حين تتحول الرواية إلى ملحمة.. شنكالنامه بين تراجيديا الإيزيديين وبطولاتهم – عبدالواحد محمد

 حين تتحول الرواية إلى ملحمة.. شنكالنامه بين تراجيديا الإيزيديين وبطولاتهم – عبدالواحد محمد

من الادب الايزيدي السوري

حين تتحول الرواية إلى ملحمة.. شنكالنامه بين تراجيديا الإيزيديين وبطولاتهم

عبدالواحد محمد

استطاعت رواية-شنكالنامه- للروائي الكردي السوري إبراهيم اليوسف أن تكون أحد تلك الأعمال الإبداعية التي قاربت مأساة -سبايا سنجار- وأبناء سنجار عامة، من خلال تناولها في عمل فني يكاد يتماهى مع الواقع، إلا أنه في المحصلة عمل أدبي صرف، لايعرف قارىء الرواية تلك الحدود مابين واقعية هذا العمل وخياليته، إذ إن الخيالي فيه يحيل إلى الواقع كما أن الواقعي فيه يحيل إلى الخيال، وذلك نتيجة ارتكاب إرهابيي داعش تلك الجرائم الرهيبة بحق الكرد اليزيديين الذين تسميهم الرواية: إيزيديين، كما أنها تسمي سنجاراً شنكالاً، بالإضافة إلى عدد من المصطلحات التي يشرحها الكاتب في بداية الرواية، وكان لابد منها بالنسبة لقارىء الرواية التي كتبت باللغة العربية وتتناول مأساة كبرى بحق بعض من الكرد وهم أتباع اليزيدية.

تدور أحداث الرواية التي صدرت عن دارأوراق للطباعة والنشر في القاهرة 2018 في حوالي أربعمئة وخمس وسبعين صفحة في منطقة سنجارفي كردستان العراق، وهي تبين أوضاع هذه المنطقة وأهلها تحت وطأة مظالم تنظيم داعش بعد أن قاموا بغزوها، الرواي الرئيس هوالمؤلف الذي تربطه علاقة حميمية باليزيديين، وقد رضع الحليب من أم يزيدية، وقد آلمه الغزو وبدأ برحلة البحث عن أمه في الرضاع وشقيقته وبعض أصدقائه ومعارفه من اليزيديين الذين تنقطع سبل التواصل بهم بعد الغزو، ويعاني كثيراً قبل أن يمسك برأس الخيط للتواصل معهم، والسفرإليهم من مكان إقامته في الإمارات، وهوإذا كان يقدم شهادات بعض الناجيات والناجين وهي أليمة جداً، فإنه يبين في الوقت نفسه تاريخ اليزيديين، وشهامتهم، وعوالمهم، وطقوسهم، وذكرياته وأسرته مع بعض أصدقائهم اليزيديين ومنهم العم برجس وذلك في فصل جاء تحت عنوان”رائحة الابن البكر”:

عندما كنت أسأل أبي:

وماذا عن العم برجس؟.

إنه صديق أسرتنا، الوفي. تنتمي أسرته إلى قبيلة” هفيركان”، كانوا مقربين منا أباً عن جد، وقد اضطروا للهجرة إلى العراق بعيد ثورة الشيخ سعيد بيران، لكننا لم نضيع بعضنا بعضاً، كما حدث خلال سنوات حكم بعثي البلدين.

تضيف أمي:

نحن وأعمامنا الذين عاشوا في كردستان أو بعض المدن العراقية، ضيعنا، بعضنا بعضاً. جاؤوا آخر مرة إلينا في نهاية السبعينيات. ثم أغلقت الحدود، وبات الطائر لا يستطيع التحليق فوق هذه الحدود. لم نعد نعرف أي شيء عنهم. هل قضوا في الأنفال؟. هل قتلوا أثناء الحرب العراقية الإيرانية؟. أم هل قتلوا أثناء حرب الخليج الثانية؟ أم إنهم سافروا..

عائلة واحدة توزعت في ثلاثة أجزاء من كردستان، ولربما في أربعة أجزاء، فمن يدري؟.

لكننا، الآن بخير، تقول أمي، بالرغم من معاناتنا، لكننا لم نعش فترة الحرب…!

لطالما تذكرت عبارة والدتي، بعد رحيلها وأبي، وأنا أرى اشتعال أتون الحرب في بلدنا، وقد اضطررنا للسفر، والعيش في أحد البلدان الأوربية، لنعيد مأساة العراقيين، بكل قومياتهم، وطوائفهم، مادامت النار تلتهم الأخضر واليابس، في آن واحد…!”

