الولايات المتحدة الأميركية تخرج من الصفقة النووية الإيرانية. ماذا بعد؟ – سمير رمان

الولايات المتحدة الأميركية تخرج من الصفقة النووية الإيرانية. ماذا بعد؟ – سمير رمان

الولايات المتحدة الأميركية تخرج من الصفقة النووية الإيرانية. ماذا بعد؟

سمير رمان

أدلى رئيس الولايات المتحدة الأميركية بخطابٍ، أعلن فيه خروج واشنطن مما يسمى الصفقة النووية مع إيران، وفي الوقت نفسه فرض العقوبات نفسها، التي سبق أن رُفعت عن الجمهورية الإسلامية عام 2015. وتمّ التوقيع على القرار بحضور حشد ٍكبير من الصحفيين المعتمدين في البيت الأبيض.

كان ترامب قد انتقد الاتفاق، خلال حملته الانتخابية، ووصفه بـ “الصفقة الأسوأ على مرّ الأوقات”، ووعد حينذاك إمّا بالخروج منها من جانبٍ واحد، أو “تغييرها بشكلٍ جذري واستكمالها”. من جانبها، رفضت طهران رسميًا إعادة النظر بشروط الاتفاق، المبرم مع إدارة الرئيس الأميركي السابق أوباما وقادة خمس دولٍ أُخرى.

كان الهدف من الاتفاق المسمّى “خطة العمل الشاملة والمشتركة”، ضمان التزام إيران بنظام عدم انتشار السلاح النووي.

لقاء الرفع التدريجي للعقوبات عنها تخلّت الجمهورية الإسلامية عن الجزء الأكبر من أجهزة الطرد المركزي لتخصيب الأورانيوم، وسمحت بإخراج أو تدمير كلّ الأورانيوم المخصب، بإشراف الوكالة للدولية للطاقة الذرية، كما ألزمت نفسها بعددٍ من الشروط الإضافية. وتمّ، بشكلٍ خاص، تفكيك المفاعلات النووية العاملة بالماء الثقيل الذي يمكن استخدامه في إنتاج البلوتونيوم المعدّ لإنتاج السلاح النووي.

غير أنّ الأهمّ في الاتفاق النووي مع إيران كان التزام إيران باتفاق منع انتشار السلاح النووي، الأمر الذي يعني فرض الرقابة على الطاقة النووية السلمية، من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

يشير معارضو صفقة عام 2015 إلى أنّ القيود المفروضة على نسبة تخصيب اليورانيوم أعلى من النسبة الضرورية لعمل محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية، تقتصر على 15 عامًا (أي حتى عام 2030)، أمّا القيود على إنتاجية الطرد المركزي فحتى عام 2025 فقط. وهذا ما سمح لترامب بالتصريح بأنّ إيران ستقوم بعد 7 سنواتٍ بالبدء بإنتاج السلاح النووي. من الناحية الشكلية، هذا صحيح، ولكن نظريًا فقط.

على عكس اليابان، الهند، إسرائيل، باكستان والكثير غيرها من الدول، حرّم على إيران -إلى الأبد- القيام بعددٍ متسلسلٍ من الأبحاث العلمية والتصميمات التكنولوجية، التي تساعدها في إنتاج قذائف نووية. وتعدّ هذه القيود فريدةً من نوعها، حيث لم يفرض بعضها حتى على ليبيا من قبل.

عدا ذلك، فإن لوكالة الطاقة الذرية -وهي التي تمتلك الصلاحية بفرض رقابةٍ عاجلة على برنامج طهران النووي- الحقّ بالتأكّد من التزام الجمهورية الإسلامية بالصفقة.

بالطبع، ليس من السهل على مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية العمل على الأراضي الإيرانية؛ إذ لا يسمح لهم بزيارة بعض المواقع العسكرية، ويضطرون في كلّ مرّة إلى مساومة الإيرانيين على شروط إجراء التفتيش. وهذا مفهومٌ، فطهران تُجرُّ إلى حربٍ في الشرق الأوسط، ولهذا فإنّ من الممكن تفسير قلّة ثقتها بممثلي المؤسسات فوق القومية.

