المجنون يضرب العاقل بالكف ــ خطيب بدلة

المجنون يضرب العاقل بالكف ــ خطيب بدلة

 

عاش صديقي (جواد)، الذي اصطلحت على تسميته (أبو الجود) في كنف أبيه مدة قصيرة، وبالتحديد حتى أصبح عمرُه سبعَ عشرة سنة، ووقتها مرض الأب مرضة قاتلة، وشرع أقاربه يأخذونه إلى المشافي العامة والمستوصفات والمنجمين، دون أن يحصلوا على نتيجة، فطلب منهم أن يأخذوه إلى داره، ففعلوا. وهناك استلقى على الفراش وقال لبناته وابنه جواد:

– تعالوا.. اقتربوا.

فلما تجمعوا حوله قال لهم:

– أديروني باتجاه القبلة.

فلما أداروه على القبلة ردد الشهادتين وقال لجواد: اسمع يا ابني، أعرف أنني ظلمتك. والحقيقة أن الدهر هو الذي ظلمنا جميعاً. الخلاصة، بالنسبة لي أنا على وشك أن أتيسر (أموت)، وسأتركك في هذه الوحلة وحدك.. وسأترك لك هؤلاء القوم، قصدي أخواتك المصابات بمرض الربو، ومعهم، على البيعة، عمتك نورا التي يفترض أنها لا تعيش في بيتنا وإنما في جناح العناية المركزة في أحدث المستشفيات! لذلك..

ولم يستطع أن يكمل.. مات.

كان الأب، أبو جواد، فلاحاً بسيطاً، وحياة الفلاح، كما هو معروف، فقيرة تعتمد على كثرة المطر وقلة الصقيع وانعدام الحشرات والآفات، ومع ذلك كان يعيل هذه الأسرة التعيسة بجَلَد وفم ساكت، وحينما شب ابنه الوحيد “جواد” وبدأ عوده يقسى ويتمعظم، شرع يعتمد عليه في العمل.

كان جواد يحدثنا عن أبيه، فقال: أنا أعرف أبي رجلاً عابساً لا يحب المزاح ولا السخرية.. وذات مرة كنا، أنا وهو عائدين من ساحة الخضار باتجاه البيت، وكان ابن حارتنا المجنون (نبيه) قد وُضِعَ في غرفة من دار أهله تطل على الشارع، ولأنه شرسٌ ومحب للأذى فقد وضعوا على النافذة أعمدة حديدية أقوى من أعمدة نوافذ السجن. ومع مرورنا سمعنا نبيه يصرخ: يا أبو جواد. أبو جواد.

توقفنا. والتفت أبي نحو نبيه وقال له بسخرية مبطنة:

– خير أستاذ نبيه؟

قال نبيه: كنت عم فكر إني أضربك كفين أصعب من فراق الوالدين. ولكني هلق مشغول كتير.

فقال له أبي بهدوء: ما في مشكلة أستاذ نبيه، نستنى لحتى يصير عندك وقت. أنا هلق رايح على دارنا، وأنت خلص أشغالك وابعت لي خبر، وأنا فوراً بجي لعندك وبتضربني الكفين.

وسحبني من يدي ومشينا، ومع أنه لم يسبق له أن مازحني قال لي:

– معليش ابني، الدنيا يسر وعسر، لازم نقدر ظروفه للسيد نبيه. عم يقول إنو مو فاضي!

  • Social Links:

Leave a Reply