الصفحات” 97-98-99

تجمع  الرواية بين أسلوبين لغويين، أحد هذين الأسلوبين: اللغة الشعرية، والآخراللغة التقريرية، وهوما كان المؤلف قد أتبعه في عمله الروائي السابق”شارع الحرية” الذي كان مدخله إلى عالم فن الرواية التي توجه إلى كتابتها، بعد نشره عدداً من المجموعات الشعرية والقصصية، إلى جانب النقد، والعمل الصحفي الذي تبدو آثار لغته على هذا العمل الروائي، لاسيما عندما يرصد أطوارشخصيات الرواية، لكي يوصل كل ما يريده إلى قارئه، كما أنه يكتب بلغة أخرى مغايرة عندما يسبرميثولوجيا اليزيديين وطقوس عباداتهم، يقول في فصل” طمأنينة الخنجر”:

 

مازال لا يدري” أين هو الآن؟؟”. دائرة الدرة.  أول قطرها هذا الحب، في أسمائه التي تشبهني. أكتبها، على هدي هواء رئتك. أربعون ألف عام، وأكثر، وأنا هنا. أرقب الجهات، وأرقي لسلام أرتئيه بلا جدوى. رأوني الخاسر هناك، فلم أكن كما توهموا. دمي كان معيارهم. حجارتهم، وعصيهم، وأسنة رماحهم، وحدود سيوفهم أسست لغيابي غير أني ظللت. جددوا الكرة، مع الرصاص، والبارود. مع القنابل، مع القذائف. مع التباسات الكيمياء، وال”تي إن تي”. كل تلك الأشكال جربوها. كان جسدي ساحة الحرب. قلبي عاصمة الكون، ولغتي المنقرضة على حبال الغسيل. يتوجه إليها القتلة، يقرضونها بأسنانهم، ولعثماتهم، لأظل مسافة اليقين، لا أتيه في غياهب الضلال.

هذا أنا….

لم أرد أن أقول عن ذاتي أكثر. لم أرد أن أستعرض سرب الأسماء، وما أكثرها..!. كلها تتناسخ عن كريات دمي، قبل أن تبدأ حروبها في أوردتي. لا ضير، لم أزل أحضن الطير، وهو يحلق بعيداً، لينساني في أعلى شجرة جوز، أو ذاكرة نهر، أو بحر، أو ذروة جبل. من شأني أني لا أصيغ المرئي كما تراه عيناي. من شأني أن أركض نحوك. أركض كل هذا المدى من علامات الروزنامة، فلا أجد اسمي في فمك، أو دفترك.

منسيٌّ، على عادتي

أراك الأقرب وتراني الأبعد”

الصفحة   34

 

هذه اللغة تذكر بحالة شعرية ارتأى الكاتب توظيفها، ويبدو أنه لم يجد غيرهذه اللغة ليتناول طقوس اليزيدية، وهي تشكل ماهوبمثابة-محطات- بين فصول الرواية التي تقارب السبعين فصلاً”، فهي موزعة على امتداد الرواية، ولربما يتطلع القارىء للتوقف في هذه المحطات بين حين وآخر، وهويسبرأغوارعالم الرواية الدرامي، إذ تمربعض المشاهد بالقارىء يبلغ فيه الألم ذروته، ويحتاج إلى مثل تلك الاستراحات التي لابد منها، وجاء في فصل” صلاة بين يدي ملك طاووس    “:

 

أي معنى للفردوس، لولا هذا البرزخ الذي حددته. ها نحن نعبره. عبره آدم. عبرته حواء. عبره النبيون، في طريقهم إلى هناك. كان لك أن تدله على الزاد يأكله. أو التفاحة، تأكلها، امرأته، أمنا، كما جاءت، في هذا السجل، أو ذاك. لا داع للجدال أكثر. السجدة ذاتها، لن نختلف فيها. لم تكن إلا امتحاناً كي ترتقي إليك، ليشار إليك، بالبنان النوراني”

الصفحة”  79  ”

بينما اللغة السردية تكون في مستواها التقريري في العديد من الفصول، وإن كان يزاوج بين اللغتين أحياناً، لكن اللغة التقريرية هي التي كتبت بها أكثرفصول هذا العمل، وهوليس بغريب، لأن الرواي الرئيس هو صحفي يتقصى أخبار اليزيديين المقربين منه ويكتب كل ذلك بلغته، وإن كان هذا الرواي ليس وحيداً بل هناك غيره ممن هم رئيسيون أو ثانويون، وقد ورد في فصل”  الثلاثاء الأسود”

 

هذا ليس الفرمان الأول….!