وعلى الرغم من كلّ ذلك، فقد أوضحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية غير مرّة، أنّ إيران تلتزم بجميع بنود الاتفاق النووي. ومن ناحيةٍ أخرى، وردًا على خروج الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي، توعّدت قيادة الجمهورية الإسلامية باستئناف برنامجها النووي العسكري المحتمل. ولهذا حاول القادة الأوروبيون، رجال السياسة الخارجية الأميركية الواقعيون، المعارضة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية وكذلك العديد من المحافظين -من باتريك بيوكنين حتى السيناتور ريند بول- ثني ترامب من القضاء على “الخطة المشتركة الشاملة”.

وبحسب رأي هؤلاء، فإنّه من دون الاتفاق سيكون سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط أشدّ قوة، وليس أقلّ حدة. كما ستفقد الأمم المتحدة ذراع التأثير الدبلوماسي على طهران، وستظهر لدى القيادة الإيرانية الأسس التي تسمح لها بمنع دخول المفتشين الدوليين إلى البلاد، وتتيح لها عدم الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع واشنطن.

وبالمناسبة، لم تستطع هذه الحجج إقناع ترامب، ليس لأنّه لا يفهم هذا المنطق، بل لأنّ الأمر لا يتعلق ببرنامج إيران النووي. في خطابه، لم يحاول قائد “العالم الحرّ” إخفاء أنّ الدافع الرئيس للخروج من الاتفاق ليس بسبب العيوب الشكلية التي شابت عمل وكالة الطاقة الذرية. فإنّ ما يقلق إدارة البيت الأبيض ولوبي واشنطن هو النفوذ المتصاعد لطهران في المنطقة. “دعم الإرهاب” هو الصفة التي أطلقها الخطاب على نجاحات الجمهورية الإسلامية في حربها الهجينة والطويلة والمضنية ضدّ العربية السعودية وإسرائيل.

بسبب العلاقة الواضحة بين المجموعة اللبنانية “حزب الله” مع طهران، تكرر مؤسسات الحزب الجمهوري خلف إسرائيل التعويذة حول إيران كـ “أكبر راعٍ للإرهاب في العالم”. غير أنّ مستشاري ترامب، الذين كتبوا خطابه، اتهموا الجمهورية الإسلامية أيضًا بدعم حركة (حماس) والقاعدة. وهذه مبالغةٌ واضحة!

كانت (حماس) على الدوام تتلقى الدعم من الرياض أكثر مما تتلقاه من طهران. أمّا فيما يخصّ القاعدة والتشكيلات المرتبطة معها، فإنّ الجيش السوري يخوض معارك ضارية معها على مدى سنواتٍ طويلة، تسانده في ذلك الميليشيات الشيعية (ومن بينها حزب الله) وبقيادةٍ مباشرة من الخبراء العسكريين الإيرانيين. كما لعبت الميليشيات الموالية لإيران في العراق (التي وصفها ترامب بـ “التحدي لأمن المنطقة”)، قد لعبت دورًا مهمًّا في تحرير أجزاءٍ واسعة في العراق من تنظيم (داعش).

عمليًا، نجحت إيران في بناء “هلالها الشيعي”، من الخليج (الفارسي) إلى البحر المتوسط. ويبدو أنّ هذا يشكّل تهديدًا لإسرائيل. فـ “حزب الله” الذي حصل على خبرةٍ قتالية لا تقدر بثمن من تجربته في سورية (إضافة إلى أسلحةٍ حديثة من طهران على ما يبدو)، يهدد إسرائيل من الشمال، في حين تنتشر القواعد العسكرية الإيرانية على الأراضي السورية بالقرب من حدود الدولة العبرية الشرقية.

يوم الأحد الماضي، جرت الانتخابات البرلمانية اللبنانية، حيث عزّز “حزب الله” مواقعه فيها. وفي الـ 12 من شهر أيار/ مايو تجري الانتخابات البرلمانية العراقية، حيث يتوقّع فوز القوائم الموالية لإيران.

تخوفات بنيامين نتنياهو مفهومة، حيث يمكن تصور خارطته للعالم الآن، وكأنّ “العدو على الأبواب”. ولهذا يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي جرّ الولايات المتحدة الأميركية إلى الحرب ضدّ إيران. أمّا الجلوس على طاولة المفاوضات فلا يليق بزعيم الليكود، على ما يبدو.

