حكاية نصوص روتها امرأة عاطفية – مزن الأتاسي

حكاية نصوص روتها امرأة عاطفية – مزن الأتاسي

شتاء

خرائط تتمزق.. وأمي ترحل

سنة بعد سنة لم تمطر سماء البلاد، لا برد قارسًا، ولا رياح رطبة تسوق غيومًا داكنة. وألوان النهار افتقدت نكهتها الشتائية. قالوا إنها السبع العجاف، وقيل بل هي عشر، وأنا لا أستطيع التحديد، فلطالما أسقطت من نشاطاتي الذهنية التأريخ. لكنني أذكر كيف كنا في البيت نهرع إلى الشبابيك لنراقب السماء إن أعتمت قليلاً: “سوف تمطر لأن الغيوم داكنة، لا لا، لن تمطر فالرياح جنوبية شرقية، لكنهم قالوا في النشرة الجوية إنها سوف تمطر اليوم، ههههه يبدو أنك نسيت الجملة الخالدة: يكذبون حتى في النشرة الجوية، سوف يدعون إلى صلاة الاستسقاء مثل كل سنة”.

 

تلك كانت حواراتنا في مشهد متكرر، نبدأها بحماس، ثم ما تلبث أن تخفت، ويذهب كل منا إلى مشاغله وعالمه.

هكذا افتتحنا الألفية الثانية لميلاد المسيح، وفي السنة الثالثة منها انتهى الصخب الإعلامي عن الحرب، بوقوعها على الأرض، وشهدنا سقوط بغداد، وبساطير العسكر الأميركية تحتلها. هل فاجأنا سقوط بغداد السهل الذي وعدنا حاكمه أن أمريكا ستنتحر على أسوارها؟ لا أظن أنها كانت مفاجأة – ربما لأننا عشنا اجتياح إسرائيل لبيروت في ثمانينيات القرن المنصرم، كيف حدث وكيف مرّ وانقضى من دون أن تقوم القيامة، بل من دون أن تخرج مظاهرات منددة – لكننا علمنا – ولأسباب عديدة ووجيهة – أن التاريخ قرر المرور في منطقتنا، وكان معظمنا على يقين، أن سقوط البوابة الشرقية كان يعني تاريخيًا سقوط المنطقة بأسرها. هي “مسألة وقت” لا أكثر.

ولأن علاقتنا بالوقت هشة، وغير ذات بال، فقد تابعنا حياتنا العادية، لا تقطعها إلا حسراتنا أثناء نشرات الأخبار تنقل إلينا نبأ موتنا ودمار بلادنا المؤجل. إلى أن حلّ شتاء 2005 داميًا وحزينًا، ليكمل المشهد العراقي واللبناني وبينهما الفلسطيني، حيث نشأت بين العراق ولبنان علاقة وثقى، ولسوف تعبر هذه العلاقة كل الجسور وتهدم كل الحواجز وتكسر الحدود، وتربط بين البلدين عروة وثقى لا انفصام فيها. وسنشاهد على شاشات التلفزيون كيف تتمزّق خرائط الوطن بعد أن تتغطّى بدماء أبنائها. في العراق يفجّرون أنفسهم في أحياء بعضهم بعضاً لكي يعيش الوطن على خرائبه ومن دون أبنائه، وجزمات الغزاة تطأ الأرض بغطرسة المنتصر.

ونحن – المواطنين العاديين – المشنوقين على شاشات التلفزيون ننظر إلى آخر أرقامنا الملقاة جثثًا شائهة مبتورة لم يتم التعرف عليها، ونحمد الله على أن الرقم لم يتجاوز العشرين من البشر، لأن ثقافتنا الشفاهية تجبرنا أن نحمد الله دائمًا على واقع الحال، لأنه كان من المكن أن يكون أسوأ، وفي لبنان يدوي تفجير هائل في منطقة الفنادق الفاخرة يودي بحياة رئيس وزرائه وثلة من مرافقيه، وعدد من المواطنين العابرين.

بطنّ من المتفجرات اغتالوه؟ لماذا هذا الرقم تحديدًا؟ ربما في الإجابة عن هذا السؤال تكمن الحقيقة، لست أدري لماذا يحدّثني قلبي أن في هذا الرقم تكمن حقيقة الاغتيال: من؟ ولماذا؟ وكيف؟ ومن أين؟ وبقية التساؤلات الشرعية والمشروعة، هذا الرقم مهم جدًا، فأرجو لفت النظر إلى هذه الجزئية التي لم يلتفت إليها أحد، من هذا الرقم يستطيعون تحديد شخصية القاتل الحقيقي، فهو – ومن دون أدنى شك – يتحلّى بذكاء فريد، ذكاء نادر الوجود، لا يتمتع به إلا من يحمل جينات وراثية جهبذية، طن من المتفجرات لاغتيال إنسان! هذا الرقم يخبئ في طياته القاتل الحقيقي، أما المنفذ فمهمته ثانوية ومن تحصيل الحاصل بحكم أنه قاتل مأجور، لكن ما يدهشني حتى هذه اللحظة حقًا، أن هذا الطن من المتفجرات على الرغم من علوّ كعبها، وحسن سمعتها في أداء ما صنعت لأجله، لم تتمكن من تمزيق تلك الشخصية المنتقاة بعناية من أجل تشريفها بتلك الميتة الباذخة في موتها، وبقي جسده سليمًا كاملاً لم ينقص منه شيء، أو تبتر منه بعض الأجزاء الفائضة عن الحاجة كاليد أو العين أو الجمجمة، كما نرى في مشهدنا العراقي أو الفلسطيني (ربما لكي يميز القاتل نفسه عن بقية القتلة) لماذا لم يُختر له أن يدس السم في فنجان قهوته على سبيل المثال، أو يموت بفعل جرعة زائدة من دوائه (أتوقع أن يكون له دواء ما)، أو بأية وسيلة أقل ضوضاءً وضجيجًا ولا تستدعي محاكم (ذات طابع دولي)، ولا تحتاج إلى تدخل مجلس الأمم أو مجلس القمة، لو تم اغتياله بمثل إحدى تلك الطرق، لكانت ميتته اتخذت صفة “المشبوهة”، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

اختاروا أن يغتالوه في رابعة النهار، وفي المنطقة التي أعاد بناءها كما كانت تمامًا، وفي سيارة قيل (على ذمة المحقق) بأنها مسروقة (فوجئنا بأنهم يسرقون أيضًا)، وكمشة (وفي رواية أخرى حفنة) من بعض الرجال الذين شاءت حظوظهم أن يكونوا مرافقيه ماتوا في “حادثة أليمة”. ثم تتالت الاغتيالات المنتقاة على مقاس إرادة القاتل، حتى لم يبق في جسد هذا الوطن شبر إلاّ وفيه جثث مبتورة مجهولة الهوية، ومغتالون من قبل الأعداء أو بيد الأخوة الأشقاء أو نصف الأشقاء، وفدائيون مفجّرون لأرواحهم، أو معتوهون يقتلون على الهوية المذهبية أو الطائفية أو الإثنيّة، وأميركا تخاف على أمنها خلف المحيط من “القاعدة”!

في كل حال هذا من صنع الأعداء، الرجيمة إسرائيل وأمها اللعينة أميركا، ومن يرتبط بعجلاتهما من برجوازيين أجراء، ورجعيين عفنين، وعملاء مرتبطين تحت مسميات حقوق الإنسان، ومن يقف عند أبواب السفارات، ومن يسخّر قلمه لخدمة كل أولئك، ويقبض ما شاء الله من الدولارات، وما يأتي من الأعداء لا يحمل مفاجأة، ولا يثير الدهشة، ولا يبعث على الغيظ، لأنه قادم من الأعداء.

 

 

وأنا المواطنة البلهاء (مثل الجميع) مشنوقة أمام (الرائي) لعلّ خبرًا عاجلاً اليوم، يخيّب ظن الحكام المستبدين والطغاة – فيحمل لنا خلاصًا بموت أحدهم – في أقل تقدير – ولعله يكون أكثر سخاءً فتنشق الأرض عن معتصم معاصر يسمع صوت استغاثة إحدى المواطنات في أحد الأوطان النازفة فيعتلي صهوة دبابة أو صاروخ باليستي ليلبي النداء.

أما المواطنون السوريون فجلنا كان لنا في رسول الله أسوة حسنة، فهو من حنى رأسه أمام أمواج المشركين إلى أن اختار وقرّر هو زمان ومكان المعركة الفاصلة، إضافة لخبرتنا في الحروب: نحن أبطال “الحرب” وحين يؤون أوان السلام فنحن – وحدنا – سنكون أبطال “السلم”

ولالي لالي لالي

أنا سوري أه

يا نيالي

 

وفي تدبير بليل، صيغ قرار على عجل في الأمم المتحدة – تحت البند السابع – يقضي بخروج الجيش العربي السوري الباسل من لبنان، وفي الحال! ذلك لأنهم اتهموا سورية المقاومة الممانعة باغتيال رئيس وزرائهم. تلك التهمة كانت عصية على فهمنا، ذلك لأن المغدور كان حتى زمن قريب الصديق الصدوق لنظام بلدنا ورئيسه، والشريك الاقتصادي القوي في المال والأعمال والتجارة الحلال، وعراب استضافة سورية إلى مؤتمر تقيمه فرنسا من أجل “الشراكة لدول حوض البحر الأبيض المتوسط”. وكان ذلك بداية المؤامرة الكونية علينا.

في قلب هذا المشهد، وفي أتون هذه الأهوال، مرضت أمي، في بداياته وقبل أن تفقد صوتها، وقدرتها على ابتلاع حتى ريقها، كانت تقسم بالإيمان المغلظة أن “الانتفاضة” وحرب العراق كانا سبب مرضها، منذ أول يوم في الانتفاضة – هكذا كانت تؤرخ لمرضها – غصَت بريقها بسبب غيظها وحنقها، واستمر الأمر يتفاقم ويوم سقوط بغداد “أحسست أنني فقدت قدرتي على السِباب والشتم، لقد اختنقت من يومها اختنقت، تذكرت حرب الـ 48 وذهاب أخي والشباب إلى هناك، ثم عودة الذين عادوا منهم خائبين مهزومين، وحرب الـ 67 والأمهات اللواتي زرتهن أثناء الحرب وهن يبكين أحباءهن، ذهبوا (ماتوا ببلاش)”.

 

في قلب هذا الخراب العميم، تفاقم مرض أمي ثم … رحلت

 

خلل طفيف في الدماغ، خلل لا أحد يدري سببه، ولا أحد يملك له علاجًا – مثل هذه الأمراض اصطلح على تسميتها بالعضال – أي أمراض مستعصية على معرفة الإنسان الذي اخترق الفضاء، واكتشف الكثير الكثير من قوانين الطبيعة، حتى أنه تكهن بكيفية نشوء الكون، ووضع لها النظريات، إلا أنه لم يستطع أن يكتشف حتى الآن فيروس الزكام.

 

جاعت أمي وعطشت.. نحلت وهزلت،.. ورويدًا .. رويدًا.. انطفأت ثم .. رحلت

 

أمي كانت شجاعة لأنها اتخذت قرارًا بألا يجرى لها أي عمليات تطيل عمرها، أو بالحري تؤخر موتها، فيطول عذابها سدى.

 

 

أمي كانت تشفق على كرامتها الإنسانية من ذل الحاجة إلى الآخرين حتى وإن كانوا أبناءها،

أمي طالبتنا – وألحّت – بالموت الرحيم، أي إنهاء حياتها بسلام وهدوء.

 

 

نقول لها: يا أمي أنت مؤمنة بالله، وتعرفين أن هذا حرام، وتعرفين أنه لا يحق لأحد أن ينهي حياة أحد، مهما كانت المسوغات تستحق ذلك، لكنها كانت تجيبنا بصوتها الخفيض المنهك، وبتلعثم لسانها الذي أصابه الجفاف:

 

“هذا فهمكم القاصر والمتخلّف للدين، لماذا يريد الله العذاب للإنسان؟ إن الله رحمن رحيم، الحياة هي التي تخلق الأمراض وليس الله، أريد الانضمام إليه حتى أتخلص من عذابي وألوذ برحمته، أريد أن أكون بصحبته، أنهوا عذابي ولكم في هذا أجر وثواب”.

 

كانت شجاعتها تذهلني.. هي ابنة الثالثة والثمانين، كان توهج عقلها يدهشني وهي تقترب من نهايتها، بل تعلمنا كيف نعد الجنازة لها وتدلنا على “مناشفها ومناديلها” المهيأة منذ سنين طويلة لهذا اليوم.

 

هل يخيل إلينا حين نرى حبيبًا لنا فارق الحياة أننا نرى ابتسامة تطفو على وجهه؟ وأن إصبعه مرفوع بالتوحيد؟ لطالما سمعت هذه الجملة ممن فقدوا غاليًا، وأظنني رأيت ما رأوا، أو هكذا أحببت أن أرى.

 

ستتابع أيامنا سيرتها الاعتياديّة.

 

سيبقى من يبقى ويسافر من يسافر.

 

وسنعود إلى منزلك وكل منا حريص على أن يبقي الأشياء على حالها. وكما تركتها يداك.

 

وشيئًا فشيئًا ستفقد الأشياء لمسة يدك وبصمة أصابعك.

 

ستخبو اللمعة من كل شيء لمسته.

 

وشيئًا فشيئًا ستغيب تفاصيل صورتك، ولن يبقى منها سوى طيف يزورنا في المنامات

وظلال نحرص أن نسير تحتها.. وبينها.

 

نتقفى فيها أثرك.

 

ولا يتيم إلا من فقد أمه أو.. وطنه، فكيف بمن فقد الاثنين معًا؟

  • Social Links:

Leave a Reply