سوريا بين الحرب ومخاض السلام (1/2) ..

سوريا بين الحرب ومخاض السلام (1/2) ..

مشروع بناء الدولة السورية على أسس المواطنة 

جمال قارصلي نائب ألماني سابق , من أصل سوري  

طلال جاسم : باحث وسياسي سوري

قمنا بهذه الدراسة إنطلاقا من واقع أليم آلت إليه الأوضاع في سوريا, وإدراكا منا بأن الأمور خرجت من يد السوريين معارضة وحكما وشعبا, وباتت حتى الإتفاقات الصغيرة يديرها الكبار, بل أصبحت الدول الإقليمية الكبرى لا تؤثر إلا في الحدود الدنيا, حيث أن دولا كبرى ودائمة العضوية في مجلس الأمن باتت مغيبة عن إتفاقات القطبين الكبيرين روسيا وأمريكا,  أصبحت الأزمة السورية  القضية الكبرى في العالم وآثارها الكارثية هزت منطقة الشرق الاوسط وأوربا, بل وهزت بعمق منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها, وأن تصفية الحسابات الدولية والإقليمية على الارض السورية جعل السوريين البسطاء هم من يدفع الثمن الباهظ بشريا وإقتصاديا وإنسانيا .

مصيرنا الآن أصبح بيد الآخرين ويمكننا ان نجعله بأيدينا, ومطلوب منا جميعا أن نضحي مرة أخرى ونتسامح, وربما أكثر مما ضحينا به سابقا, وعلينا الإبتعاد عن مطامعنا الشخصية ورؤانا الضيقة وأن نتجاوز كل الأنانيات والأحقاد والثارات وأن نضع مصلحة الوطن فوق كل الإعتبارات, بالرغم من أننا نعلم ما هو حجم الآلام وعمق الجراح والثمن الباهظ الذي دفعه الوطن والمواطن من أجل الحرية والكرامة. علينا أن نعمل جميعا على إنهاء عملية القتل والإقتتال بين السوريين والبدء بخطوات زرع الثقة بين الأطراف المتصارعه ونحن نعلم بأنه أمامنا مخاض طويل وعسير وسنواجه مخاطر كثيرة ومعقدة, ولكننا واثقون بأننا سنصل إلى ما نصبوا إليه عندما تتظافر جهودنا وتتوحد أهدافنا. ويمكننا معا تجاوز الصعوبات والعثرات التي ستواجهنا في عملنا من أجل إنقاذ وطننا وإنتشاله من حالة الحرب الساعرة فيه وإيصاله إلى حالة السلام والإستقرار. وكما أنه من غير الممكن أن تذهب كل التضحيات الجسام سدا, فانه من غيرالممكن أن نستمر بتدمير بقايا الوطن الذي ضحينا بكل غال ونفيس لإنقاذة. لنبدأ بما يمكننا الإتفاق علية لنتمكن من كسر حالة الجمود الإستراتيجي القائم, وعلينا أن نأخذ التوازنات الدولية والإقليمية بعين الإعتبار, وأن نكف عن تحميل الأخرين مسؤولية ما يحصل في بلدنا, وأن نكون بقدر مسؤوليتنا ونعترف بأن الطغاه والكثيرين من القتلة هم من إنتاج مجتمعنا, وأنه تقع علينا نحن كسوريين مهام وإلتزامات يجب أن نقوم بها قبل مطالبة الآخرين بمساعدتنا, حيث بات واضحا بأن العالم لم يعد ينظر إلينا كضحايا بقدر ما ينظر الينا كمصدر للقلق .

قمنا بأعداد هذه الدراسة التي هي بين يديكم, والتي ساهم في إنجازها سوريين من كافة مكونات المجتمع السوري. هدفنا هو المساهمة في البحث عن حل قد يخرج وطننا من مأساته الأليمة ويساعد في أيقاف نزيف الدم, ويكون إنطلاقة للبدء في بناء السلام والإستقرار في سوريا, ومن ثم البدء في بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة والمواطنة الكاملة .

