مقابلة مع المفكر والأكاديمي السوري أحمد برقاوي 1/2

مقابلة مع المفكر والأكاديمي السوري أحمد برقاوي 1/2

مقابلة هامة للمفكر والأكاديمي أحمد برقاوي نشرت في مجلة اللاجئ الفلسطيني، ونظراً لأهميتها نعيد نشرها في الرافد:

في مقابلتنا مع أحمد برقاوي، المفكّر والأكاديمي الفلسطيني السوري، والذي شغل لسنوات منصب رئيس قسم الفلسفة في جامعة دمشق، حدّثنا عن مراحل تكوين فكره الفلسفي من خلال أطروحاته ومؤلفاته، وإضافة إلى ذلك حدّثنا عن الثقافة والسياسة والسلطة والأصوليات، وعن الثورات العربية، مخصّصاً للثورة السورية جانباً مفصّلاً.  

بعد كتب عدة لك بدأتها بـ “محاولة في قراءة عصر النهضـة” مرورًا بـ “العرب بين الأيديولوجيا والتاريخ” و “أسرى الوهم” و “دفاعًا عن الأمة والتاريخ” و “الأنا” و “كوميديا الوجود الإنساني” وانتهاءً بـ “أنطولوجيا الذات”. ما هي ملامح مشروعك الفلسفي؟ وما مدى قدرة هذا المشروع على المساهمة في إثراء المشهد الفلسفي/الفكري العربي؟

لقد مرت تجربتي الفلسفية بمرحلتين: المرحلة الأولى، منذ رسالتي في الماجستير حول الدولة ورسالتي في الدكتوراه حول التقدم والتاريخ وحتى كتاب “دفاعًا عن الأمة والتاريخ”. هذه التجربة اختلط فيها الفلسفي والأيديولوجي والطوباوي بروح ماركسية غير متعصبة. وهي مرحلة مهجوسة بمشكلات العرب التي كان يجرى الحوار والنقاش حولها: النهضة، التقدم، العلمانية، القومية، الدولة القومية، الحداثة، التحديث، الثقافة، الأصولية، الحاضر، المستقبل، الحرية، الغرب، الإستشراق، المثقف، التاريخ، فلسطين. وإذا عدت إلى كتبي المتتالية في هذه المرحلة والتي ذكرت، فضلًا عن عشرات المقالات المتعلقة بهذه المفاهيم، المشكلات، ستجد جميع هذه المفاهيم حاضرة فيها، وهي مفاهيم مهما حاولت التحرر في تناولها من الانحياز فإنك لا تستطيع.

ففي كتابي “محاولة في قراءة عصر النهضة” درست النهضة العربية انطلاقًا من تعريف النهضة بعامة، وكذلك تطبيقه، ما اصطلح على تسميته بالنهضة العربية، وجدت أن ما جرى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى الربع الأول من القرن العشرين لا ينطبق عليه مصطلح النهضة. في كتابي “العرب بين التاريخ والأيديولوجيا” أجبت عن سؤال: لماذا هزم الواقعُ الشعارات العظيمة للعرب، وكنت بالأصل قد عنونت الكتاب قبلًا باسم: “مصير الشعارات العظيمة”، ورفضته الرقابة آنذاك، وغيرت العنوان بناءً على نصيحة الناشر آنذاك صديقنا الأستاذ حسين العودات إلى “العرب بين الأيديولوجيا والتاريخ”، وفي كتاب “مقدمة في التنوير” طرحت جملة قضايا راهنة: العلمانية، الدولة، الحرية. ثم أقمت حوارات في كتابي “أسرى الوهم” مع الجابري وصادق العظم وحسن صعب ومهدي عامل وطه حسين على أساس نقدي. أما في كتابي “دفاعًا عن الأمة والتاريخ” فوضعت خلاصة زوايا رؤيتي الفكرية بروح فلسفية حول كل القضايا التي ذكرت.

