قراءة في رواية أبناء المطر – أحمد  العربي

قراءة في رواية أبناء المطر – أحمد العربي

قراءة: أحمد  العربي

الناشر: دار اكتب للنشر والتوزيع / ط١ ورقية .٢٠١٧.

أبناء المطر، رواية تتحدث عن سورية في الخمسينات من القرن الماضي ما بعد الاستعمار الفرنسي، وتغطي زمنياً عقداً من السنين تقريباً، أبطالها يتحركون في حيز محدود، قرية في وادي نهر العاصي السوري، على تخوم بادية الشام، قرية تعتمد على الزراعة، حاجتها للأمطار دائمة وأساسية.
يتحدث الراوي عن شخوصها تباعاً، ويرصد حياتهم وتطوراتها.

لحياة أشخاص الرواية تنوع في الظروف الاجتماعية، والعلمية والآفاق المستقبلية. الرواية تغطي الظروف العامة التي مرت على سورية في ذلك الوقت، الأفكار السياسية بتنوعها، الإسلامي والقومي السوري، القومي العربي، الشيوعي، الماسوني، كلها مجسدة بأشخاص لهم حضورهم في قريتهم وفي سياق الرواية.

تتجسد التطورات الإقليمية في ذلك الوقت، الحكم الهاشمي في العراق والأردن، والحكم في سورية وتذبذبه بين مصر عبد الناصر وبين حلف بغداد المدعوم من العراق والأردن والغرب، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر، بريطانيا وفرنسا و(إسرائيل)، هزيمتهم بالتدخل الروسي والصمت الأمريكي، وانتصار عبد الناصر الذي أدى إلى تقارب سوري مصري تتوج بالوحدة السورية المصرية، الجمهورية العربية المتحدة، التي امتدت لثلاث سنوات. ومعرفة واقع حزب البعث واللجنة العسكرية به، الحزب الذي سكت عن الانفصال ووقع عليه، ثم خطط لحركة آذار ١٩٦٣، ومن ثم سيطرته على الحكم في سورية، وتصفية الجناح العسكري، للجناح المدني، وبداية تشكيل معالم سورية الحديثة.

في الرواية خوض في التاريخ السوري والمصري القديم، وربطه بتاريخ الأديان، وربطه بنصوص من القرآن والتوراة والإنجيل… الخ.

في الرواية طبقات من المعرفة والمواقف المرتبطة بزمان الرواية والأزمنة السابقة، إعادة فتح ملف الأديان المسيحية والإسلام، واختلاف الفهم والتفسير الذي يجعل الأطراف حاملة ذات الدين، تختلف، وأحياناً تتصارع، إلى درجة الحروب الاستئصالية.

تبدأ الرواية من قرية ديرفول الواقعة في وادي العاصي، محاذية للصحراء، ناسها فلاحون يعيشون على الزراعة، الإمام عبد الواحد الشيخ الأزهري ، الذي حصل على أهليته الدينية من دراسته بالجامع الأزهر في مصر، يذهب لزراعة أرضه هو وعبد الغفار الرجل المختلف على توصيفه بين الناس، البعض يعتبره مجنوناً، والبعض يعتبره مبروكاً “مباركاً”، تحت رعاية الله، والبعض يعتبره (مخاوي) يعني على علاقة مع الجن، المهم كان شخصاً له تصرفات غريبة، يتصرف وفق هواه، بمعزل عن الآخرين ولا يتفاعل معهم، كان يرتاح للإمام عبد الواحد، وذهب معه لزراعة أرض عبد الواحد، هو يبذر وعبد الواحد يحرث الأرض طامراً الحبوب، ينتظر المطر لينبت الزرع ويعطي موسماً جيداً.

الكل في قرية ديرفول يعتمد على ما تجود به السماء، المطر معبرهم لحياة مقبولة، وانقطاعه يحول حياتهم لجحيم، ويجعل الشباب يرحلون إلى المدن، أو ينتقلون للبنان للعمل وتأمين لقمة العيش.

