الديمقراطية في “المؤشر العربي” – خليل العناني

الديمقراطية في “المؤشر العربي” – خليل العناني

خليل العناني يكتب: الديمقراطية في “المؤشر العربي”

خليل العناني

أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات النسخة السادسة من استطلاعه الواسع للرأي العام العربي الذي يجريه كل عام، ويتناول قضايا ومسائل مختلفة. استطلاع هذا العام، والذي تم الإعلان عن نتائجه أول من أمس الأربعاء (9/5/2018)، يختلف عن نسخته السابقة في عدة أمور، أولها أنه يأتي بعد مرور نحو عام على بدء الأزمة الخليجيةأوائل يونيو/ حزيران الماضي، علما أن الاستطلاع قد شمل مصر والسعودية، على الرغم من صعوبات واجهت القيام به في البلدين. وثانيها أنه الاستطلاع الأول منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب للبيت الأبيض قبل عام ونصف العام، وهو ما انعكس على نظرة المستجيبين للولايات المتحدة، والتي ازدادت سوءاً، فوصلت إلى نسبة 70%. وثالثها أنه يأتي في ظل تحولات عميقة، جرت في المنطقة العربية على مدار العام الماضي، ولا تزال تداعياتها ماثلة، وذلك سواء على صعيد القضية الفلسطينية، خصوصا على خلفية قرار ترامب نقل سفارة بلاده إلى مدينة القدس المحتلة، أو هرولة بعض الحكام العرب للتطبيع المجاني مع إسرائيل، أو هزيمة تنظيم داعش في سورية والعراق.

بيد أن ما يلفت النظر في استطلاع هذا العام، والذي يعد الأضخم والأكبر من نوعه، سواء من حيث حجم عينة المبحوثين، والتي تتجاوز 18 ألف شخص، أو على مستوى الرقعة الجغرافية التي يغطيها، هو استمرار التوجهات الإيجابية للمواطنين العرب تجاه الديمقراطية. حيث عبّر ما يقرب من 74% ممن تم استطلاع آرائهم عن تأييدهم النظام الديمقراطي، وهي النسبة الأكبر منذ بدأ الاستطلاع عام 2011. وهو لافت للنظر، خصوصا في الحديث المتكرّر للسلطويات العربية بشأن عدم إيمان الشعوب العربية بالديمقراطية أو تأييدهم لها. كما يبدو ملفتا أيضا اعتقاد غالبية المبحوثين بأن النظام الديمقراطي هو الأكثر ملاءمة للمجتمعات العربية بنسبة وصلت إلى 76%، وذلك على حساب الأنظمة السلطوية أو الإسلامية.

الأكثر إثارة للتفكير والتأمل هو موقف المبحوثين من الثورات والاحتجاجات الشعبية التي قامت قبل سبع سنوات، والذي جاء مؤيداً لها وبدرجة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة. ويعزو كثيرون منهم أسباب هذه الثورات إلى الفساد والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة. ولعل المدهش، في هذا الصدد، أن حوالي 45% من المبحوثين يعتقدون أن الربيع العربي يمر بمرحلة تعثر مؤقتة، وأنه سوف يحقق أهدافه في نهاية المطاف، وذلك في مقابل 34% يرون عكس ذلك. وهو أمر يسير أيضا عكس بروباغندا السلطويات العربية التي تدّعي فشل الربيع العربي، وذهابه إلى غير رجعة. وعلى الجانب المقابل، يرى أغلبية المبحوثين (حوالي الثلثين) أن الأوضاع السياسية في بلدانهم تتراوح بين سيئة وسيئة جدا، وهو ما يعكس رفضا واضحاً للأوضاع الحالية. وتعطي هذه النتائج بعضاً من الأمل بأن ثمة قناعة لدى شرائح عربية واسعة بأن الديمقراطية هي السبيل الوحيد لخروج المنطقة العربية من أزماتها المتراكمة، وذلك في ظل الاحباطات الكثيرة التي تعيشها المنطقة على خلفية الحروب والصراعات الأهلية التي تبدو السمة المشتركة لبلدانٍ كثيرة الآن.

كعادته، جاءت نتائج المؤشر العربي لهذا العام غنية بالأرقام والإحصاءات التي تكشف كثيرا من توجهات المواطنين العرب تجاه قضايا مختلفة، كالدين والسياسة الخارجية لبلدانهم وموقفهم من إسرائيل والولايات المتحدة… إلخ. وكما أشرت في مقالةٍ سابقة عند الحديث عن نتائج المؤشر التي صدرت العام الماضي، فإن بيانات المؤشر العربي ونتائجه تمثل ثروة معرفية، وكنزا للباحثين والدارسين العرب، يجب الاستفادة منها، والرجوع إليها، من أجل التوصل إلى تفسيرات مقنعة للأوضاع في العالم العربي.

  • Social Links:

Leave a Reply