أما المرحلة الثانية، الفلسفية الصرفة: فبدأتها مع كتاب “العرب وعودة الفلسفة”، ففي هذا الكتاب قررت أن أكشف عن الخطاب الفلسفي العربي المعاصر باتجاهاته المختلفة، وفي مسار هذا الكشف عن الخطاب الفلسفي وتاريخه وشروط إنتاجه ودور الترجمة في نشوئه، وأطاريح زكي نجيب محمود وعبد الرحمن بدوي وناصيف نصار وعثمان أمين والأرسوزي والجابري وبديع الكسم والنشار، والعالم، وحنفي، ومدكور وآخرين، أقول، وفي مسار هذا الكشف، وجدت نفسي مدعوًا لتحديد قولي الفلسفي حول: الفلسفة، المفهوم، المشكلة الفلسفية، الفرق بين اللاهوت والفلسفة، والأيديولوجيا والفلسفة، وأبرزت أصالتي حول هذه القضايا الفلسفية، واهتديت إلى أم المشكلات الفلسفية التي لم يأتِ على ذكرها أحد والتي دوّن تناولها لاوعيًا فلسفيًا عربيًا حول عالمهم. أقصد مشكلة “الأنا”.

مع “الأنا” أصبح لدي خطاب فلسفي جديد، بل صار في عالم الوعي الفلسفي العربي وعي عربي فلسفي لا يشكل صدىً لمدارس الفلسفة الغربية، وهكذا أصدرت كتاب “الأنا” الذي تضمن، تحليل الأنا والمعركة الدائمة بينه وبين النظام المتعالي: الدين القيم، الجنس، السلطة، وأظهرت الفرق بين الأنا السوي والأنا اللاسوي، وبين الأنا الوضيع والأنا النبيل وانشطارات الأنا، والأنا ونفي الآخر، والأنا وأيديولوجيا القتل، والموت، والحنين والاغتراب، والوجود الهزلي، والأنا واللعب، ووعي الوعي؛ وعي البداية والنهاية، خطر النسبية المطلقة، الوعي الطوباوي، ثم ختمت الكتاب بفصل الأنا الحر. ولقد قلت في مقدمة الكتاب: “هذا كتابي أنا وليس كتاب أحد غيري”، إشارة إلى تفردي به. وكان الكتاب هذا خاليًا من أي مرجع، لأنه تأمل ذاتي لمدة عامين. واحتُفي بهذا الكتاب وكتبت عنه الدراسات، وعقدت حوله الندوات في دمشق.

بعد هذا الكتاب المؤسس لفلسفتي عملت على كتاب آخر يعمق خطابي الفلسفي حول الأنا: وهو كتاب “كوميديا الوجود الإنساني” انتقلت من الأنا المجرد وبعض تعيناته، إلى ظهوره بوصفه وجودًا إنسانيًا، فالأنا هي التي تمنح الوجود معناه الإنساني، فالزمان هو زماني الإنساني، زمان ماضي أنا وحاضري حاضري أنا ومستقبلي مستقبلي أنا، ودون هذا لا ماهية للأنا. وعالجت كوميديا البدء، وكوميديا الجسد، والألم والرقص، وأسطورة الفصل بين الجسد والروح. وتعمقت في مفهوم اللذة، والمتع المتنوعة، وكشفت عن فكرة الألم النفسي، ورحت أحكم الأحكام القديمة حول العقل والأسطورة والميتافيزيقيا والعقيدة، ثم فضحت العواطف، وهكذا. جاء كتاب “كوميديا الوجود الإنساني” بعد أربع سنوات على صدور “الأنا”. ثم رحت أشتغل على مفهوم الذات، وأمضيت سنوات أربع وأنا أعمل وأقدح عقلي حتى انتهيت من كتاب “أنطولوجيا الذات” الذي صدر عام 2014، ذلك أن الذات هي انتقال الأنا إلى الفعل، وهذا عالم مفقود في واقع العرب الراهن.

هذا الكتاب هو محطة مهمة جدًا من محطات خطابي الفلسفي: كشفت عن معنى الذات وولادتها، وأهمية حضورها في الحياة، بل كشفت عن شهوة حضورها الدائمة، وحللت مسار وعي الذات لذاتها، وميزت بين الذات المستَعمرة والذات المتَرجمة، ودخلت إلى عمق الذات لأفضل جدل السيد والعبد داخلها، وتوقفت طويلًا عند الذات والاعتراف، والذات التواصلية، والذات السلطانية، والذات الرسولية، والمخلص، والمبدع، والذات والإمكانية، الذات وصورها، والميتا ذات في الفن والشعر والفلسفة، والذات والتأويل ثم الذات والخطر.. في هذه الكتب الثلاثة أعلنت عن ذاتي المستقلة فلسفيًا، في إطار مفاهمي خاص بي. وصرت أرى العالم وفق هذه الرؤية الفلسفية الخاصة. وأشتغل الآن على كتاب جديد بعنوان: “سلطة الوهم”.

