على عتبة المؤتمر – عبدالرزاق دحنون

على عتبة المؤتمر – عبدالرزاق دحنون

على عتبة المؤتمر

عبدالرزاق دحنون

يمكننا القول بأن حزب اليسار الديمقراطي جاء ليضع تصوراً واضحاً  ويُقدَّم برنامجاً أو تصوراً فكرياً  لما يُناضل من  أجل تحقيقه. ولا بد في هذا المقام من درس الرفاق في الحزب جميع أشكال الحكم التي وجدت قديماً وحديثاً, باحثين عن نمط سياسي يليق بأصلح أشكال الحكم في وطننا الذي نميل إليه, أو التي تميل إليه أغلبية الخلق, معتمدين في ذلك على ثقافة واسعة من ناحية, وتجارب ميدانية في العملين السياسي والفكري من ناحية ثانية, ناظرين إلى العالم العربي على أنه وحدة حضارية ثقافية متفاوتة في درجات التطور, مثلما هي مختلفة في المميزات المحلية, لكنها مجتمعة على قاعدة واحدة, أو في اطار واحد, هو اطار اللغة والتاريخ والعقيدة والمصلحة, فما يجمع الشعوب العربية أكثر مما يُفرقها.

ثمة في الحزب إذن وحدة تحتوي التعدد, وتعدد لا يُضيع الوحدة, ولهذا لم يكن مشروع حزب اليسار الديمقراطي  مشروعاً خطابياً أو حلماً مستحيلاً, أو أهواء شخصية, بل هو مشروع سياسي واقعي ممكن وضروري. ممكن لأن عناصره متجسدة في الواقع, وضروري لأنه لا مكان لنا في العالم المعاصر إلا بتحقيقه. فهو السبيل الذي نراه لنهضة وحماية  الخلق من هذه المقتلة التي ألمَّت بنا.

  وعلى كل حال, يبدو لي مشروعنا السياسي في مُجمله يُجدّد دعوة “الإصلاح” على قاعدة المدنية الحديثة التي بدأها رفاقنا الأوائل من أيام عبد الرحمن الكواكبي وعبدالرحمن الشهبندر وذلك بدءاً من علاقة الدين بالدولة وعلاقة الرجل بالمرأة, وعلاقة الراعي بالرعية, ووصولاً إلى مفهوم الدولة المدنية, وشكل نظام الحكم المُرتجى, مروراً بشكل التنظيمات السياسية والفكرية والعقائدية المرافقة. و ارجو أن يلاحظ الرفاق أن الرأي الذي ننتهي إليه من بعد ما ندعمه بالحجة هو في الغالب رأي أعتقد  بصحته من جراء تجاب مرت بنا منذ نحو جيل كامل, فإذا قُدر لنا أن نخدم قضيتنا المشتركة بما نستخلصه من هذه التجارب والأفكار الوطنية النافعة نكون قد قمنا بشيء من الواجب.

الوطنية شعور عميق يحدو صاحبه إلى مؤاخاة جميع الناس لأنهم يشاركونه في مثل عليا يُقدسها في نفسه وهي تستلزم حقوقاً وواجبات. والشعور الوطني عندنا قيمة وجدانية وفكرية وأخلاقية عالية تستوجب الدفاع عنها من أجل مصلحة الشعب, كل الشعب. وقد ربطنا الوطنية بالأخلاق الإيجابية  التي تتطلب الجرأة والاقدام والعمل والنهي عن التفرقة في المجتمع والسعي لنقد الأخطاء وتقويم الاعوجاج وبث روح العدالة في الافراد. إن الوطنية الحقة التي تلتزم الوجدان الجمعي لا تعني التقوقع على الاطلاق, أو التمترس خلف الأوهام القومية أو الدينية أو العقائدية, في الحق, أن سهولة الاتصال بين شعوب الأرض, أصبح المعيار الحقيقي لقياس وطنية الفرد, ومدى صحوة وجدانه الأصيل, ومن ثمَّ تقريب المسافات بين أفراد الوطن الواحد في مختلف القارات التي تشتت فيها هذه الشعب المعذَّب الصابر. كل ذلك يساهم في ابراز هوية وطنية فاعلة, والتي تُصبح محل اعتزاز كل مواطن على امتداد الوطن. أعتقد أن الحمية والحماسة والشعور الوطني الوقاد هي الدافع لاجتماعنا في هذا المؤتمر الذي نأمل أن يُساهم في الجمع  ما بين الغيرة الوطنية والمعرفة المستنيرة والممارسة الهادفة إلى تحرير الإنسان  والوطن, وتحرير العقل والفكر من الأوهام والبحث عن أنجع السبل لتحقيق هذه الأهداف النبيلة… وتمنياتي لمؤتمركم بالنجاح وتحقيق ما نصبو إليه.

  • Social Links:

Leave a Reply