همجية ورقص في مدينة حمص – نبيل ملحم

همجية ورقص في مدينة حمص – نبيل ملحم

همجية ورقص في مدينة حمص

نبيل ملحم

الهمجية والرقص على جثة الوطنية السورية في مدينة حمص، التي لاحظتها، وعايشتها، ورصدتها، لا تنعكس بسيطة في الوعي انعكاس صورة الشيء في المرآة…

عندما كنت أشاهد على شاشات التلفزة بعض المسلسلات التاريخية، التي تحكي عمّا فعله هولاكو في بلاد العرب. أو عندما كانت تسرح مخيلتي في الصور، وحينما كنت أقرأ في كتب التاريخ عن هول ما فعله هولاكو بنا، منذ ما يقارب عشرة القرون من الزمن، لم يكن ليخطر على بالي، أن يأتي يوم، ونتعرف فيه إلى هولاكو جديد، ونتعرف معه إلى مشاهد من الدمار، لا تفوق بما كان في الذاكرة والمخيلة عن أعمال القتل والدمار، التي قام بها  هولاكو المغولي فحسب؛ بل تفوق بشكل عربدتها، وبشكل تجلي ثقافتها، كل ما يمكن أن يبتدعه الخيال البشري. فالهمجية لا تتحدد، وتعرف في الواقع على شكل دمار وتدمير؛ بل إن أهم ما يحددها، هي: ثقافة العربدة التي تسود أثناء التدمير، وفيما يليه.

فهنا، يكشف من قام بالتدمير عن عمق هويته الهمجية، ومكنوناتها الداخلية التي ولدت، أو كانت خلف كل أعمال القتل والدمار؛ أي: إن القتل هو المحدد في النهاية، بالإضافة إلى الثقافة المولدة لهذا القتل.

إن الهول، كل الهول، في الأعمال الهمجية الحديثة التي ينفذها هولاكو هذا العصر، الذي يتربع على عرش عصابة نظام الحكم في دمشق، لا تكمن في حجم ومساحة الخراب والموت الذي أحدثه في الأرواح والعمران، وفي كل خلية وبنية من بنى المجتمع السوري؛ بل في نوع هذا الخراب، فالخراب هنا لا يطول حياة البشر والعمران فحسب؛ بل يطول الطبقات العميقة من تاريخ الهوية الوطنية السورية، أو لنقل: إنه يطول الطبقات التي أسست هذه الهوية.

إن الأيدي التي خلفت وراءها كل هذا الخراب، على مدى سبع سنوات: من القتل، والتدمير، والتهجير، والتطهير بمختلف أنواعه وأشكاله، مازالت تتابع هنا، وفي مدينة حمص عاصمة الثورة السورية، التدمير من خلال الرقص على جثة ما تم تدميره، بطريقة تفوق حتى رقصة الغريزة الحيوانية، وهي تلتهم صيدها، كما تفوق في شراهتها النزوع الحيواني الغريزي لالتهام صيده كله، دون أن يصل إلى حد الشبع، أو أن يعرف حداً له، ودون أن يعرف حداً لإرواء ظمئه.

لقد عودنا نظام العصابة في دمشق، على مدى خمسة عقود من القمع والموت، على الرقص على جثة خصومه السياسيين؛ فهو يقضي عليهم دون أدنى شفقة أو رحمة، حتى وإن كانوا من رفاق الأمس. ولا فرق عنده، إن كان خصومه على هيئة شخصيات سياسية، أو أحزاب سياسية، أو سكان مدينة سورية، أو سكان عدة مدن سورية.

ولا فرق عنده إن كانوا يمثلون قلة من المجتمع، أو يمثلون أغلبيته، ولا إن كانوا جماعات كبيرة أو صغيرة. إن ما يميز رقصة النظام- هذه الأيام- ليست وقاحتها فقط؛ بل كونها رقصة وقحة على جثة الوطنية السورية؛ إذ إن المقصود بالرقص في مدينة حمص، مع سعادينه الذين حولهم إلى  أشباه بشر، ليس التعبير عن السحق السياسي والعسكري لعاصمة الثورة السورية أو التعبير عن الانتصار على خصم سياسي عسكري، إنما الرقص على جثة الهوية الوطنية للسوريين؛ فهنا لا يتجلى هدف النظام من رفع مستوى الألم الفيزيائي والمعنوي عند الخصم المتمثل بالرقص على جثة الضحايا وعلى أنقاض بيوتهم وتاريخهم، ولا يكمن في تحقيق أعلى درجة من الإذلال والخضوع؛ بل إن الأمر يتعدى ذلك بكثير.

إن الهدف هنا- وهو هدف شبه معلن– هو إحداث قطيعة نفسية تاريخية مع الخصم، الذي هو أغلبية المجتمع السوري؛ أي: إحداث قطع مع الهوية الوطنية السورية التي صنعت عبر التاريخ، هذه الهوية التي- على ما يبدو- لم يعد النظام بحاجة لوجودها، أو لنقل: إن مصلحة النظام قد أصبحت تكمن في موت هذه الوطنية، بعد أن وجد- وعلى المكشوف- أن مصلحته تكمن في هوية سوريا المفيدة لمشاريع إيران ومعها إسرائيل؛ لأنها المفيدة لمشروع بقائه وعصيانه في الحكم إلى الأبد.

إن ما هو خطير في هذه الهمجية المعاصرة، هو أنها تقوم، وتحدث، لا على أرضية افتقاد الجماعة البشرية التي تقوم بهذه الأعمال البربرية الهمجية، على الحد الأدنى اللازم لتنظيم الوجود المادي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والعمراني لوجود المجتمع، أو نتيجة لنقص الإشراف على هذا الوجود؛ بل لأنها -وهنا نجد أحد مفارقات التاريخ- تتم في شروط محكمة من قدرة هذه الجماعات الهمجية على تنظيم وجودها المادي، كما في شروط مستوى عال من القدرة على الإشراف على الوجود المادي للمجتمع، والإشراف- كذلك- على هذه الأعمال البربرية الهمجية.

وهنا، في حالتنا السورية المروعة، تمتلك هذه الجماعات أداة ووسيلة عالية القدرة، إن كان على مستوى التنظيم أو الإشراف على هذه الجماعات أو التنظيم والإشراف على أعمالها البربرية، وهذه الأداة والوسيلة ليست إلا الدولة-السلطة، التي تحولت إلى جهاز وظيفته الأساسية- بالإضافة إلى القيام بأعمال القتل والتدمير، وإدارة أعمال القتل والسيطرة عند العصابة الحاكمة- هي تشكيل هوية خاصة بجماعة بشرية، التصقت بشكل شبه عضوي بالسلطة – الدولة.

كما أن ما هو خطير، هو أن هذه الأعمال البربرية، وهذه العربدة، وهذا العمل على تشكيل هوية جديدة، أو لنقل: تشكيل كيان جديد في سوريا الذي تقوم به عصابة النظام، لا ينال، فقط، موافقة ومباركة اليسار المخصي في سوريا، الذي باع بعض رموزه تاريخهم السياسي بثلاثين فضية طائفية، لا قيمة لها ولا رصيد، الذين يشكلون بقايا المادة المخاطية اللزجة، التي تركتها وراءها نظم العبوديات التي عرفها القرن العشرين في الساحة السورية وغيرها، التي لا تزال منتشرة هنا وهناك في بقاع العالم، بل ونجد أيضاً مباركة النظام العالمي الرأسمالي، الذي يدعي الحضارة والتحضر، لهذه البربرية والعربدة التي تحدث فصولها ومشاهدها أمام ناظريه وبمباركته في المحصلة النهائية …

  • Social Links:

Leave a Reply