قلت مرّة أنّ “فكرة الحرّية نفسها ما كان لها أن تحتلّ مكانتها في تاريخ البشر لولا نبل الفلسفة. الفلسفة، بوصفها نبيلةً، لا تجامل التاريخ ولا ذوات التاريخ ولا سرّاق التاريخ”. هل تعتقد بأنّ المشهد الثقافي والفكري العربي في حالة صحّية جيّدة يسمح بطرح بحضور الفلسفة؟

لقد كتبت مقالًا بعنوان “ضرورة الفلسفة” يجيب عن سؤالكم بالذات. وقلنا: غياب الفلسفة في تشكيل آلية التفكير حرمانٌ للعقل من أحد أهم منابع تعزيز قدرته على التحليل والتركيب والفهم. الفلسفة فن التفكير، هي فن الفهم للواقع، فن اكتشاف السؤال الحقيقي، وكل ذلك على أساس مناهج التفكير العامة التي صاغتها الفلسفة وتصوغها. الفلسفة تعلمنا كيف نقرأ التاريخ، والظاهرة في تاريخيتها، وما المنهج التاريخي إلا البحث عن العوامل الفاعلة الموضوعية والذاتية وترابطها ما خلق هذه الظاهرة أو تلك. الفلسفة تكشف عن بنية الظواهر ووظيفة كل عنصر فاعل في البنية، وتجعل من المنهج البنيوي وسيلة لفهم نشأة البنى الإجتماعية والسياسية والأخلاقية وتحولاتها وموتها، وهكذا. والفلسفة لا تنفصل عن المنطق الذي يجعل من التفكير عقليًا، إنه أي المنطق، عاصم من ارتكاب الأخطاء ولولا التفكير المنطقي لما كان هناك تفاهم بين الناس. الفلسفة تبحث في القيم والأخلاق وتطرح كيفية الوصول إلى ضمير أخلاقي يحفظ حياة الإنسان الروحية والمادية. والفلسفة تنمي الفهم الجمالي والحس الفني والذوق الأدبي وكل ذلك يسهم في سمو الإنسان ورقيّه.

إن الفلسفة بهذه الوظيفة المعرفية والمنطقية والأخلاقية والجمالية يجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من عملية تكوين الفرد، بوصفها، كما قلنا، فن التفكير. إن مهمة الفيلسوف الآن عظيمة، إن خطاب الحرية المؤسس فلسفيًا هو الذي يضيء العقل، بل هو التنوير بحد ذاته. فالربيع العربي بلا فلسفة ربيع فقير، ولهذا كتبت عن نبل الفلسفة، وعن ضرورة الفلسفة والفلسفة والأيديولوجيا ليس دفاعًا عن الفلسفة بحد ذاتها بل عن العقل الضروري لامتلاك العالم المعيش.

طرحت في كتاب لك السؤال الآتي: “لماذا انهزمت أيديولوجيا التقدم أمام حركة الواقع؟ لماذا تبخرت الناصرية والبعثية والشيوعية والليبرالية كأيديولوجيات تقدم تاريخي واحتشد خلفها خلق كثير؟ ما الذي وقف أمام المصير الفاجع للشعارات العظيمة”؟ هل وجدت إجابة للسؤال ذاته في زمننا الحالي؟

لقد نظرت في سؤالكم في إطار فلسفة التاريخ، وحللت هذه التي سميتمونها تراجيديا. أجل جرت في فترة زمنية واحدة تقريبًا خمسُ ثورات عربية: تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسورية، وهناك تملل في الجزائر، وموريتانيا، والأردن، والعراق في وضع كارثي، لسنا في معرض الوقوف عند الوقائع الجزئية لهذا الحِراك، فهذا من شأن مباحث أخرى. إنما مرادنا أن نفهمه في إطار فهم التاريخ ومفاهيم فلسفة التاريخ، ولعمري أنه، ودون أن نتسلح بفهمٍ فلسفيٍّ تاريخي لما يجري، لن تنجح السياسة في تعاملها مع حركة التاريخ.

