القداحة الضائعة – رؤى عبد الصمد

القداحة الضائعة – رؤى عبد الصمد

القداحة الضائعة

(قصة من قريتنا من ثلاثة فصول)

رؤى عبد الصمد

(١)

صطوف !!

صطفوف هو راعي القرية ، ليس عنده أغنام و لا ماعز ، و لكنه يرعى أغنام و ماعز القرية ، مقابل أجرة معينة ، لديه فقط كلب و حمار ، يساعدانه في رعي القطيع ، لم يكن لديه زوجة و لا أولاد ، كان رجلا” (على البركة ) كما كنا نسميه في القرية ، أي ساذجا” جدا” جدا” .

كان يذهب صباحا” مع القطيع و يعود مساء” ، و كان طوال النهار يعزف على الناي تحت الشمس ، بينما كان الكلب يقوم بحراسة القطيع و منع من الابتعاد ..

لم يكن يصوم و لا يصلي ، بل إنه لا يعرف كيفية الصلاة ، كان رجلا” جاهلا” ، و لكن كان يحترم رجال الدين ، خصوصا” شيخ القرية ، الشيخ سمعان ..

صطوف يرتدي دائما” معطفه (الخاكي ) (البردسون) بلون أخضر ..، يبدو أنه كان لأحد جنود الاحتلال الفرنسي ، (معطف عسكري )، كان صطوف يرتدي هذا المعطف صيفا” شتاءً ، في عز حرارة الصيف كان يلبسه ، حتى يبدو أنه كان ينام فيه !!

لذلك كان الناس في القرية إذا رأوا أحدهم يلبس مثلا” كنزة ، حين يكون الجو دافئا” يسخرون منه و يقولون :

-شو ؟ صطوف بردان ؟!!

(٢)

حريق البيادر

في الصيف في قريتنا دائما” مشاكل ، و خصوصا” في موسم البيادر ، فلا يكاد يمر صيف إلا و يحترق بيدرين أو ثلاثة ، كان أولاد القرية في الصيف (لا شغلة و لا عملة ) ، فلا مدرسة ، و لا معسكرات طلائع ، كانوا يلعبون على البيادر تلك القترة ، و كان أكثرهم أشقياء ، و أحيانا” يخطر ببالهم أن يحرقوا أحد البيادر ، في بعض الحالات يخططون جميعا” لحرق بيدرين أو ثلاثة معا” ، و أحيانا” إذا انزعج أحدهم من الآخر فيأتي خلسة و يحرق بيدر أهله ، لذلك تقع الكثير من المشاكل بين الأهالي بسبب ذلك ، و كل يكيل الاتهامات للآخر ، و لكن عادة يكتشف الفاعل ، فهم بالنتيجة أولاد صغار ، ليس لهم قدرة الحكومات على إخفاء الأدلة !!

(٣)

الشيخ سمعان

البارحة احترق بيدر بيت أبو صبحي ، أصابع الاتهام اتجهت فورا” لابن عاصي لأن ابن أبو صبحي الكبير ضرب ابن عاصي منذ فترة ، و حدثت يومها مشكلة كبيرة بين العائلتين ، جيران البيدر بيت عموشة أكدوا أن ابن عاصم كان في ذلك الوقت قرب بيدر بيت أبو صبحي ، حمودة رفيق ابن عاصي أكد أنه كان يخطط لحرق البيدر ..كل الدلائل تؤكد ان ابن عاصي هو المجرم ، و بالفعل اعترف بالجريمة فورا” عندما حضر الجيران و حققوا مع ابن عاصي ..

بيت أبو صبحي هجموا على بيت عاصم ، سبوا و شتموا بعضهم و كان أبو صبحي يريد ضرب عاصم و لكن الجيران تدخلوا و أبعدوهما عن بعض ..

ثم اقترحوا أن يذهبوا جميعا” إلى الشيخ سمعان و يفتي لهم وفق الشرع بالقضية ..

قبل الطرفان و ذهبوا مع باقي الجيران إلى الشيخ سمعان و شرحوا له القضية ، بعد تفكير و مراجعة بعض الكتب الصفراء العتيقة قال الشيخ سمعان :

-العين بالعين و السن بالسن ..

لذلك يحق لك يا أبو صبحي أن تحرق بيدر عاصم كما حرق ابنه بيدرك ، قضي الأمر الذي فيه تستفتيان !!

سكت الجميع ..