أهل القرية يعتمدون على الزرع والحصاد في قريتهم والقرى المجاورة في الصيف، وفي أشهر أخرى ينتقلون إلى قرى أخرى لجني محاصيل الأشجار من الزيتون وغيره.

في القرية تعيش أمينة وأمها، وهي وافدة إلى القرية من قرية أخرى، حيث هرب والدها بها وأمها وإخوتها، بعد أن هدر دمه كبير تلك القرية وأكبر ملاكها، حيث كان والدها يخدم عنده، ولأنه لم يقبل سلخ الخنزير البري الذي اصطاده المالك بوجود الجنرال الفرنسي ديغول، لأن الخنزير كريه ولحمه محرم أكله. تنقل بين البلدان هارباً واستقر في ديرفول، وكبرت أمينة وصارت تعمل في الحصاد، تعرفت أثناءها على شاب يعمل مثلها بالحصاد، وأحبا بعضهما، هو من قرية أخرى، لديه طفلين وزوجته توفيت حديثاً، ارتكبا الحرام، وعدها أن يذهب ليحضر أولاده ويتزوجا، لكنه لم يعد.

أمينة جميلة، يهواها أغلب شباب القرية، والقرى المجاورة، الكل يحلم بوصالها، يقال بأنها تختار من تهوى وتعاشره، وأصبحت سيرتها في القرية سيئة، وإخوتها يفكرون بقتلها، أمها تحميها منهم.

في القرية الصديقين المخلصين يوشع وزكريا، زكريا يهوى الصيد، يعيش حياة شبه بطالة، وصديقه يوشع له أخت يعيلها هي كوثر تعمل في الخياطة، يوشع يذهب للعمل في لبنان والعودة محملاً ببعض المال الذي يعيش به مع أخته، علم يوشع أن أخته كانت تلتقي بصديقه زكريا، وأعتقد أن بينهم علاقةً حرام، خطط لقتل صديقه، ذهبا للصيد، قتل يوشع زكريا وترك رسالة يعترف بها بقتل صديقه غسلاً للعار عن أخته، يهرب ويترك أخته في جحيم: قتل من تحب، وبراءتها من التهمة وهروب أخيها، وفضيحتها بأنها زانية.

في القرية الشيخ عبد الله، رجل الدين المسن القيّم على الأمور المجتمعية، مرجع الحلال والحرام، رجل متسلط يخافه الناس، فهمه للدين يعتمد على التطبيق الحرفي لما يعتقد أنه الإسلام وصحيح، يختلف الإمام عبد الواحد معه فهو يحاول الغوص دوماً في جوهر الإسلام، والاعتماد على القرآن بجوهره العام الخير والعدل والحياة الأفضل للبشر، يعتمد العقل إلى جوار النقل في فهم الإسلام ونصوصه، يرفض كثيراً من الأحاديث المدسوسة على الإسلام والتي تعتبر دخيلة عليه وتناقض جوهره.

الإمام والشيخ مختلفين، رغم أن الإمام تتلمذ على يد الشيخ، لكن الإمام تابع علمه بالأزهر وبقي على تواصل مع البحث والتقصي، فهو دائماً ما يقرأ ويطلع، تابع مقارنة بين الإسلام والمسيحية بقراءة تاريخ الأديان الثلاثة اليهودية والإنجيل والقرآن، العهد القديم والعهد الجديد ما صاحبه من تفاسير والقرآن، عاد للتاريخ ولكون بلاد الشام بلاد الأمطار، أما مصر فهي هبة نهر النيل، وتحدث عن الصراع بين إله السماء الواحد في الأديان، والإله الشمس في وادي النيل، وتطورات الدين منذ نوح عليه السلام مروراً بإبراهيم وموسى عليهما السلام، والذهاب لمصر والعودة إلى فلسطين أرض كنعان. الصراعات التاريخية بين الروم والفرس، صراع العقائد وكيف أصبحت المسيحية مهيمنة في روما، لكنها مسيحية مختلفة عن مسيحية المشرق والأقباط، الاختلاف حول الأب والابن والروح القدس، حول الابن هل هو إله، من طبيعة واحدة إلهية أم طبيعتين، لاهوت وناسوت، والصراع حول ذلك، وقبل ذلك قتل حواري المسيح ثم صلبه هو، والقتال بعد ذلك على الاعتقاد الصحيح حول ماهية الإله واقانيمه الثلاث، ماذا يقول القرآن حول ذلك، كان الإمام يتبحر حول هذه الموضوعات، ويزداد شغفاً بالبحث عن الحق، والبحث عن راحة البال.