ليست فلسفة التاريخ عودة إلى التاريخ، بل كشفٌ عن ملامح حركة التاريخ العامة دون وقوعٍ في الحتمية، ودون إهمال معنى التجربة التاريخية، ويبدو المشترك في بلدان الحِراك العربي كبيرًا: أولًا: جميع هذه الدول مؤسسة على احتكار القوة العسكرية والأمنية بوصفها أداة الحفاظ الأساسية على السلطة. ثانيًا: جميع هذه الدول أزالت الحد الفاصل بين السلطة والدولة، وقاد أمرٌ كهذا إلى ظاهرة ملكية السلطة للدولة. ثالثًا: تشترك هذه الدول باتكائها على حزبٍ سياسي يمنحها الشكل السياسي للسلطة. رابعًا: تشكلت في هذه الدول عصبياتٌ مناطقية وأسروية بارتباطها باحتكار السلطة أو محاولات احتكارها. خامسًا: وصول الفساد في هذه الدول حدًا حطم أسس القيم الإجتماعية.

كيف نفهم التناقض بين بنية السلطة وبنية المجتمع؟ تجب الإشارة أولًا إلى أن التشابه السابق لا يلغي التمايز والاختلاف بين هذه السلط والمجتمعات، فالبنية القبلية ليست حاضرةً في مصر بوصفها عصبية للسلطة، والبنية الطائفية السورية لا وجود لها في تونس، والدولة الريعية النفطية الليبية ليست هي الدولة اليمنية الفقيرة. وهناك تفاوتٌ في تاريخ تطور كل مجتمع من هذه المجتمعات، ولهذا فإن التناقضات -وإن كانت في جوهرها واحدة- فإنها أخذت تعبر عن نفسها بأشكال متعددة. نعود إلى تناقض السلطة والمجتمع، فالسلطة التي تكونت منذ ستينات القرن الماضي بفعل قوة المؤسسة العسكرية والأمنية تحولت عبر سنواتٍ طوال إلى سلطة مغتربة عن مجتمعٍ راح يتطور بفعل قوانين التطور العفوية للمجتمعات. فالسلطة التي كانت قادرة على أن تحقق في بداياتها حظًا من النمو الإقتصادي وقبولًا أيديولوجيًا لم تعد قادرة على أن تواجه مشكلات حاجات السكان المتعاظمة في ظل تقدم عالمي للحاجات أصلًا، فكان من الطبيعي والواقعي أن تنعكس حاجات الناس وتطور وعيهم في تطور السلطة ووعيها. غير أن الذي جرى هو أن السلطة كلما كبر جسد المجتمع راحت تضيق وتضيق، وصارت قميصًا أضيق بكثير من هذا الجسد الذي كبر. وفي مواجهة هذا التناقض قررت السلطات حشر الجسد في القميص مهما كان القميص ضيقًا، والعمل على إضعاف المجتمع خوفًا على القميص.

لقد برز هذا التناقض في صورة الاطمئنان إلى نوعٍ من خنوع المجتمع، والذي سمح للسلطة أن تمارس أشد أنواع الفجور السياسي والفساد والقمع. فاتّساع حاجات الفئات الوسطى قلبَ المجتمع، ليس الحاجات الإقتصادية والثقافية فقط، بل الحاجات السياسية، هذه الفئات وهي أكثر الفئات تذمرًا وتأففًا، كانت تكبت حقدها الطبقي والسياسي في انتظار اللحظة التي تنقض فيها على السلطة. يضاف إليها الفئات الفقيرة والرثة الهامشية، التي تزايد عددها وبخاصة في تونس ومصر وسورية واليمن. لقد أسست الحاجات المكبوتة والأحلام المنكسرة ما نسميه مجتمع الشرارات. كانت السلطة قميصًا غير قابل للترقيع، وصلت حد ذروة ما سماه ابن خلدون حياة الدعة والوفرة وفقدان العصبية أو تراخيها بسبب عدم تميزها بين الاستقرار والاستنقاع. أجل كان ابن خلدون وماركس وماركوز حاضرين دون أن يراهم أحدٌ من السلطة.

