الرأسمالي العالمي المأزوم، والذي أدخل العالم في حربين عالميتين سابقتين”.

وشدّد -أخيرًا- على أن أفكار الثورة، قائلًا: “قد تتعثر”، ولكنها “لن تموت بل تنهض من جديد، وما نلاحظه من تجمع للعسكريين، ومن بيانات مشتركة بين المدنيين والعسكريين، كلّها مؤشرات مهمة لعودة نهوض الثورة إذا تمت رعاية هذه التطورات”.

  • Social Links:

Leave a Reply