معارضة الكلب وابن بهجت سليمان – خطيب بدلة

معارضة الكلب وابن بهجت سليمان – خطيب بدلة

لدى ضابط المخابرات السوري السابق، بهجت سليمان، ولد خلقتُه مُحَيَّرة، فلا هو ذكي ولمّاح ونبيه، ولا هو أجدب ومخبول ومغفل.. هذا الفتى المسكين استغل أن وسائل التواصل الاجتماعي متاحة للعقلاء والمجاذيب و(المُحَيَّرين) على حد السواء، ووجه إلينا، نحن المعارضين، رسالة غاضبة سمانا فيها “معارضة الكلب”. وقال لنا: “أنتم الذين تعارضون الكلب، إن زوجته، (يقصد زوجة بشار الأسد)، ليست مصابة بالسرطان، يا كلاب”.. وهكذا، ظلّ يردّد كلمة “كلب” حتى ظننا أننا لا نعيش في دولة، وإنما في “مكلبة”.
لا يعرف ابنُ بهجت، وأنَّى له أن يعرف، أن حيوان الكلب لا يصلح موضوعاً للسباب في كل زمان ومكان، فلو قلتَ لرجل ألماني، مثلاً، أنت مثل الكلب، لقال لك: شكراً، ثم انتظر منك توضيحاً عن وجه الشبه بينه وبين الكلب. وذات مرة، في محاكم اللجوء، وَجَّهَ قاضٍ سويدي للاجئ سوري السؤالَ التقليدي: كيف كنتم عايشين في سورية؟ قال اللاجئ: والله يا سيدي كنا نعيش عيشة الكلاب. فدهش القاضي وقال: ممتاز، لماذا هاجرتم إذن؟!
ولئلا نبعد المثال، أيها الفتى الطيب، سأقول لك إننا، نحن العربان، لم نكن نحتقر الكلب مثلما تحتقرُه أنت، وإن كنتَ تُعْرَفُ بين أهلك وأصدقائك ببضعة أسماء، فإن للكلب، عند أجدادك العرب، سبعةً وسبعين اسماً، كان فيلسوفُنا العظيم المعري يحفظُها كلَّها.. وكان أجدادُنا يحترمون الكلب، ويسمّون أبناءهم باسمه الكامل (كلب)، أو المصغّر (كُلَيب)، وكانت هناك قبيلة يُضرب بها المثل بالعزة والرفعة اسمها “كِلَاب”.. وذات يوم، كان جرير يتهاجى مع الفرزدق، فتدخل الراعي النميري مناصراً الفرزدق، فعَلِقَ المسكين بين براثن جرير، كعلقة البدوي بصلاة التراويح، إذ لسعه جرير بقصيدةٍ طويلةٍ أطلق عليها النقاد اسم “الدامغة”، ومنها البيتُ الشهيرُ: فَغُضَّ الطرفَ إنك من نميرٍ/ فلا كعباً بلغتَ ولا كِلَابا
الحقيقة أنه يوجد شبه كبير بين جرير وحضرتك، على الرغم من أنه بالغ الذكاء وحضرتك نصف أهبل. وجهُ الشبه أن كليكما لا تنظران إلى أفعال الناس، وإنما إلى أسماء قبائلهم وعائلاتهم وتكتلاتهم العرقية، فعند جرير أن قبيلة كعب كلها عظيمة، هكذا (Package)، وكذلك قبيلة كلاب، بينما قبيلة نُمير كلها (Package) في منتهى الخسّة والنذالة، لذلك يُطْلَبُ من المنتسب إليها أن يغضّ الطّرْف خجلاً من نسبه الوضيع، وأنت ترى أن بيت الأسد وبيت سليمان وبيت الأخرس منزّهون عن النقد، ومنزّهون حتى عن الإصابة بالسرطان، وأنَّ كلَّ مَنْ عداكم كلب، أو معارضة كلب.
لعل أكثر ما أعجبني فيك، أيها الفتى المتحمس لبقاء زوجة ولي نعمة والده بعيدة عن السرطان، أنك تساوي، من دون أن تقصد، بين المُشَبَّه والمُشَبَّه به، فتسمينا “معارضة الكلب”، وتقول في الشرح إننا هكذا لأننا نعارض “الكلب”. حلوة منك والله. وإكراماً لهذا الحسّ الموضوعي الفطري المتوفر لديك، سأحكي لك حكاية “على كيف كيفك”. يا عزيزي، هناك أديب تركي كبير راحل، اسمه عزيز نسين، أَلَّفَ رواية مهمة عنوانها “زوبك” (Zübük)، وضع في عتبتها عبارةً يمكننا أن نعتبرها خالدة، وهي: الكلبُ يمشي في ظل العربة فيظنُّ ظِلَّ العربةِ ظِلَّهُ. .. دعني أوضح لك مضمونها لو سمحت:
هناك سُلْطة يُشَبِّهُها نسين بالعربة، وهناك رجل صغير يعيش في بلدةٍ صغيرة جنوب تركيا، اسمه “إبراهيم بيك زوبُكْ زاده”، أراد أن يصعد، فمشى في ظل العربة، وصار ينبح على الناس، ويستغلهم باسم السلطة، إذ يضرب بسيف السلطة.. وكانت أخباره تصل إلى الرجال الكبار في السلطة، فيضحكون عليه، ويتندّرون بحكاياته، لكنهم، في المحصلة، وجدوا أنه فاسدٌ بما يتناسب مع سلطتهم، فقبلوه بينهم، وتركوه يتابع صعوده حتى التحمَ بالسلطة تماماً، وصار يسبّ على معارضيها.. وهكذا لم يعد “كالكلب” الماشي في ظل العربة، وإنما صار واحداً من كلاب السلطة المعدودة.

  • Social Links:

Leave a Reply