السخرية في مواجهة المأساة – فوزات رزق

السخرية في مواجهة المأساة – فوزات رزق

لا بد من التأكيد، بداية، أن الأديب يمثل “قرني الاستشعار” لمجتمعه وشعبه وأمته، فهو الذي يتحسس الخطر قبل وقوعه، فيصيح محذرًا، كما صاح لقيط بن يعمر الأيادي ذات غزوٍ فارسي:

أبلغ إيادًا وخلل في ســـــراتهمُ     إني أرى الرأي إن لم أعص قد نفعا

يا لهف نفسي إذا كانت أموركم    شـــتّى وأحـــكم أمر الناس فاجتمعا

كما لا بد من التأكيد على أهمية التجريب في الأدب. وفي التجربة نخطئ ونصيب، ونتعلم من أخطائنا ومن تجارب غيرنا. وما دام الأمر كذلك فلنفتح صدورنا، ولنستمع إلى آراء قد تكون صائبة، وقد تبتعد عن الصواب، لكنها أبدًا لا تصب في قناة الكيد والمناكفة، فهي آراء قابلة للرفض، مثلما هي قابلة للموافقة، وفي النهاية فالإبداع من شأنه أن يتمرد على النقد.

وما دمنا في مسألة التجريب؛ فسوف أقف عند عمل مهم للروائي الفلسطيني صبحي فحماوي، وهو روايته (عذبة) التي قرأتها ضمن سلسلة الكتاب الشهري المرافق لمجلة الموقف الأدبي.

وفي حقيقة الأمر، قليلة هي الروايات التي هزتني مثلما هزتني هذه الرواية العذبة، وكي لا يكون مديحي مجانيًا، فإني سأتطرق إلى أمرين مهمين في هذه الرواية، مع أهمية كل حرف فيها.

أولهما هذه السخرية المريرة التي تضعك في البرزخ بين الضحك والبكاء. فالسخرية كما هو معلوم تعتمد على المفارقة أولًا، وإظهار العيوب، بطريقة تجعل القارئ أمام المأساة، دون أن يكون قادرًا على أن يمسك نفسه عن الابتسام، وصولًا إلى الضحك. وهي بالمحصلة سلاح الضعفاء في مواجهة العسف.

كثيرة هي الأعمال الروائية والقصصية التي تحدثت عن شقاء الفلسطيني وعذابه وتشرده، لكن الكثير منها كان غارقًا في تصوير المأساة والفظائع التي ارتكبها الصهاينة ضد شعب أعزل؛ الأمر الذي يثير الشفقة، ويدعو إلى الحزن والانكسار. وهذا -بتقديري- يزرع في النفس الفلسطينية ومن بعدها العربية دمارًا وانكسارًا، ويؤدي إلى خلخلة التوازن الذاتي وفقدان الثقة بالنفس لدى الإنسان العربي، وهذا ما ترمي إليه الصهيونية بالمحصلة.

لكن صبحي فحماوي لجأ في روايته إلى السلاح المضاد: السخرية من العدو ومن أساليبه الهمجية. والسخرية من العرب؛ عرب جيش الإنقاذ، وعرب الـ 67. وكل العرب العاربة والمستعربة والمعربة؛ إذ غدا الجميع قطعانًا في ولايات بحرستان ونفطستان وصحرائستان وجزرستان وخليجستان وغير ذلك من الأسماء التي اعتمدها في روايته.

لقد وظّف صبحي فحماوي ثقافته المتعددة في السياسة والأدب والفن والتاريخ، ومن بعدها ثقافته الشعبية، في صنع هذا العمل الجميل الذي تناسلت فيه الحكايات؛ حكاية تولد حكاية، وحكاية تمهد لحكاية، وحكاية تعد بحكاية. غير أن هذه الحكايات لم تكن مجانية ولا حيادية، كما يبدو للوهلة الأولى، فكل واحدة منها تنتهي بمسمار له تبشيمة لا يحلها إلا رب العالمين، يُدق في هذه الهشاشة العربية التي لم يعرف التاريخ العربي لها مثيلًا، ويغوص في هذا النسيج الإسفنجي حتى العظام. كل ذلك بلغة أدارت ظهرها، عن سبق إصرار وترصد، لكل الفخامة والأناقة والكياسة والحذلقة التي يلجأ إليها الكثيرون لتبييض وجوههم، ليس لأنه لا يحترم لغته، وإنما لأنه أراد أن يستخدم لغة شعبه وناسه وأهله، لغة الفلسطيني المعذب الضاحك الباكي المقاوم المتآكل المتقاوي على نفسه، المتشائل على حد تعبير إيميل حبيبي، الفلسطيني الذي يصارع الموج كما عوليس، ويعالج الصخرة كما سيزيف، لا يكل ولا يمل. يموت في اليوم عشرين مرة؛ ثم لا يلبث أن يولد مثلما يولد الفينيق.

والأمر الآخر الذي ميّز هذه الرواية هو حبس الزمن في قمقم، ولجوئه إلى الاستراحة بتعبير يمنى العيد. لقد شرّق وغرّب. وضحك وبكى، وقرأ المأساة الفلسطينية من ثلاثينيات القرن العشرين حتى العقد الأول من الألفية الثالثة؛ فكان الزمن لديه على مستوى القول، أكثر من ثمانين عامًا، في حين كان على مستوى الوقائع رحلة البطل من معسكر أنصار عشرين إلى يافا في الحافلة، والتي لم تستغرق أكثر من بضع ساعات. فزمن الوقائع في هذه الرواية يكاد يكون صفرًا؛ إذا ما قورن بزمن القص الذي امتد أعوامًا تزيد عن نصف قرن، في عملية استرجاع، كثيرًا ما لجأ إليها الأدباء، لكن الاسترجاع هنا استغرق الزمن الروائي بكامله، ونقل الحيّز المكاني من حيّز حافلة ضيق، إلى حيز بلاد تمتد من غزة جنوبًا إلى رأس الناقورة شمالًا. وكثيرًا ما تمت عملية اختراق هذا الحيز باتجاه بلاد العرب، كما تسميها الرواية بتعبير الغاصب المحتل.

ختامًا، كثيرة هي الروايات التي نقرؤها فلا يبقى منها في الذاكرة سوى ما يشبه السراب. بيد أن روايات قليلة تحشرنا في حيزيها الزماني والمكاني، لا نمتلك القدرة على مغادرتهما إلى حين.

  • Social Links:

Leave a Reply