مخاض المصطلح الجديد (8/2) ــ إبراهيم اليوسف

مخاض المصطلح الجديد (8/2) ــ إبراهيم اليوسف

 

الكائن الإلكتروني:

يلاحظ  متابع  الحياة الاجتماعية، في العمارة الكونية، منذ أن اتسعت رقعة استخدام الإلكترون على نحوهائل،  أن تحولاً جذرياً طرأ على سلوكات نسبة هائلة من الأفراد، بين ظهرانينا، وعلى امتداد القارات الطابقية، جميعها، في هذه العمارة، إلى الدرجة التي يكاد لايغدو في منجى عن أطوار هذه الحالة، إلا نسب جدّ ضئيلة، ممن  قد لا يسلمون من ذبذباتها، حتى وإن كانوا خارج دائرة التواصل الشخصي المباشر معها، ماداموا يتفاعلون معنا، بل مع أنوائها التي تغرق العالم.

ثمة تطورهائل حدث في الحياة اليومية للكثيرين منا، إلى درجة الانقلاب الجذري عما كنا عليه، قبل حوالي عقد ونصف من الزمن، حيث كانت لدورة الحياة تقاليدها، ونظامها، وعلاقاتها الطبيعية، رغم بعض تأثيرات المجتمع المديني الذي طالما اشتكى من بعض مساوئه علماء الاجتماع من خلال بحوثهم التنظيرية، والميدانية، في الحقل السوسيولوجي، عندما تحدثوا عن استشراء حالة  الفردانية والتقوقع والانكفاء من قبل أوساط واسعة، بحسب بياناتهم، واستقراءاتهم، بيد أن كل ذلك الانقلاب الذي تم يكاد يغدو جزئياً، فيما إذا قورن بما يجري لنا يومياً. فما إن نفتح أعيننا في الصباح ، حتى نستغني-تدريجياً- عما هو قرائي، ورقي، لنتلقي أخباراليوم، عبرالصورة الإلكترونية التي تتدفق تترى، من شاشة التلفزيون، أوالحاسوب، بل ولنمضي إلى أعمالنا، عبرالمركبة التي تتحرك وفق ارتباطها الشبكي الإلكتروني، ودون أن نبتعد عن الإلكترون حتى في المكتب، أوالمدرسة، أو المؤسسة، بل حتى في المقهى الذي باتت المشروبات الباردة والساخنة التي يقدمها لا شأن لها، ما لم يكن متواشجاً مع الشبكة العنكبوتية، ناهيك عن أن الهاتف النقال، لايفتأ خارج إمبراطورية هذه الشبكة،ليستمربنا الحال، على امتداد حركة عقارب الساعة، إلى أن نكره على النوم، تحت وطأة متاعب الحياة والإلكترون.

 

ولعل مابات مفزعاً لمن يقرأ العلاقة بين أوساط واسعة منا والعالم الافتراضي، أن الطفل الصغيرقد ينسى وجبة الطعام التي أعدتها له أمه، أويتخلف عن تناول الطعام مع أبويه، مادام أنه يتفاعل مع أحد الأجهزة الإلكترونية، بل إنه يكاد لايخرج عن سطوتها في مدرسته، بل في الشارع، وفي غرفة نومه، يميل إلى العزلة عنهم، كما هوحال  أخيه الأكبروهويقود مركبته، وبين يديه هاتفه الذكي، لاينفك عن الغرق في شبكات التواصل الاجتماعي، بل حال أبويه وهما يتواصلان مع محيطهما عبرالسكايب، أوسواه، وكل ذلك يأتي على حساب العلاقات اليومية، أوعلى حساب الإنتاج، والتعليم، وحتى على حساب إبداع من يعمل في مجالات الأدب والفن إن لم تكن هناك ضوابط لعلاقته مع هذا العالم.

 

لابد أن نعترف أن هناك أعظم حالة اغتراب تجرفنا جميعاً، وها هي توصل تكاد تصل بكثيرين منا إلى هاوية الانسلاخ عما حولنا، وليس أكثر تعبيراً عن الحالة معرفة أن هناك من ينتظر إخراج جثمان أبيه من براد أحد المستشفيات، بيد أن هوسه الإلكتروني يجذبه للمضي في الجهاز العجائبي الذي بين يديه، إلى أن ينبهه من حوله، ولهذا دلالات كبيرة يمكن استقراؤها، وهي تنم عن تبليد حالة المشاعر لدى المدمن الإلكتروني، وهي ظاهرة غير صحية، تتطلب من المعنيين في الحقول المعرفية ذات الشأن دراستها، بعمق، للتدخل من أجل مستقبل فرد ومجتمع معافيين.