كان مجتمع الشرارات في تونس ومصر واليمن قد استفاد من المظاهر الشكلية للديمقراطية، حيث لم تستطع السلطة هنا تحطيم المجتمع المدني تحطيمًا كليًا فيما كانت ليبيا وسورية مجتمعين خاليين أبدًا من المجتمع المدني الحقيقي، فالمجتمع المدني هنا قد التُهم من قبل السلطة التهامًا كليًا وبالتالي لم تكن النخبة المدنية قادرة على فرز عقل أو عقول لتقود عملية الحراك أو الثورة أو الانفجار. إن انفجار هذه المجتمعات عبر شرارة واحدة تشعل الحقل كله. لم يكن ذلك إلا النتيجة الطبيعية لصراع طبقي طويل عبر عن نفسه باحتكار الثروة والقوة وصراع أخلاقي عميق بين سلطة تحطم القيم ومجتمع يعاني من هذا التحطيم. كان الهدف الأساسي لهذا الانفجار هو تغيير النظام السياسي وإعادة بناء دولة الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني والقضاء على مخلفات النظام السابق. لكن هذا الهدف النبيل والذي شكل حلم الانفجار قد نشأ في قلب انفجار المستنقع. أجل لقد انفجر المستنقع الذي ظنت السلطة أنه استقرار. فكان البركان خليطًا من النار والدخان والحمم وكل ما كان يختزنه المستنقع من الفئات المثقفة إلى الفئات الرعاعية.

كانت السلطة قد تركت إرثًا ثقيلًا من الدمار المجتمعي والإقتصادي والأخلاقي، ولهذا أخذ التاريخ يظهر على نحوين تاريخ تراجيدي وتاريخ مسخرة. لقد شكل الشباب وعقل الشباب التائقين إلى الحرية صورة التاريخ التراجيدي القائم على صياغة المجتمع المنشود في صورته الكونية. دولة الديمقراطية والحق.. الدولة النقيض لدولة القمع واللاحَق. فيما كانت القوى السلفية تحضر نفسها لإنتاج التاريخ المسخرة الذي هو استعادة صورة من التاريخ القديم ليصبح واقعًا. وهكذا عاش التاريخ ويعيش آلام الصراع بين المعقول واللامعقول بين الإمكانية الواقعية والواقع وبين الوهم الواقع. أما من حيث معقولية التاريخ فإن هذه المعقولية لا تتحقق إلا بتطابق بين الإرادة والإمكانية. وجدل الإرادة والإمكانية هو أحد أهم عناصر النجاح في الحياة كلها وفي السياسية بالضرورة. فقد حملت السلطات القديمة في أحشائها بذور فنائها لأنها بالأصل قتلت العدد الأكبر من الممكنات المجتمعية وتشبثت بواقع واحد وحيد لا ينطوي على قوة استمراره فمن يحكم بالسيف يزول بالسيف وعند التاريخ الخبر اليقين. وكل من يحطم الممكنات بالقوة سيجد نفسه أمام المستحيل، والمستحيل بالأصل تصورٌ فقط.