ثم قال عاصم : سمعا” و طاعة يا شيخي ، إذا هادا حكم الله أنا ما فيني خالفه ، و حسبي الله و نعم الوكيل

قال الشيخ :

-إذا” هيا على بركة الله ، لننطلق جميعا” و ننفذ شرع الله !!

(٤)

القداحة !!

على الطريق استأذن أبو صبحي و طلب أن يذهب و يحضر القداحة من البيت ، لم يكن أحدا” منهم يدخن ، ذهبوا معه ، جلب القداحة و حضرت معه زوجته و أولاده ثم تجمع عدد كبير من أهالي القرية و توجهوا باتجاه البيادر (و كنت أنا من بين من توجه إلى هناك و كنت لازلت طفلا” في التاسعة)

طوال الطريق كانت زوجة عاصم تدعو على بيت أبو صبحي و تبكي :

-ان شاء الله قلبكم بحترق يا بيت أبو صبحي ، جنا السنة كلها بدكم تحرقولنا ياه ، الله لا يوفقكم ، ان شاء بحترف جوف جوفكم

أم صبحي ردت عليها مرة :

-ليش انتو ما حرقتوا قلبنا عند ما ابنكم المقوس حرق بيدرنا ، و الله بنا نحرق بيدركم و نحرق قلوبكم كمان

أبو صبحي ، أشار لزوجته أن تسكت ، و عاصم طلب من امرأته أن تبتعد ، فتخلفت عن الجميع حوالي عشرين مترا” ، و لكنها بقيت تدعو و تبكي و ترش أحيانا” على وجهها التراب، و هي تمشي خلف الجميع و تو لول بين الحين و الآخر ، بينما أم صبحي التزمت الصمت خوفا” من زوجها

هناك قال الشيخ سمعان : هيا يا أبو صبحي خذ حقك الذي شرعه الله لك ،

هنا أخرج أبو صبحي القداحة من جيبه ، قدح أول مرة فلم تشتعل القداحة ، أراد أن يحاول ثانية و في هذه اللحظة كان الراعي صطوف يمر بقطيعه قرب البيادر ، و عندما شاهد جموع الأهالي مجتمعين ظن أن هناك حادثا” ما ، و مثل البرق نزل عن حماره و أسرع باتجاه الجمع ، و خلال ثواني كان مثل النمر بيننا ، و سأل بلهفة :

خير ان شاء الله يا جماعة شو في؟!.. مرحبا شيخي …

شرحوا له الأمر بسرعة ، فسأل صطوف الشيخ سمعان :

-ما في غير هيك حل شيخي ؟

-شلون يعني غير حل ؟ هادا شرع الله و لا فجل ؟

أجاب صطوف :

-لا شيخي أستغفر الله ، بس قلت لحالي ، دبرا من عندك من هون من هون

غضب الشيخ صطوف و صرخ :

-لك شو انتي ما بتفهم ، يعني أنا عبجيب من بيت أبوي فتاوي ، شقفة واحد فاسق سكرجي بدك تعلمنا الدين

-هنا انزعج الأهالي أيضا” من صطوف و قالوا له :

– يلاه صطوف ركاب جحشك و قول الله

-ما بقي غير صطوف يحكم بيناتنا

-شو رأيك صطوف تندار تصلي فينا إمام ؟!

صطوف غضب احمر و اصفر ، نظر باتجاه الرجلين صاحبي المشكلة أبو صطوف و عاصم علهما يسعفانه ، أب. صبحي تطلع إليه ، كان يبحث عن حل أفضل و لكن ماذا يفعل هكذا حكم الشرع ، و هنا قال صطوف :

-أنا عندي غير حل !!!

و هنا صج كل الأهالي بالغضب و السخرية و صاحوا :

-انتي بدك تفتي و لك صطوف ، اي روح نضف طيزك بالأول و بعدين تعال

– هادا و الله اللي كان ناقصنا ، صطوف صار قاضينا

صرخ صطوف :

-طيب اسمعوني ..

جاوب الشيخ سمعان :

-لك شو بنا نسمعك ، القضية واضحة متل عين الشمس ، واحد حرق للتاني ببدر شو بيعمل ، ؟! العين بالعين و السن بالسن ، و لا انتا أفهم من الشرع ؟!

صرخ صطوف من جديد و هو ينظر إلى صاحبي القضية :

-طيب اسمعوني ..