بعد إطلاعنا على أشكال ونماذج عديدة للحكم في دول العالم مثل فرنسا التي تعتمد اللامركزية الإدارية الموسعة والتي طورتها لتصبح أكثر صلاحية للأقاليم من الفيدرالية, ودرسنا بشكل مفصل التجربة الألمانية ونظامها الفدرالي وكذلك التجربة السويسرية الفريدة, وتجربة الولايات المتحدة الأمريكية, إضافة الى تجارب العراق ولبنان والبوسنة والسودان وأفغانستان والصومال ومخاضاتها السياسية والقانونية والدستورية والإنتكاسات الأمنية التي مرت بها هذه الدول, وتجربة نيجيريا في زيادة عدد أقاليمها وتوسيع صلاحيات تلك الأقاليم, وكذلك تجربة الباكستان في التمثيل بالتعيين (المقاعد المحجوزة مسبقا) المقتبسة من نظام الكوتة البريطاني, ودرسنا تجربة الإمارات العربية المتحدة في إتحاد غير متماثل من حيث القوانين أو حتى المرجعيه الدستورية, وكثير من الدول المتقدمة التي لديها تجارب في معالجة مشاكل التنوع القومي والديني, وكذلك درسنا تجربة تونس ومصر والمغرب وليبيا, وكثيرا من الدول التي مرت بتجارب مريرة لها بعض وجه الشبه مع التجربة السورية. كما أننا درسنا تطلعات ومقترحات كل المكونات السورية في دولة المستقبل .

من أجل الوصول إلى حل عادل قد تقبل به أغلبية المجتمع السوري, يجب أن نبدأ بحوار واسع بين كل مكونات المجتمع وبكل صراحة وشفافية من خلال مؤتمر وطني عام جامع لكل المكونات السورية (حكما ومعارضة) وبكل تصنيفاتها السياسية والمدنية والحقوقية والعسكرية, مسبوقا بوقف لإطلاق النار , مع إخراج كل القوى الدخيلة على الوطن , ودعم مبادرات بناء الثقة بين فئات ومكونات وأطياف المجتمع, لتكون أساسا للمصالحة والمسامحة, وإتخاذ اجراءات تعزز هذه الثقة . وبعد ذلك يتم الإتفاق على المظلوميات ووضع الأسس لمعالجتها وتقديم الضمانات من الكل وللكل, لأنه لا يمكن إقامة دولة على أساس المواطنة إلا بعد توافقات تؤسس لثقة بين السوريين مبنية على الإعتراف بحقوق الآخرين المختلفين قوميا أو دينيا أو فكريا , ويجب علينا تسوية المظلوميات وتأطيرها وإيجاد آلية لحلها وتقديم ضمانات لتنفيذها . ونرى أن تتم دراسة المظلوميات في ثلاث فترات زمنية الأولى   ( 1959 -1970) والثانية (1970-2011) والثالثة (2011- حتى اتفاق السلام) ونشير هنا إن قوة الدولة المركزية ومؤسساتها هي الضامن الأكبر لكل الحقوق والتفاهمات والإتفاقات المبرمة بين كل فئات ومكونات المجتمع من أجل بناء دولة المواطنة والعدالة والمساواة. من خلال هذه التفاهمات نستطيع أن نتجاوز الكثيرمن المخاوف والنقاشات التي تدور حول شكل الحكم في سوريا والتمثيل للمكونات وهل سيكون الحكم فيدرالي, أم لامركزي إداري, أم لامركزي سياسي, أم مركزي كما هو عليه الآن .

مقترحنا للحل مؤلف من ثلاثة مراحل (تحضيرية – إنتقالية –دائمة) , وحيث يتم توزيع مهام إدارة البلاد على ثلاثة مستويات : الحكومة المركزية وحكومات المحافظات والبلديات والبلدات . أما الدور التشريعي يقع على عاتق البرلمان بغرفتيه وبرلمانات المحافظات , ولكل مرحلة آليات حكم وآليات إنتخابات ومهام تؤسس للمرحلة التالية . هذه الدراسة تنطلق من تحليل لحالة الحكم في سوريا وآلياته ما قبل عام 2010 , ثم نطرح أفكارا للوصل إلى السلام وتثبيتة , ومن ثم مراحل بناء الدولة مرورا برؤيتنا لحل مشكلة المكونات .

إتفقنا على أن لا نتطرق بالدراسة والتحليل للوضع مابين 2011 وحتى الآن , لأن المئات من المنظمات الدولية والحقوقية والإعلامية , بالإضافة إلى الآلاف من الناشطين المدنيين والسياسيين والإعلاميين قد وثّقوا بالصوت والصورة ما جرى في هذه الفترة وبكل التفاصيل .

 

يتبع …

  • Social Links:

Leave a Reply