الممكن بالتعريف هو واقع لم يتحقق بعد، ومولود في أحشاء الواقع المتحقق. واكتشاف الممكن في لحظة ولادته والعمل على نقله إلى الواقع عبر الإرادة هو فعل إبداعي بامتياز، وترك الممكن فترة طويلة كي يموت يميت معه الإرادة القادرة على الفعل. فالشروط التي تنتج الممكن لا تبقى هي ذاتها في السيرورة التاريخية. وهذا معنى أنّ ما كان ممكنًا قبوله، ما عاد ممكنا قبوله الآن، أو ما كان قابلًا للتحقق في لحظة، ما عاد قابلًا للتحقق الآن. تكمن المشكلة في أن الوعي الأيديولوجي لا يميز بين الإمكانية والواقع والمستحيل. وأخطر أشكال الوعي الأيديولوجي على الحياة المجتمعية والذي يتميز بوهم مطلق هو الاعتقاد بتحقق المستحيل. وهذا حال الحركات الأصولية بكل أنواعها. فالحقيقة تقول: إن التاريخ لا يعيد نفسه أبدًا. المشكلة هي في وهم إعادة تاريخ ما في شروط غير الشروط التي أنتجته. والدافع الأيديولوجي يقدم لصاحبه قوة عمياء تدفعه لتخريب الحياة وإفسادها. وفي الحراك العربي وجد اللامعقول الأصولي شرطًا لفاعلية أكبر. وآية ذلك أن النظم المستبدة في بلدان الربيع العربي لم تبحث في الشروط التي أنتجت هذه الحركات وتغييرها بل أبقت على شروط بقائها مع مواجهتها، وما أن زالت قوة السلطة حتى أخذت تطرح نفسها على أنها البديل. لكن معقولية التاريخ لا تتحمل لامعقولية الأصولية، تمامًا كما أن لامعقولية السلطة في مصر وسورية واليمن وليبيا وتونس صارت أكبر من طاقة المجتمع على تحملها وأكثر من أن يتلاءم معها التاريخ. وبالتالي فإن انتقال الحراك العربي من حال غريزة الثورة إلى حال الوعي المطابق هو ثورة بحد ذاته. إنه انتقال من الممكن إلى الواقع فقط وكل هزيمة للممكن هزيمة بالضرورة للمستقبل الحقيقي. غير أن هنالك نوعًا من الممكن هو الممكن الزائف الذي إن تحقق فإنه يدمّر الواقع إلى زمن يطول أو يقصر، وهذا هو الذي يفسر لنا مصير الشعارات الزائفة التي حملت العسكر إلى السلطة بوصفهم سينقلون الممكن إلى واقع فدمروا الواقع والتاريخ معًا.

إنه لمن الخطأ أن نحكم على تاريخ الحراك العربي الآن وفق ما وصل إليه من نتائج، ويجب أن نؤكد أن الفوضى الحاصلة الآن ليست ثمرة الحراك أو نتيجة من نتائجه، بل هي فوضى مستترة أساسًا في مرحلة ما قبل الحراك وما ظهورها الآن إلا زوال عائق السلطة المستبدة فهي بهذا المعنى من خلق الفوضى وليست الفوضى من خلق الحراك. غير أن مرحلة من التاريخ لن تعود، وإن التاريخ كي يستعيد معقوليته لابد له من مسار تراجيدي.

كيف تقرأ المشهد السياسي العربي اليوم بعد ستّ سنوات من اندلاع الثورات وبعد كل ما غيّرتْه؟

ما يجري هو تهديم لعالم قديم وقد تأخذ عملية التهديم هذه أوقاتًا متفاوتة بطول المدة وبالشِّدة تبعًا لقوى الصراع ومستوى التدخل الخارجي. من المبكر قراءة الدروس النهائية لهذا الانفجار. غير أن الدرس الأول الذي لا مجال لنكرانه هو الهدم، أجل الهدم. ولا يحسب أحد أن الهدم فعل سلبي النتائج دائمًا. بل على الضد من ذلك ففي حالنا العربية والمشرقية على وجه الخصوص فإن الهدم فعل ضروري وإيجابي بامتياز. ولاشك إن المدخل الأخلاقي لتناول الهدم أمر إنساني ويدل على العاطفة النبيلة للإنسان، وكره القتل والتدمير وحب الحياة. غير أن مدخلًا كهذا لا يقدّم فهماً للهدم وأسبابه ولا مآلاته ولا إمكانية البناء التي ينطوي عليها. ولا يوقفه ولا يؤثر في طبيعة الصراع وأهدافه. ولهذا يجب النظر إلى عملية الهدم التي تتم اليوم كفعل موضوعي يدخل في إحدى سمات الفعل الثوري، ولكي نفهم هذا الهدم يجب أن نرى طبيعة القوى الهدامة وموقفها من البناء كغاية من غايات الهدم.