و في لحظة حاسمة ، قال أبو صبحي بجبروت :

-قول يا صطوف!!

هنا غضب الشيخ سمعان تطلع إلى أبو صبحي بغضب و لكن أبو صبحي تجاهله و أعاد على صطوف :

-قول يا صطوف !!

و هنا قال صطوف :

-يا أبو صبحي ، هلق انتي اذا حرقت البيدر شو رح تستفيد ..ماشي ..و بعد كم شهر جاييك الشتي و بدك حنطة و طحين و برغل و خبز …عندك يا صبحي ؟

قال صبحي :

-لا و الله ما عندي

قال صطوف :

طيب بدل ما تحرق البيدر تعالوا نقسم هالبيدر بالنص ، انتي بتاخد نص و عاصم بياخد نص ، و هيك بنفترض البيدر اللي احترق كان نصه الك و نصه لعاصم ، و البيدر هاد نصه الك و نصه لعاصم ، و هيك بيصير العين بالعين و السن بالسن شو رأيك يا شيخي ؟

نظر صطوف باتجاه الشيخ سمعان ينتظر الجواب , فانقلبت سحنة الشيخ سمعان ، دار وجهه و قال :

-اصطفلوا منكم لبعض ، حلو مشاكلكم لحالكم

وثم اتجه إلى القرية غاضبا” لوحده دون أن يسلم على أحد ..

و هنا نظر الناس كلهم إلى أبو صبحي ، ماذا ستكون ردة فعله ، عاد صطوف و سأله :

-شو رأيك يا أبو صبحي ؟

لحظة حاسمة ، و حرجة ، الكل بانتظار قرار أبو صبحي ، هل يخاف الشرع و يقبل كلام صطوف ، أم يشعل البيدر ..

و عندها تحسس أبو صبحي قداحته .. و بلمح البصر قذف أبو صبحي القداحة بأقصى قوته بعيدا” ، ثم اندفع إلى عاصم يقبله ، و عاصم يبكي و يقول :

-،أصيل يا أبو صبحي ، أصيل يا أبو صبحي ..!!

تأثر الجميع ، (لم يكونوا بعد يعرفون التصفيق ) و كانوا يقولون :

-الله يبارك فيك يا أبو صبحي ، الله يبارك فيك !!

(٦)

القداحة الضائعة

انهمك الرجال بتقسيم البيدر ، كانوا كلهم يشاركون ..و كنا نحن أيضا” نشاركهم ، و لكنهم كانوا يصرخون بنا أن نبتعد ، لأننا كنا نضايقهم ليس أكثر ..، و بينما كنا نراقب الرجال و هم يقسمون البيدر إذا أحد الأولاد ركض بالاتجاه الذي رمى فيه أبو صبحي القداحة ثم صاح :

-أنا رايح دور عا القداحة !!

و هنا كلنا طمعنا بالقداحة ، ركضنا نتسابق خلفه ، حتى وصلنا إلى المكان الذي توقعنا أن تصل إليه القداحة حين رماها أبو صبحي ، و صرنا نبحث ، نبحث و نبحث و نبحث ..و لم نجدها ..

و عندها عدنا كلنا خائبي الأمل بينما كنا عاقدين العزم على أن نعود مجددا” في يوم آخر لأن الوقت قد تأخر و بدأ يحل المساء ..

و فعلا” عدنا في اليوم التالي ، و لم نجد شيئا” ، كانت قداحة رخيصة لا قيمة لها ، و لكنها بالنسبة للأولاد تعتبر كنزا” ، و كنا نتنافس من سيعثر عليها ..

مرت سنوات ، و كنا نعود أحيانا” إلى مكان تلك القداحة و نبحث و نبحث دون جدوى ..

بعد سنين..كبرنا و كبرت القرية ، و اختفت البيادر ، و لكن بقيت تلك المنطقة تسمى ، أرض قداحة أبو صبحي ..

امتد العمران إلى تلك المنطقة ، و شيدت أبنية حديثة مرتفعة ، و سميت تلك الحارة و ما تزال :

(حارة القداحة )

كل هذه السنين لم يعثر على القداحة ، و لكن بقي اسمها و كبر ، كانت تلك القداحة لا تريدنا أن نعثر عليها ، لتبقى في ذاكرتنا و تبقى دائما” تنبهنا إلى أنه هناك دائما” بديلا” عن الحريق !!!

2016

  • Social Links:

Leave a Reply