قلت لمحدثي، ورحت أتابع آخر ما وردني من وكالات الأنباء عن أخبار شنكال

أطلعته على مقال صحفي، كنت قد كتبته آنذاك.

 

أحببت أن أسترجع ما ظلَّ عالقاً بذاكرتي عن هذه المجزرة

كان صاحبي يستمع، وكأنه يتلقى الخبر لأول مرة

لا بأس. أريد أن أستمع إليك. لا بد من استنهاض الألم دفعة واحدة قالها

 

كان ذلك يوم الثلاثاء الأسود، كما سميته، أو يوم فرمان سنجار الثالث والسبعون، كما رحت أكتب عنه  ثمّة حداد حقيق ، تم في كلّ بيت كردي حرّ ، من سائر أجزاء كردستان، و المهجر،  أنّى كان، بل ومن قبل كلّ محبّي السلام، والدّيمقراطية ، والإنسانية ، بعد تلك الجريمة النّكراء، والفظيعة التي تمّ فيها تفجير مجمعي كر عزير و سيبا شيخ خدري في جبل سنجار، في 14-8-2007 و التي راح ضحيتها المئات من الكرد الإيزيديين ، بين شهيد، و جريح. ناهيك عن تهدّم عشرين منزلاً فوق رؤوس أصحابه،  و دفنهم أحياء، نتيجة تفجير مخطط للشاحنات الأربع، و هو أقصى ما أنتجه الفكر التفخيخيّ

 

أتذكر ما قاموا به في الرشاد في كركوك عشية مجزرة شنكال ما قبل الأخيرة، عندما  أقدموا على إعدام الإيزيديين خدر عمركي وخدر حسين العبدالي، بائعي الزيتون، اللذين رجما في ساحة عامة، وسط  تكبيرات القتلة، وكأن هؤلاء السفلة قد حرروا قدس الأقداس، دون أن يجرأ أحد على الاقتراب من أشلاء جسديهما”

 

الصفحتان 83-84

 

مالفت نظري من خلال قراءة هذه الرواية، وقبلها رواية” شارع الحرية”، من قبل، اللغة التي يكتب بها الكاتب الكردي، إذ إن لغته تكون متميزة، فقد قرأنا من قبل للروائي سليم بركات ولبعض الكتاب الكرد الذين يكتبون باللغة العربية وهي غيرلغتهم الأم، فإن للمفردة، والجملة، واللغة عموماً عندها ألقها ونكهتها وشاعريتها، وهوما يمكن أن يكون عنوان دراسة خاصة مقبلة تتناول نماذج كتابية لبعض الساردين الكرد، لاسيما الذين جاؤوا على عالم الرواية من خلال عالم الشعر.

أرى أن رواية-شنكالنامه- تحتاج أكثرمن دراسة معمقة، وليس مجرد قراءات نقدية سريعة، وذلك لأن كل مشهد وكل فصل وكل شخصية بحاجة إلى أن توفى حقها، وهكذا بالنسبة إلى العمل كاملاً، لأنه كما أتصوره- ملحمة- حقيقية لبطولات الكرد اليزيديين، وملحمة لرفض السبايا اليزيديات لما تعرضن له على أيدي جهاديي النكاح الذين باعوا هؤلاء الكريمات في أسواق النخاسة، أمام أعين العالم، كماتركز على ذلك الرواية، وهي تدين من هم وراء ظهورداعش.

التقنيات التي استخدمها الكاتب في روايته غيرتقليدية، لكنها في الوقت نفسه ليست معقدة، وأهم مايسجل لها أنها لاتقف أمام التفاعل مع الرواية، ولامع جمالية عمرانها، فهي مكتوبة من دون تكلف، من خلال منظورحداثي، بعيد عن الإيغال في الشكلي على حساب عالم الرواية، إلا أنها رواية ممتعة، وسيكون لها مكانها المتفرد في المكتبة العربية والكردية والعالمية، إذا قيضت لها الترجمات المناسبة.

 

شنكالنامة

275

دارأوراق للطباعة والنشر

القاهرة-2018

* روائي وناقد مصري

عن الأهرام الجديد

  • Social Links:

Leave a Reply