من يوميات قفة – عمران كيالي

من يوميات قفة – عمران كيالي

قصة

من يوميات قفة
عمران كيالي

(١) فتح نصف عينه اليمنى و نظر إلى ساعة الحائط، إنها العاشرة، حان وقت النهوض، موديلياني الإيطالي و هايني الألماني كانا ينهضان في مثل هذا الوقت، أما فان كوخ فكان لا يغادر فراشه قبل الثانية ظهرا .

       عند المغسلة، فتح الحنفية، بلل يديه بالماء، مسح عينيه مسحا رقيقا مرتين، ثم نشف يديه و عاد إلى غرفته .

       انتبه، أثناء ارتداء ملابسه، إلى أن رأسه يؤلمه، فقال في نفسه : لا بد أنه الكأس الأخير، فهذا يحدث معي كلما غيرت نوع المشروب، لكنني لا أتذكر، كالعادة، من الذي ضيفني هذا الكأس، قد يكون أبو علي و قد يكون أبو عذاب أو رامبو .

       قبل أن يضع حقيبته على كتفه، أدخل يده إلى جيبه و أخرج منها خمسين ليرة و قال لها، في سره أيضا : أنت من أجل التخليطة .

       ثم حمل المروحة و غادر المنزل .

(٢) كان يأمل ، و هو في طريقه إلى المشارقة، أن يبيع المروحة بألف ليرة، كي يسدد حساب الأمس، تابع مع نفسه : أووووو ، ما زال رأسي يؤلمني بسبب الكأس الأخير، يبدو أنني أقل من إنسان و أكثر من حمار، لماذا لا أتعلم من المرة الأولى ؟ لماذا أقع في الحفرة نفسها عشرات المرات ؟ تجاوزت الأربعين عاما و ما زلت أخطيء بمدخل المبنى و بمفتاح المنزل، الطريق الوحيد الذي أتقن السير فيه هو الطريق إلى شعبو .

( ملاحظة طارئة : ينتمي شعبو، الساقي، إلى قبيلة العندليب-الفخذ العالي )

       خرج صاحبنا من سوق الحرامية في المشارقة سيء المزاج فوق ألم الرأس، فقد قبل بمائتي ليرة ثمنا للمروحة التي حولها تجار البسطة إلى عضم كلب .

(٣) تذكر، و هو يجر خطواته باتجاه حي الفيض، أن صديقا له يبيع الدخان المهرب في زاوية فرن الاتحاد، فقال، لروحه هذه المرة : سأمر عليه لأستدين منه ألف ليرة .

       هكذا كان، و أمن قفة الأندبوري حق السكرة، ثم دخل في مواجهة ثلاث ساعات من التسكع الممل بين مقاهي الجميلية، حتى يحين موعده اليومي مع الكأس .

(٤) لم يخطر على بال صاحبنا أبدا أن شعبو سيكون متجهما جدا هذا اليوم بسبب خلاف شديد بينه و بين زوجته حول تأخره الدائم عن المنزل و إهماله لشؤون الأسرة، لذا كانت الملاسنة بين قفة الأندبوري و شعبو من العيار الثقيل، تم فيها استعمال العديد من الألفاظ البذيئة، معظمها من مرتبات تحت الزنار، و قد أثار هذا الحوار، عالي النبرة، واطي المستوى، شهية الشغيلة في الحانة و صاحبها و زبائنها، و تمتعوا بأجواء الخمارة الحقيقية التي افتقدوها منذ أيام آكوب في العزيزية و هب الريح في الحميدية .

       هدأت الزوبعة بعد نصف ساعة، و بعد أن تدخل الكل في الموضوع، الذي سينساه قفة غدا على كل حال، و كان كيفو و رامبو و أبو عذاب أكثر من ساهم بالصلح بين الطرفين المتخاصمين اللذان جلسا، أخيرا، قرب بعضهما، و باشرا نوبة من البكاء الفاحش الذي يشبه الجعير .

النهاية

  • Social Links:

Leave a Reply