في القرية المبروك عبد الغفار الذي يعتقد أن له جنية تعشقه، كان قد أحب إحدى الفتيات التي تزوجت وتركته، يتصارع مع زوج الجنية، ويعيش معه معارك، يدخل في صراعات نفسية وواقعية، يعتكف في منزله، يمرض، يتوعك، كل ذلك يحصل في صراعه مع الجن، وأخيراً تتفق الجنية مع زوجها، ويوحدا قواهما عليه، ويحرقونه ويصبح رماداً، لقد كان الإمام عبد الواحد شاهداً على ذلك.

في القرية أيضاً الأستاذ بدر المدرس القومي السوري المؤمن بسوريا الطبيعية والذي يناضل لتوحيدها، يدافع عن الحزب القومي السوري، يذكر مؤسس الحزب أنطون سعادة وكيف أعدمه النظام السوري بعد الاستقلال مباشرة، وهناك الأستاذ إلياس المسيحي القومي العربي الذي يرى بعبد الناصر نموذجاً للقائد القومي العربي، الذي يعول عليه بوحدة العرب وتقدمهم، وهناك ياسر الشيوعي الذي يرى أن التقدم مرتهن بالشيوعية والتبعية للاتحاد السوفييتي قائد العالم الجديد، هناك البعثي، وهناك الإسلامي الذي يرى تقدم الأمة مرهون بالعودة للإسلام، وهناك الماسوني، الذي يرى التقدم أساسه العلم، وأن العلم يقوده الغرب والغرب قائدنا وعلينا اتباعه.

كان الكل يلتقي عند أحدهم ويتابع المستجدات، ويتناقشون يتصارعون وكل ينتصر من أجل معتقده، لكن الواقع يسير بشكل مختلف، بغض النظر عن رأي الكل، تنتهي مناقشاتهم وكل يذهب إلى بيته كأن شيئاً لم يكن.

في القرية يوشع يقتل صديقة زكريا ويهرب إلى العراق ويعمل في باديتها مع الشيخ يورانس، نتعرف على عوالم من أجواء التهريب وعلاقات الدول ومصالحها.

في القرية الشيخ عبد الله يحرض على قتل الزانيتين كوثر وأمينة، أما الإمام عبد الواحد، يدافع عنهما، سواء من خلال تفسير النصوص بأن لا رجم في الإسلام، أو أنه لا يوجد دليل كافٍ على إدانتهم، ويساعد أمينة لتصل إلى مرحلة الاعتماد على ذاتها كيف وقع الأستاذ إلياس في حبها، ويقرر اعتناق الإسلام ليتزوجها، ويتزوجها، لكن شباب القرية يهاجموهم في بيتهما ويقتلوا أمينة الخاطئة، أما كوثر فقد حماها الإمام، وساعدها وأعاد احترامها في القرية، وأحبها أحد الشباب واتفقا على الزواج. القرية لم تكن بعيدة عمّا يجري في سوريا عموماً، الصراع بين حلف بغداد وعبد الناصر، وتأميم قناة السويس وانتصار عبد الناصر وتحوله لقائد قومي، الوحدة المصرية السورية، وكيفية تطور الدولة في سورية، الأجواء الأمنية، سيطرة المخابرات، الاعتقالات التي طالت الإسلاميين والشيوعيين، إحضار المصريين إلى سورية ليقودوا الدوائر والمدارس وهم أقل كفاءة، انقلاب الإحساس تجاه الوحدة، الناس يعيشون مظلومية جديدة جعلت الكثير يهرب من سوريا إلى البلاد المجاورة.

تواطؤ مجموعة من الضباط على الانقلاب، وحصول الانفصال ١٩٦١، الذي لم يستمر أكثر من سنتين، وقامت حركة آذار ١٩٦٣، التي سيطر فيها ضباط ناصريين وبعثيين ومستقلين، تحت دعوى إعادة الوحدة، وكان البعثيين منظمين ولهم لجنتهم العسكرية، أُقصي الناصريون من الحكم أولاً. ثم المستقلين، ثم الجناح المدني للحزب بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وسيطرت اللجنة العسكرية التي كانت قيادتها لـ”محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد” وغيرهم، وتوسعت لاحقاً، سيقصي قادة اللجنة العسكرية بعضهم بعضاً، ليرتفع على حكم سوريا حافظ الأسد، منذ ١٩٧٠، وهذا ما لم تصل له الرواية.

تنتهي الرواية وأمينة يقتلها إخوتها مع شباب الحي رغم توبتها وزواج إلياس الذي أسلم لأجل ذلك منها، الشيخ عبد الله مات، والإمام عبد الواحد مازال يبحث في القرآن والكتب السماوية والتاريخ ولم يصل إلى يقين تستقر نفسه عليه.

في تحليل الرواية نقول: نحن بحاجة لهكذا نوع من الروايات تعيد تأريخ الحياة الريفية في الخمسينات بكل تفاصيلها الواقعية والمعرفية والاعتقادية، بأفكارها وعاداتها وتقاليدها، وخرافاتها. الرواية نجحت بذلك.

نجحت الرواية بإعادة فتح ملف التعامل مع الإسلام، وأن هناك رؤى تقليدية قد تكون خاطئة وقد تكون مناقضة لجوهر الإسلام، وأن هناك رؤى أكثر عمقاً وأكثر تعبيراً عن جوهر الدين ورسالته الخيّرة للبشر، للحرية والعدل والإنسانية.

الرواية تفتح آفاقاً رحبة على معلومات في التاريخ الديني، وفي نصوص الدين، وفي التاريخ الحقيقي، سواء لبلاد الشام المطرية، أو مصر هبة النيل والصحراء والإله الغير مرئي.

الرواية تعيد دفعنا للتفكير في المسلمات، وأن لا جواب نهائي في قضايا الغيب، وباب العقل مفتوح للبحث في كل شيء، كل الوقت.

الرواية تقول رأيها بحذر حول الأحداث التاريخية، قد نختلف مع بعض الاستنتاجات، وقد نتفق، لكنها تقدم رأيها بمرونة ودون إلحاح أو إجبار.

الرواية تؤسس لما سيأتي في سورية الحديثة بعد عصر البعث الأول، إنها تؤسس لعمل روائي آخر يجب أن يكتب عن سورية بعد ١٩٧٠.

الرواية تحدثت أن أبناء المطر وأهل بلاد الشام مهتمون بالسماء وما تقدمه من عطاءات للطبيعة. لكن سورية بعد ١٩٧٠، أصبحت مرهونة لسياسات تبعد كثيراً عن السماء والطبيعة والله والأديان والتاريخ، لتدخل في تاريخ الدولة السلطانية المستبدة المستعبدة لشعبها، والتي تعيد صياغة حياتهم أحياء وأمواتاً لأجل السلطان الأعظم، المستبد الإله.

ولابد من عمل روائي آخر يعيد تأريخ خروج العبيد عن حكم السلطان الإله، وانتصار إنسانيتهم في الربيع السوري منذ ٢٠١١ حتى الآن بغض النظر عما حصل معهم من هزائم وفجائع أو انتصارات.

  • Social Links:

Leave a Reply