  

من ثورة الكاسيت إلى ثورة” الفلاش ميموري”

 

أحدثت أشرطة الكاسيت تحولات كبيرة، ليس في عالم الفن، وحده، فحسب، وإنما في مجالات أخرى عديدة، باعتبارها احتضنت الأغنية والموسيقا، مدة عقود من الزمن، لاسيما في الثلث الأخير من القرن الماضي، إلى ذلك الوقت الذي ارتفع فيه الخط البياني لاستخدام الحاسوب، وبات يدخل بيوتاتنا جميعاً، ومعه أنواؤه الأنترنيتية الكونية التي تعيش ذبذباتها معنا، أينما كنا، ولما تزل تلك الأشرطة  تؤدي جزءاً من مهمتها ، وإن في حدود جزئية، بعد أن  استطاعت وسائل التوثيق الإلكتروني أن تتطور، في عالم الخطاب الثقافي الفني كاملاً.

كان الكاسيت-بحق-حاملاً ثقافياً فنياً، ووسيلة لنشر الثقافة والفن، حيث خلاله تم تداول قصائد كثيرين من الشعراء البارزين، عبر هذا القرص المدمج، كما أن بعض أصحاب الخطاب السياسي أنفسهم لجؤوا إليه، من أجل إيصال أصواتهم إلى جمهورهم، لاسيما في ظل ظروف المنع، والسدود، والحدود التي كانت توضع في وجه ماهوغيرمستحب، أومقبول من الأفكارالمناسبة، ناهيك عن أن رجل الدين ذاته استخدم هذه الوسيلة في نشررؤاه.

وشريط الكاسيت كان يتداول في محيط الأسرة، صغيرها وكبيرها، فللأب مكتبته من هذه الأشرطة، وهكذا لربة الأسرة، وأبنائها وبناتها، حيث أنها تحدد المزاج الثقافي والفني لكل منهم على حد سواء، كما كانت هناك مكاتب لهذه الأشرطة لدى شرائح المجتمع كله، بدءاً من سائق التاكسي، ومروراً ببائع السوبرماركت، وليس انتهاء بالمربي، أو الأكاديمي، في المدرسة أو الجامعة.

ولا يمكن النظر بتسطح، ضمن هذه الحدود، إلى القرص المدمج، الذي ظهر لأول مرة مع”الفونوغراف”  الذي عدّ أعجوبة عصره، وكانت له طريقة تسجيله المسبقة، قبل أن ينتشر بديله”المسجل” على نطاق أوسع، وهو يحمل مزايا أكثر، إذ أنه قادر على تسجيل الأصوات تلقائياً، بوساطة شريط مختلف، وإن كنا هنا أمام مرحلة  إمكان توثيق الأثر ومحوه، في آن، وكان له زخمه، ودوره في تطوير الفن والثقافة والأدب والخطاب. حيث أن الشريط-هنا- انعكاس لحالة وعي محددة، بل إنه استطاع أن يؤثر على المزاج الشعبي العام، من خلال التجسير مع روافد محددة، عبر الخطاب والموسيقا والإبداع، كما أن هذا التأثير قاد إلى تغييرات جذرية في أكثر من مكان جغرافي.

وإذا كانت السينما قد أحدثت-من قبل- ثورة كبرى في عالم الفن، وجاءت كحالة تطور كبرى في تاريخ الثقافة والفن، فإن الفيلم السينمائي، سواء أكان قد استعان بالصوت، أم اقتصر على الصورة، فإن شريطاً من نوع آخر، كان يحضنه، جاء عبر تطور ثورة  الصورة، أو ثورة”الكاميرا” وبات للفيلم حضوره العميق في حيوات أوساط جد واسعة، بل كانت له تأثيراته في عملية البناء وتطور المعرفة والوعي.

وبعيداً عن الاستعانة بسجل الولادة التاريخي، وتفاصيل بيانات كل مرحلة من هذه المراحل، فإن شريط الفيديو الذي حقق ثورة فعلية، في هذه المجالات كلها، وذلك لأنه جمع بين خاصيتي: الصوت والصورة معاً، ولا تزال له أهميته، لاسيما أنه احتضن السينما والأغنية، والمسرح، والخطاب، وكان أداة توثيق لأفراح المرء، و أتراحه، وحاضنة لعصارة روحه، ولحظاته.

ولعل المحطة التي وصلنا إليها-الآن- وهي مرحلة”الفلاش ميموري” باتت في مستوى إيقاع ما بعد الحداثة، لاسيما عندما نجد هذا الجهاز تجاوز الميزات التي باتت تتمتع به الرقاقة الكمبيوترية، أو”السيدي” حيث في إمكان كليهما أن يحضنا مكاتب عملاقة من الكتب، تختصر المنجز المعرفي للإنسان منذ بداية العالم وإلى الآن.

