جريمة العصر – زكي الدروبي

جريمة العصر – زكي الدروبي

جريمة العصر 
زكي الدروبي

بدأ نظام الأسد يعلن أسماء من قضى تحت التعذيب في سجونه خلال الفترة الماضية من خلال مديريات الشؤون المدنية (النفوس) بأعداد كبيرة، بعد أن كانت تخرج بشكل سري وأعداد محدودة جداً، بالتزامن مع إعادة سيطرته على معظم المناطق التي كانت خارج هيمنته المباشرة، وبقاء أجزاء من محافظة إدلب وحماه خارج سيطرته وتهديداته التي يطلقها باتجاهها يومياً.

الأرقام التي ظهرت تظهر حجم الإجرام الكبير الذي تم تنفيذه على مرأى ومسمع العالم، الذي ظل صامتاً على هذه الممارسات التي يوم بها وكيله، فالإمبريالية العالمية وظفت الأسد حامياً لمصالحها ولمخفرها المتقدم “الكيان الصهيوني” كما شرحت بشكل مطول في مقالة سابقة حملت عنوان (الكيان الصهيوني والأسد منافع متبادلة)، ويتضح من الأسماء التي عرف أنها استشهدت تحت التعذيب أن الإجرام موجه ضد فئة معينة من المعتقلين، وهم معتقلي الرأي، أي المتظاهرين السلميين الذين فضحوا عهر هذا النظام وأربكوا قوى النهب العالمي التي تحميه، فكان لابد من هذا الشكل من الإجرام، وتسريب مقاطع الفيديو والصور التي تظهر هذا المستوى من العنف كي يرتدع بقية الشعب الثائر، لكن خاب ظنه، فالاحتقان والأمل كبيران، الاحتقان من سياساته القمعية والاستبدادية والأمل بالتغيير إلى سوريا جديدة بعيدة عن حكم هذه العصابة، ففشلت محاولات إخافة الشعب، فكان هذا الإجرام الكبير الذي يدل على حجم حقده وخوفه من هذه الفئة الواعية المستنيرة من الشعب السوري، وفي مقابل هؤلاء أطلق الأسد معتقلي القاعدة والإرهابيين والمجرمين من سجونه وسهل وصول السلاح والأموال لهم، وكانوا أداته الطيعة في تشويه صورة الثورة السورية التي تطالب بالحرية من نظام الاستبداد والانتقال للديمقراطية.

ووفقاً للصور التي سربت عن طريق قيصر والتي وصل عددها إلى 55 ألف صورة وثقت 11 ألف ضحية قضت في سجون النظام تحت التعذيب، ووفقاً للتقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية، ومنها منظمة العفو الدولية التي وثقت إعدام النظام لحوالي 13 ألف معتقل شنقاً في سجن صيدنايا، بالإضافة لاستشهاد آخرون بسبب التعذيب والحرمان من الماء والطعام والأدوية والرعاية الطبية، فإن هذا الفعل يثبت أنه سياسة ممنهجة طبقها نظام الأسد بقرار من أعلى مستوى في الهرم الحاكم، فمن غير المعقول أن تطبّق هذه الممارسات على نطاق واسع، وبشكل منهجي دون ضوء أخضر رأس النظام.

وكما جرت العادة فالقرارات الدولية الواجب تنفيذها لا تطبقها الدول المحمية من الإمبريالية العالمية مثل نظام الأسد وإسرائيل، ولا تحترمها تلك القوى العالمية، فالمصالح السياسية والاقتصادية للدول التي تدعي حماية حقوق الإنسان، وتدعي الديمقراطية دفعتها للكيل بمكيالين، فتطبق ديمقراطيتها وتحترم حقوق الإنسان بما يخص شعوبها، وتحمي أنظمة القتل والاستبداد في العالم الثالث مقابل سماح تلك الأنظمة لهذه القوى بنهب ثروات البلدان التي تحكمها وبفتح أسواقها لتصريف منتجات تلك القوى.

لقد أكد البند 12 من القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن أواخر عام 2015 أن قضية المعتقلين موضوع فوق تفاوضي، وملزم لنظام الأسد، ويجب إطلاق سراحهم جميعاً فوراً، إلا أن الأخير صم آذانه عن جميع المطالبات والنداءات الدولية الخجولة، والتي لم تتضمن رادع في حالة عدم التنفيذ، بل سمحت له وللمافيا الروسية المتمثلة بنظام بوتين المخابراتي بالاستمرار في هذا النهج الإجرامي، حين غضت البصر عنه سوى من قرارات لم تنفذ ونداءات وتوصيات خجولة، نتيجة غياب المعايير الإنسانية والأخلاقية لدى هذه القوى العالمية الناهبة لثروات الشعوب المتحالفة مع قوى الاستبداد كما قلت سابقاً.

إن سياسة غض النظر من قبل القوى الدولية، وغياب المساءلة القانونية عما يقترفه نظام الأسد من جرائم بحق الشعب السوري، وغياب الرادع، سمح له مؤخراً بتوزيع قوائم تتضمن أسماء آلاف المعتقلين والمختفيين قسراً إلى السجل المدني، لتسجيل وفاتهم على أنها وفاة طبيعية (نوبة قلبية أو مرض أو … الخ)، محاولاً بهذا الفعل طي صفحة المعتقلين الحقيقيين، أبناء الثورة السلمية والمؤمنين بضرورة الانتقال من نظام الاستبداد إلى نظام ديمقراطي تعددي، فهؤلاء من يشكل لمثل هذا النظام ولهذه القوى التي تحميه الخطر الحقيقي، ويوضح الاتفاق الذي تم مؤخراً بين جبهة النصرة والنظام أن من أطلق سراحه أشخاص لا علاقة لهم بالثورة، إنما تم اعتقالهم بشكل عشوائي منذ فترات لا تتعدى عدة أشهر، ومن ثم أطلق سراحهم كي يقول أنه ينفذ قرارات الأمم المتحدة.

إننا كقوى سياسية وكشعوب مدعوين جميعاً للوقوف بحزم في مواجهة هذه الجريمة، فهذه ليست جريمة بسيطة بحق الشعب السوري، إنما جريمة يندى لها جبين الإنسانية جمعاء، وتركها تمر دونما حساب يعني استمرار أمثال هذا المجرم في ارتكاب مثل هذه الجرائم سيبقى الاحتقان موجوداً، وسيعود التطرف ليرفع رأسه من جديد بسبب الجهل وعدم الوصول إلى حل عادل للناس.

إننا ندعو جميع القوى السياسية وشعوب العالم الحر للوقوف موقفاً حازماً تجاه هذه الجريمة وللمطالبة بحقوق أهالي الشهداء، وهي تبدأ من حقهم في الحصول على جثمان ابنهم كي يدفنوه بطريقة آدمية، ولا تنتهي عند محاسبة القتلة المجرمين، بل تتعداها لضرورة تحقيق ما ناضل هؤلاء من أجله، الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، وكل ما عدا ذلك لن ينتج حلاً عادلاً.

  • Social Links:

Leave a Reply