ولهذا شهدنا إدّعاءاتٍ من قبيل التي بناها “بيبي” حول وثائق الأرشيف البرنامج النووي الإيراني التي سرقها الموساد من إيران. وحول هذه الوثائق، حتى كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي السابقة، لم تتوان عن القول: “لا شيء جديدًا”.

يراقب رجال السياسة الخارجية الأميركية الواقعيون بذعرٍ كيف تسبح واشنطن في تيار نتنياهو. ففي السابع من أيار/ مايو، ظهرت على موقع The National Interest واسع الانتشار، مقالة لبروفيسور جامعة هارفارد غريم غيليسون بعنوان مثير: (لا تسمحوا لبيبي أن يبيعنا حربًا جديدة). يلفت غيليسون الانتباه في مقالته ويجذب اهتمام القرّاء ليس فقط إلى حقيقةٍ جلية هي أنّ “نتنياهو ليس كلّ إسرائيل”، بل أيضًا إلى موقف الكثير من قادة الأجهزة الأمنية في تل أبيب. وبشكلٍ خاص، يورد الكاتب كلمات رئيس هيئة الأركان العامة لجيش الدفاع الإسرائيلي غادي آيزنكوت:

“في الوقت الراهن، الاتفاق النووي الإيراني، مع كلّ ما يشوبه من نواقص، يعمل ويحول دون تنفيذ إيران مخططاتها النووية خلال الـ 10- 15 سنة القادمة”. آيزنكوت ليس وحده في تقييماته. ففي الأسبوع الماضي نشر 26 من كبار القادة العسكريين وموظفي الأجهزة الاستخباراتية في الدولة اليهودية رسالةً مفتوحة حذروا فيها من أنّ “خروج الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي سيضر بالاتفاق نفسه، وبأمن إسرائيل أيضًا”. وعلى الرغم من ذلك، حصل خروج الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق. فهل باع “بيبي” واشنطن حربًا جديدة في الشرق الأوسط؟

إذا استمعنا إلى المتشائمين، فالجواب نعم. العالم يقف الآن على أبواب حربٍ كبيرة في المنطقة، التي يمكن أن تتحول إلى كارثةٍ عالمية.

إنّ تطور الأحداث على هذا الاتجاه، قد يصبح تطورًا كارثيًا بالنسبة إلى إدارة ترامب. من الصعوبة بمكانٍ القول إنّ ترامب لم يدرك ذلك، وهو الذي قلّل مجتمع الخبراء العالميين من شأن قدراته التفاوضية. نعم، ترامب أقدم على مفاقمة الوضع بشكلٍ واضح (وقد فعل ذلك غير مرّة)، ولكنّه ترك الباب مواربًا للمساومات المقبلة.

في نهاية كلمته قال ترامب: “يقول القادة الإيرانيون إنّهم سيرفضون تعديل الصفقة. حسنًا، هذا أمرٌ طبيعيّ. فلو كنت مكانهم لقلت شيئًا مماثلًا. ولكنَّ الواقع أنّهم سيرغبون في واقع الأمر بإبرام صفقةٍ جديدة طويلة الأجل، تناسب إيران والشعب الإيراني. وعندما يبدون مثل هذه الرغبة، سأكون جاهزًا، وسأقبلها بكلّ رغبة وإرادة. بإمكان إيران توقع مستقبلٍ رائع. السلام والاستقرار -وهو ما نريده جميعنا- يمكن أن يحلّ في الشرق الأوسط”.

جزئيًّا، يبدو هذا الكلام كإنذارٍ، ولكنّ كلمات ترامب تتضمن دعوةً واضحة للحوار: “لو كنت مكانهم لفعلت الشيء نفسه!”.

وفي الوقت نفسه، عندما أنهى الرئيس الأميركي خطابه، كانت طائرة وزير خارجيته مايك بومبيو تحطّ في بيونغ يانغ، لعقد لقاء جديد مع الرئيس كيم جونغ أون.

وأخيرًا، لم يكن مستغربًا ألا يعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني خروج إيران من الاتفاق النووي. على العكس من ذلك، في معرض ردّه على هجوم ترامب أكّد روحاني على “المحافظة على الصفقة”، من دون مشاركة الولايات المتحدة الأميركية. ويمكن القول إنّ هذا كان إشارة إلى أنّ الإرادة الطيبة لا تأتي وحدها “بالسلام والاستقرار”، إلى منطقة الشرق الأوسط.

  • Social Links:

Leave a Reply