هناك قوتان أساسيتان في عملية الهدم الجارية الآن. قوة هدم عقلانية تسعى لتحقيق معقولية التاريخ المتطابقة مع روح العصر وروح الشعب معًا، وتهدف إلى تهديم بنية النظام القائم بما هو نظام مخالف لسنن التاريخ ومنطق الوقائع وروح العصر وروح الشعب وهي القوى الديمقراطية بأطيافها العلمانية والإسلامية المدنية. قوى الهدم هذه متطابقة مع مصالح الناس، كل الناس، في تحقيق الأمان الفردي والجماعي، وتحقيق العيش المشترك، وتحقيق الكرامة الإنسانية والشعور بالحرية والوطنية، الوطنية بوصفها حب وإنتماء. وقوة الهدم اللاعقلانية تنقسم إلى قسمين: أولهما قوة هدم المجتمع من أجل مواجهة الهدم العقلاني للإبقاء على الأمر الواقع. وهذا يعني البقاء عبر الهدم. وهي قوة السلطة الحاكمة. المناقضة للأكثرية ولمنطق الحياة. وثانيهما قوة هدم للنظام السياسي الحاكم وما يرافق ذلك من هدم مجتمعي نكوصي لإعادة التاريخ إلى الوراء بشكل مناقض لروح العصر ولروح الشعب معًا. وهاتان القوتان، السلطة والنكوصية الداعشية، سلبتا الهدم الإيجابي ولا يقودان إلى عملية بناء العالم الجديد. وتفضي تناقضات الحياة والأهداف إلى تعقيد عملية الصراع والهدم. ففي لحظة ما تشترك قوة الهدم السلبية النكوصية اللاعقلانية مع قوة الهدم السلطوية ضد قوة الهدم البنّاء وعقلانيتها. وفي لحظة أخرى تتوافق قوة الهدم النكوصية اللاعقلانية مع قوة الهدم البنّاء في مواجهة قوة الهدم السلطوية اللاعقلانية. وفي حالة يظهر الصراع المسلح والنامي بين القوتين المناهضتين للسلطة وكما يظهر الصراع بين القوتين اللاعقلانيتين. فإذا أخذنا داعش كقوة هدامة نكوصية لا عقلانية عنفية أصولية ذات أصل جهادي فهي من جهة قوة هدامة للنظام وهدامة لقوى الهدم الثورية العقلانية معًا. هذه الوظيفة تعجل في تهديم النظام وتخلق قوة كابحة للمستقبل المنشود وتعرقل عملية بناء العالم الجديد.

إن تعقد الصراع على هذا النحو يفرض أو يتطلب أن تصاحب عملية الهدم الإيجابي ثورة في الوعي، ذلك إن الوعي لا ينفصل عن السلوك. فالإسلامي المدني اللاعنفي عليه أن يدرك استحالة قيام الدولة الدينية بوصفها حلًا لمسألة السلطة في المشرق العربي أو مغربه. بل إن مثال الدولة الشيعية في إيران كاف وحده لإدراك مأزق الدولة الدينية. ولأن المثال التركي الذي قاد “حزب العدالة والتنمية” إلى السلطة ما كان يمكن أن ينجح دون الدولة المدنية/العلمانية التي أسسها أتاتورك. والدولة الشمولية أيًا كانت أيديولوجيتها مناقضة لمنطق الأشياء ألا وهو الاختلاف والحق بالاختلاف والتعبير السلمي عن الاختلاف وتعايش الاختلاف. وثوة الوعي هذه جزء لا يتجزأ من عملية الهدم وعملية البناء. ليس بالضرورة أن تكون ثورة الوعي هذه مباشرة وعبر خطاب مباشر، بل المهم أولًا إعادة الاعتبار للتربية الثقافية التشكيلية والموسيقية والشعرية والمسرحية والسينمائية الخ بوصفها إنتاج وسيلة لتزويد الفرد بالوعي بالحرية والجمال وحب الحياة. التربية الثقافية هذه الموازية للهدم الثوري الإيجابي تحرم الدكتاتور بكل أشكاله من جر الناس إلى وعيه الزائف بالحياة وتحرم صناع الموت النكوصيين من استغلال التربية الدينية الأسرية والمدرسية لتحويل الفرد إلى قاتل . الثقافة الإنسانية بما هي ارتقاء بالنفس أحد أهم عوامل الهدم والبناء معًا.

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply