النزاع بين الإنتاج الصغير والإنتاج الكبير

النزاع بين الإنتاج الصغير والإنتاج الكبير

 

النزاع بين رأس المال الكبير ورأس المال الصغير في الصناعة. المصانع الكبيرة، التي تشغل أحيانا أكثر من عشرة آلاف عامل وتملك الآلات الضخمة، لم تكن موجودة دائما. لقد برزت تدريجيا ونمت على أنقاض الإنتاج الحرفي والصناعة الصغيرة. ولكي نفهم لماذا حصل هذا الشيء، يجب أن ندرك أن المنافسة –أي النزاع لاجتذاب المشترين- أمر حتمي في ظل الملكية الصغيرة والإنتاج السوقي. من يربح في هذا النزاع؟ الرابح هو الذي يعرف كيف يجتذب المشترين إليه وينتزعهم من منافسيه. وأهم وسيلة لاجتذاب المشترين إليه هي بيع السلع بسعر رخيص. من هو الذي يستطيع بيع السلع بأرخص الأسعار؟ هذا هو أول سؤال يجب أن نجيب عليه. بديهي أن المنتج الكبير يستطيع أن يبيع سلعه بسعر أرخص مما يستطيعه المنتج الصغير أو الحرفي المستقل. لأن المنتج الكبير يستطيع أن يشتري مواده بسعر أرخص. وللإنتاج الكبير عدة امتيازات على هذا الصعيد. وأول هذه الامتيازات أن الصناعي الذي يملك كمية وافرة من رأس المال يستطيع شراء أفضل الآلات والتجهيزات. أما وضع الحرفي المستقل أو الصناعي الصغير فيكون صعبا في العادة. فهو لا يستطيع شراء مولدا للكهرباء، ولا يجرؤ على التفكير بشراء آلات جيدة وكبيرة لأنه لا يملك المال الكافي لذلك. ثم إن الصناعي الصغير لا يستطيع شراء أحدث الآلات. المؤسسة الكبيرة إذن تسمح بتقنية أفضل ويد عاملة أكثر توفيرا وكلفة إنتاج أدنى.

الإنتاج الكبير يسمح بالتوفير في شتى المجالات: في الأبنية والآلات والمواد الأولية والإنارة والتدفئة وكلفة اليد العاملة واستخدام النفايات، إلى آخره. لنفترض أنه يوجد ألف مشغل صغير، وأنه يوجد أيضا مصنع كبير ينتج نفس كمية السلع التي تنتجها هذه المشاغل مجتمعة. في هذه الحالة، نجد أن بناء مصنع كبير هو أسهل من بناء ألف مشغل صغير. فنسبة هدر المواد الأولية مرتفعة في المشاغل أكثر منها في المصنع. والإنارة والتدفئة أسهل في المصنع الكبير مما هي في المشاغل الصغيرة. ثم إن المصنع يفيد أكثر من المشاغل الصغيرة من شؤون التموين والتنظيف والصيانة، الخ. باختصار، إدارة مصنع كبير أكثر توفيرا في كل جوانبها من إدارة المشاغل الصغيرة.

في شراء المواد الأولية وكل ما هو ضروري للإنتاج، بتمتع رأس المال الكبير بأفضلية على غيره. الذي يشتري بالجملة يدفع أقل ويحصل على نوعية أفضل. ثم أن صاحب المصنع الكبير أكثر إلماما بالسوق، ويعرف الأمكنة التي تبيع أرخص السلع. وفي المقابل، فإن المشغل الصغير في موقع دوني عندما يدخل السوق لبيع منتجاته. إن الأفضلية التي يتمتع بها الإنتاج الكبير لا تقتصر على كونه يعرف أين تباع ارخص السلع –وهو لهذا الغرض يملك من يسافر للبحث عنها، كما يمارس عمله في البورصة حيث تصل الأخبار المتعلقة بأسعار السلع باستمرار، ويملك العلاقات التجارية التي تشمل شتى أرجاء العالم. إن الإنتاج الكبير يستطيع أن ينتظر. فلو كان سعر منتوجه بالغ الانخفاض مثلا، يستطيع الاحتفاظ في المستودعات، ريثما يرتفع. وهذا ما لا يستطيعه المنتج الصغير. فهو يعيش ليومه. حالما يبيع سلعه، يصرف المال لسد حاجاته المباشرة. المنتج الصغير لا يملك إمكانية الانتظار. فما أن ينتج سلعته، حتى يضطر إلى بيعها كيفما كان، وإلا مات من الجوع. ومن الواضح أن هذا يضعه في موقع دوني بالمقارنة مع المنتج الكبير.

ثم أن الإنتاج الكبير يتمتع بأفضلية أخرى تتعلق بالتسليف. إن الرأسمالي الكبير يستطيع الحصول على المال عندما يحتاجه. المصارف تسلف دائما للشركات «القوية» بنسبة منخفضة من الفائدة. ولكن بالكاد تجد من هو مستعد لإقراض المنتج الصغير. وعندما ينجح في الحصول على قرض، تكون فائدته مرتفعة جدا. وهكذا يقع المنتج الصغير تحت رحمة المرابي.

كل هذه الأفضليات المرتبطة بالإنتاج الكبير تفسر لماذا لا يد للإنتاج الصغير من الانهيار في المجتمع الرأسمالي. إن رأس المال الكبير يسحق المنتج الصغير ويسلبه زبائنه، ويدفع به إلى الإفلاس بحيث يتساقط إلى مصاف البروليتاريا أو يتحول إلى مجرد متشرد متسكع. وفي حالات عديدة، يتشبث المنتج الصغير بالحياة. يصارع صراعا يائسا. يمارس العمل اليدوي بنفسه، ويجبر عماله وأفراد عائلته على بذل أقصى طاقتهم. لكنه يضطر في آخر المطاف إلى الانسحاب أمام الرأسمالي الكبير. وفي حالات عديدة تجد أن رب العمل الذي يبدو مستقلا هو في الواقع تابع كليا لرأس المال الكبير، يعمل لصالحه، ولا يجرؤ على أن يخطو خطوة واحدة بدون موافقته. والمنتج الصغير غالبا ما يكون واقعا في شباك المرابي. وبسبب تبعيته له، تجد أن يعمل لصالحه. أو تجده يعتمد عليه لبيع سلعه. وفي حالة أخرى، تجده تابعا للمتجر الذي يعمل من أجله. هنا يتحول المنتج الصغير إلى عامل مأجور في خدمة الرأسمالي الذي يملك المتجر الكبير، رغم احتفاظه باستقلاله الشكلي. وقد يمده هذا الرأسمالي بالمواد الخام وحتى بأدوات العمل… هنا يتضح أن العامل المنزلي بات يدور في فلك رأس المال.

  • Social Links:

Leave a Reply