ليس النظام بمنأى عن الضعضعة ــ عقاب يحيى

ليس النظام بمنأى عن الضعضعة ــ عقاب يحيى

على السطح يبدو النظام منتشياً، يستعيد شيئاً من زمام المبادرة، ويسيطر على مناطق جديدة كانت تتبع للمعارضة، ويعقد هدناً ومصالحات تخدمه، ويجند آلافاً من الشباب والاحتياط، بينما تفيد بعض المعلومات أنه ما يزال يحتفظ بثقل من قواته العسكرية التي لم تتعرض للتلاشي والانهيار.

إضافة إلى حقيقة باتت بارزة تتعلق بالمتغيرات الدولية من بقائه، وتفضيله على قوى الإرهاب والمتطرفين عبر القيام ببعض عمليات التجميل والإصلاح، والتكييف، وتجاوز صلب وجوهر جنيف 1 الخاص بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة، وبما يعني تخفيض، إو إنهاء صلاحياته وتحويلها إلى تلك الهيئة، في حين بات واضحاً أن انزياحات حصلت في مضامين بيان جنيف باتجاه ما يحكى عن تشكيل ” حكومة وحدة وطنية” غائمة الصلاحيات، والإبقاء على بشار الأسد ولو بصلاحيات يمكن الاتفاق على حجمها .
هذا ظاهرياً، لكن في العمق فإن اللوحة مختلفة في جميع المجالات .

ـ الحقيقة الأولى البارزة : تقول أن النظام فقد قراره منذ وقت طويل، وأنه تحوّل عبر النفوذ الإيراني والتواجد الروسي الاحتلالي إلى مجرد أداة منفذة، وتابع.

أكثر من ذلك فالمسألة السورية خرجت فعلياً من يد الأطراف السورية : معارضة ونظاماً، وأصبحت دولية تعني مجموعة من القوي الإقليمية والعالمية، على رأسها اللاعبين الأساسيين : أمريكا وروسيا، وتوازع بقية الأدوار بين البقية كتركيا وإيران والسعودية، ونسبياً الاتحاد الأوربي، وبريطانيا .

وبالتالي فكل ما يحكى عن بقاء النظام، وإعادة تأهيله، أو استمرار رأسه للمرحلة الانتقالية، ووصولاً إلى الانتخابات الرئاسية القادمة، وإصرار الموقفين الروسي والإيراني ـ حتى الآن ـ على السماح لرأس النظام بخوضها.. هي حالة نسبية، وجزئية، ومفروضة من قبل الخارج .

ـ الحقيقة الثانية التي تشير إليها الكثير من الوقائع والمعلومات..أن هذه الوضعية، واستمرار الأزمة دون أن يتمكن النظام من حسم الأمر لصالحه، وفقدانه قراره، وجملة الخسائر الكبيرة التي مني بها، ومنسوب سيطرته الفعلية على جزء من مساحة سورية، وبقاء الثورة مستمرة بوجوه مختلفة، وعصيّة على الإنهاء..

أدّت وتؤدي إلى حدوث تفاعلات حادّة داخل بنية النظام، تتجاوز حالات الضعف، والانهيار إلى وجود تباينات وخلافات في مراكز القرار، والحلقات الرئيسة، بما في ذلك أوساط العائلة، و”مجموعة النمر” ، وفي عدد من المواقع الحيوية، والتي تعلن تخوفها من قادم التطورات، وتبدي كثير الاستياء من تصرفات ومواقف رأس النظام وعجزه عن حسم الأمر مع الثورة، وفقدانه القرار المستقل .

ناهيك على أن تطور الصراع أبرز حالات ارتزاق موصوفة تتبع للجهات النافذة التي تشرف عليها، وتمولها، او تطلق لها العنان للسرقة والتشبيح، وكافة أنواع التجاوزات دون عودة لسلطة القرار المركزي . عدا عن الصراع المتنامي بين تلك الجهات والمليشيات الوافدة التي تمتلك قرارها، وتتصرف وفق أجنداتها الخاصة .

هنا يجب ملاحظة تذمر، وخوف، وقلق الكثير من أهل النظام من الوجود الإيراني الذي يخترق عمق النسيج السوري، وأوله وسط الطائفة العلوية، والعمل على إلحاقه بالمشروع الإيراني، وفرض منظومات عقيدية وسياسية تجلب معها مزيد البلبلة والصراعات داخل تلك الأوساط .
ـ وتتحدث الأنباء عن تحركات مستمرة لرفعت الأسد المتحالف مع المرشدية، ومحاولات إبراز تمايزهم عن النظام، وطرح أنفسهم كبديل عنه، بينما تبرز مكونات مغايرة لرأس النظام داخل بيت الأسد لرموز مسيطرة تخشى قادم التطورات أن تطيح بها، وبالنظام برمته .

ـ الحقيقة الثالثة : أنه رغم هذه التطورات فإن الطائفيين في الطائفة العلوية، النافذين والمتنفذين في النظام يعيشون حالة رعب حقيقية من ذهاب، أو رحيل، او سقوط النظام بالكامل، ومواجهة وضع آخر مختلف بكل ما قد يحمل من محاكمات داخلية وخارجية للملوثة أيديهم بدماء السوريين، دون وجود ضمانات تحميهم، أو نظام لا يفرّط ولا يضحّي بهم .
إن الحديث عن الحلول السياسية بديلاً للحسم السياسي الذي فشل النظام في تحقيقه.. يجدّ من يحمل رأس النظام، وآل نخلوف، والعائلة الأسدية مسؤولية ذلك، وارتهان النظام لكل من الإرادة الإيرانية والروسية، وبالتالي فقدانه القدرة على أن يكون فاعلاً، ومتمكناً من حماية النظام وزمره .

بالوقت نفسه فإن وجود سيناريوهات متعددة عن صورة الحل القادم، والهيئات التي يمكن أن تنبثق عنه ، واحتمالات سحب عديد الصلاحيات المهمة من رأس النظام، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والجيش، وتشكيل مجلس عسكري مشترك، أو حكومة وحدة وطنية..جميعها عوامل تدفع بعض جهات النظام للتفكير بمحارج خاصة بها : مجموعات وأفراداً، ويمكن أن تصل مستوى التفكير بإزاحة رأس النظام وبعض أفراد العائلة من بيت الأسد ومخلوف.. وحتى التفكير بما يعتقدونه حلولاً إنقاذية لبقاء النظام، او استجابة للضغوط والمتغيرات الواقعية والخارجية .
ـ يبقى الشيء الهام المتعلق بحضور ودور قوى المعارضة..والتي لم تول هذا الجانب الحيوي الأهمية الذي يستحقها .

لقد كان جديراً بالمعارضة وهيئاتها التمثيلية، أن تفكر، ومنذ سنوات بوسائل علمية لإحداث اختراقات جدّية ليس في وسط الطائفة العلوية وحسب، بل في الحلقات المهمة التي يرتكز إليها النظام، وأن يكون لديها الخطاب المنفتح، المستوعب لطبيعة العوامل الفاعلة، والمؤثرة في الوسط المذهبي، وإزاحة الخوف الطبيعي والمصطنع، وتفشيل خطط النظام في تجميع، وتكتيل الطائفة حوله، وتقديم نفسه كحامي حماها من عدو يستهدفها على الهوية .

إن وقوع أطراف محسوبة على الثورة في خندقة مذهبية مقابلة، والانجرار إلى فخّ النظام بتحويل الصراع معه إلى صراع مذهبي، وارتفاع وتيرة الحقن المذهبي وموضعاته المليشياوية، وسيطرة الإسلاموية السياسية، متنوعة الرايات والأدلجات، على العمل المسلح، إنما أسهم في إنجاح مخططات النظام والمشروع الإيراني بشرخ المجتمع عمودياً، وفي مزيد خويف أوساط الطائفة العلوية، بل عموم المكونات الدينية والمذهبية السورية.. وبما يستلزم بناء خطاب جديد مبني على التسامح، والمصالحة، وعلى الوحدة الوطنية، وسورية الموحدة مجتمعياً وسياسيا، والمواطنية المتساوية بين جميع السوريين بغض النظر عن فروقاتهم القومية والدينية والمذهبية وغيرها .

إن خطاباً جامعاً، ديمقراطياً منفتحاً وتجسيده في مواقف واضحة من شأنه أن يعمّق التناقضات في بنية النظام، وان يدفعها إلى منتهاها الطبيعي، ويفكفك هذه الوحدة الظاهرية، المظهرية، ويعيد الثورة إلى جوهرها الذي قامت لأجله : ثورة الحرية والكرامة والعدالة لجميع السوريين دون استثناء .

  • Social Links:

Leave a Reply