النص الأزرق:

ما الاسم الذي يمكننا أن نطلقه على النص الإلكتروني، المدون، تحت سطوة  إرهاص الشعرية، من دون أن يمر عبر ولادته الأولى، بالرحم الورقي؟، هو سؤال لابد من أن يطرح، لاسيما أن هذا النص الذي قد يبدو هلامياً-للوهلة الأولى- بسبب سرعة ظهوره، ومن ثم غيابه بالسرعة نفسها، ضمن خط الزمن الإهليلجي، ليكون حاضراَ، في ما إذا كانت هناك مشيئة ناص ومتلق وراء ذلك، بات يستحق أن يستقر على اسم، مادام أن المسمى الافتراضي بات يعيش معنا، يستيقظ معنا، ويمضي معنا إلى مواعدنا، بل و يتغافى معنا أنى هدنا التعب، والنوم، كي نستيقظ عليه، مرة أخرى، وهكذا دواليك،   باعتبارنا ضمن هذا الفضاء من القراءة، نعيش هاجسه،  مهددين بغياب الديوان الذي طالما أقلقنا هدأته على أرفف مكتباتنا، كي نضعه قبالتنا على الطاولة القريبة، أو تحت وسائدنا بعد أن انتهينا من قراءته مرة جديدة، في انتظار قراءته التالية، دون أن يفتقد نكهته، وألقه، وخصائصه، كما حاجتنا إلى العطر والماء والهواء، دون ملل، طوال دورة الحياة.

ومادمنا في حضرة السؤال الذي استهللنا به مقدمة هذه الوقفة، فإن الأسماء الجديرة قد تظهر تترى، كي تطلق على هذا النص المولود بغتة، وفي غفلة منا، وبات يجتذبنا تدريجياً، حتى وإن كانت لبعضنا أحكام متضادة مسبقة منه، بيد أن  جميع هذه الأسماء ليست إلا افتراضاً، وذلك لأنها تكاد لا تصمد أمام المحاكمة، ما يدفع باب التسمية مفتوحاً على مصاريعه، تهب من كل صوب، كما الهواء غير المستقر، وهو مايشجع المتابع المعني للقول:مادامت الشاشة الزرقاء قد ارتضت بتسميتها التي جاءت نتيجة مغامرة من لدن أحد المغامرين الافتراضيين، فلم لا يكون ابن هذه الشاشة، أزرق هو الآخر، كي نكون أمام نص أزرق؟.

وبدهي أن هذا النص ،  الذي نطلق عليه-هنا-فحسب، صفة الزرقة، وبعيداً عن الغوص في استحضار دواعي اختيارهذه التسمية، باعتبارالأزرق لون الهدوء، والرمز، والمتماوج كما الروح، ذو علامات فارقة تميزه عن سواه، وفي مطلعها أنه نتاج الدفقة الروحية الأولى، التي طالما نظرالنقاد الواقعيون أنها بذرة الشعرالصافي، هذه الدفقة التي تذكربحالة ولادة الكمأة، أوقل:انبثاقها، في لحظة من برق، وهواء، وماء، وتراب. أجل، إنه النص الذي يمكن توصيفه-أكثر- من منظور مدمن كتابتيه الأولى، والثانية، أي الناص والمتلقي،لاسيما أنه بات يحدد ملامح بروفايله الشخصي، وسط هدير تلاطم أمواج الأرخبيل الهائل الذي اتخذ منا مواطنين عالميين، نكاد نتناول وجبة طعامنا اليومي على سفرة افتراضية واحدة، بعد أن انحسرت القرية الكونية إلى مجرد”كارت”مقبوض عليه بأصابع الكف اليتيمة.

أية كانت التسميات الموازية لهذا النص الأزرق، أو السابقة عليه، أوالتالية، بل وأية كانت تخبطات ناصيه، وهم يسيرون تحت هاجس استيفاء شروطه، خارج المدونة الديوانية التقليدية، لكنه نص يحفر في منجم الروح، بأزاميل ليزرية، تخترق حجبها، وتعيد رصد قوس قزحها، وجمالياتها، عبر عصارة لغة جديدة، تكاد لاتشبه لغاتنا المتعارف عليها من قبل، تحت وطأة حمى ليس الاختلاف، أو المغايرة، بل مشابهة قراراتنا، وأعماقنا، وهي تصوغ أبجديتها من جديدة، أبجدية كولاجية من لغة، ورسوم، وأضواء، وإشارات، ورموز، وألوان، وحياة، وهي في انتظار إعلان تسجيلها الرسمي، في سجلاتنا المدنية والإبداعية.

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply