عبدالله خليفة: محاكمة علي بابا ــ قصة قصيرة

عبدالله خليفة: محاكمة علي بابا ــ قصة قصيرة

عبدالله خليفة: محاكمة علي بابا ــ قصة قصيرة

   المذيع : حدث ما لم يكن متوقعاً، حدث الأمر الرهيب، قل إن الشمس انفلقت، قل إن القمر سقط في قعر المحيط ! فمن يتخيل إن علي بابا بكل عظمته التي لم ترتعش وتهتز طوال أربعين سنة، يُقاد مخفوراً إلى المحكمة، يوضع في سيارة عسكرية مكشوفة، وهي تسير في الأسواق الضيقة، وحشود الباعة والمارة تترك حوانيتها و مقاهيها وتحدق في الرجل الجليل، الذي لم ير أبداً مثل هذه الدروب، ولم  يشاهد هذه الوجوه المعروقة، والظهور المكسورة، والشوارع الزلقة ؟

   هل تصدقون ذلك أيها السادة ؟ إنني أصور لكم المشاهد لحظة بلحظة، ولكن الكاميرا لا تستطيع أن تندس وتلاحق ذلك «الجيب» المغطى بالقضبان، المندفع، والرجل الكهل يخفي ملامحه بغترته، التي غدت صفراء ذابلة، و أين كان منها ذلك التاج المتلألئ، وحشود الحرس شاكية السلاح، والسيارات السوداء الطويلة التي تمرق مروق البرق، صارخة بأبواقها و درجات مرورها النارية، قافزة ضلوع المشاة والإشارات والهدوء ؟

   إننا نتقدم الآن نحو المحكمة. ثمة زحام هائل. العدسات تنهمر نوراً على السيارة المتوقفة. وها هو السيد علي بابا، حاكم المدينة السابق يترجل.. أنتم ترونه الآن. كم هو كهل؟ من كان يتصوره بمثل هذا الجسد النحيف المرهف؟ كم تبدو عليه علامات المسكنة والطيبة والبراءة ! ها هو حارس مجهول يجره نحو السلم ..!

   لقطات الكاميرا: تدفق رهيب من الناس. علي بابا غير قادر على اختراق كتل المصورين والميكروفونات والأيدي والرؤوس. صراخ. ثمة رجل يسقط في الزحام . آخرون يمسكون الحاجز. الضجة تتعالى. طابورٌ من العسكر يزيح المحتشدين .علي بابا يختلط بأرباب السوابق الذين قذفتهم شاحنة. تدافعٌ . سقوط ٌ. ثمة أناس ذوي بدلات فاخرة يصرخون:

   ــ امنعوا هذه المهزلة !هذا عارٌ !

   الصورُ تضطرب. الوجوه تختلط بمرأى الأقدام والأحذية والبلاط .

   المذيع: لا زلنا معكم أيها السادة ، وقد رأيتم كيف كان الزحام رهيباً، وقد تعثر مصورنا، ولكن ها نحن الآن ندخل قاعة المحكمة الكبرى، ولاتزال كتل البشر تموج بنا..

   أنتم تطالعون الآن: وزراء سابقين، موظفين كباراً، رؤساء قبائل وأحزاب، وعامة مغمورين متألمين .

   إن كل الأمة تنتظر. كل وجوه الناس تحدق في المصاب العظيم .

   لقطات الكاميرا: تنفتح بوابة القاعة، تمتلئ المحكمة بالحضور المتدافع على مقاعدها ، يبرز علي بابا في قفص الاتهام . وجهه يكبر شيئاً فشيئاً، تظهر التهدلات والخطوط المنتفخة أسفل العينين، والوجه العظمي غائر الخدين، والشوارب والأهداب واللحية زال عنها اللون الأسود .

   يحصل هرجٌ مفاجئ، الحضور في نهوض مباغت، القضاة يأخذون أمكنتهم البارزة في صدر القاعة، يحدقون لحظة إلى المتهم، ثم يتهامسون، وتبدأ الجلسة .

الادعاء يتكلم قليلاً، ويبدو مرتبكاً، متطلعاً إلى البوابة، ويروح يعدد تهماً..

   يحدث قطع أثناء تلكؤ الادعاء، ويبرز رجلٌ من صف المحامين مبتسماً. تبدو ملامحه صخرية، ونظراته ثاقبة قوية.

   المحامي :(متقدماً بمهل وكبرياء) أنتم ترون أيها الحضور الكريم، إن الادعاء ليست لديه أية تهمة جدية ضد موكلي. يتحدث عن الجرائم والفساد دون أي دليل واحد. إنه يلطخ سمعة هذا الحاكم الجليل الذي خدم المدينة طوال أربعين عاماً ، لم يتزحزح فيها يوماً واحداً عن كرسي المسئولية. ماذا كانت هذه المدينة قبل أن يحكمها؟ مجرد قرية صغيرة حقيرة (أصوات مستنكرة) ثم جاء هذا الهمام، وغير كل شيء فيها. أصبحت مدينة عملاقة. لقد كان هناك لصوص سرقوا كل خيرات الأرض ووضعوها في كهف لهم . هو وحده الذي عرف كلمة السر، وفتح البوابة السحرية وأفاض على الناس من كنوزها.. من يتذكر شيئاً آخر؟! منذ صغرنا ونحن نطالع هذه الصورة البهية: علي بابا وهو يقود جحافل الناس للاستحواذ على الذهب والجواهر والمال، ويحولها إلى نافورات وطرق ونجوم. لقد حاول الادعاء أن يجلب شهوداً فراحوا يتمتمون ويهذون دون أن ينكروا هذه الحقيقة التي حفظها الأطفال مع الحليب .

   علي بابا.. علي بابا.. هو الذي فتح الكنز.. هو الذي شيد ناطحات السحاب.. هو الذي أجرى الماء من الأرض اليباب، هو الذي شق النهر الأزرق ووضع الحدائق المعلقة وملأ البحر بالسمك، والبراري بالغزلان، والشوارع بالمقاهي، والرؤوس بالأفكار والمشاعر، والتلفزيون بالأخبار. إنني أتحدى الادعاء أن يُحضر أية ورقة تثبت إن الأطفال لم يولدوا بعنايته، والطرق والمجاري لم تنطلق باسمه، والفنادق والمتاجر لم تظهر في أرضه..

   الادعاء: امنحوني أيها القضاة الموقرين قليلاً من الوقت بانتظار الشاهد الأخير، إنه الرجل الوحيد الباقي من الجماعة التي قيل إنها عصابة الأربعين حرامي..

   المحامي: ( مقاطعاً ) إلى متى ننتظر؟ وأين كان شاهدك طوال هذا الوقت ؟

   الادعاء: إنه في.. مستشفى ..الأعصاب ..

   المحامي: (ساخراً) هل يمكن للمحكمة الموقرة، وهذه الجلسة التاريخية، أن تنتظرا مريضاً.. من .. من مستشفى المجانين ؟!

   ينفتح الباب ويتقدم رجلٌ كهل بحذر. لغوٌ وصخبٌ ثم يحل هدوءٌ عميق والرجل يصل المنصة أخيراً..

   الرجل: من الغريب أن تنتظر هذه المدينة رجلاً مغموراً يعيد إليها ذاكرتها وكل هؤلاء الزعماء والعلماء يملأون شوارعها ومحاكمها. ترددتُ في المجيء إلى هنا. لم أصدق أبداً إنه يمكن أن يُقبض على هذا الرجل. أربعون عاماً وأنا أبلع المسامير والحبوب والطعام الملوث في مستشفى الأعصاب. كل رفاقي الذين كنا نحمي بيت المال طبخوا أو سجنوا أو عذبوا حتى الموت.. ثم أستبدل الأمر بحكاية مضحكة..

   هذا الرجل القابع في القفص كان بدوياً وقاطع طريق ومطلوباً للعدالة. جاء إلى المدينة وهي مزدهرة ، مليئة بالبساتين والمعامل والأطفال الحلوين، وكانت غاباتها تتحد بالجبال.. انظروا الآن إلى الرمال وهي تملأ النوافير والعيون! والأولاد يبيعون جودهم والحبوب.. لماذا تحدقون اليّ مذهولين ومستنكرين ..؟!

   كان يقود ثلة من المجرمين واحتلوا بيت المال وأخذوا الذهب وسندات التنمية ومدخرات العمال والأجيال وحلي النساء. هل يمكن أن يُفتح جبل بكلمة سم سم ؟! أتعرفون ماذا تعني هذه الكلمة ؟ إنها صيحات المعذبيِّن وهم يصبون الحمم في آذان رفاقي ..

   ( قطع ) . كانوا يقيمون حفلات الشواء في أجساد ..( قطع )..

   ( الكاميرا مسلطة على وجه رئيس القضاة): تعلن المحكمة براءة المتهم المدعو علي بابا من التهم المنسوبة إليه لعدم كفاية الأدلة، وعودة الشاهد.. إلى علاجه..

صخبٌ وضجة عارمة .

   المذيع: (بسرور ودهشة) ها أنتم أيها المشاهدون الكرام ترون وتسمعون الكلمة الفصل.. التي ..

( اهتزازات حادة وانقطاع للبث ! ) .

  • Social Links:

Leave a Reply