مدنية ديمقراطية عدالة اجتماعية تصدرها اللجنة المركزية لحزب اليسار الديمقراطي رقم العدد 477 \ السبت \ 29 \ 1 \ 2018 \ الساعة \ 00:00
الأسد ينقلب على حزب البعث – مشعل العدوي

الأسد ينقلب على حزب البعث – مشعل العدوي

لم يكن حزب البعث يومًا إلا أداة للسلطة، وخاصة بعد عام 1970، رغم تسميته في المادة الثامنة من الدستور السابق “قائدًا للدولة والمجتمع”، وفي حقيقة الأمر لم يكن هذا الحزب سوى واجهة، وأداة لإدارة الدولة من قِبل شخص واحد فقط، هو رئيس الجمهورية، القائد الأوحد للدولة والمجتمع.

اليوم، بعد أن تم استهلاك هذه الواجهة بشكل مريع، وانحسر اللثام عنها، وتبيّن للسلطة والعالم أن الحزب لم يكن يومًا ذا جدوى في قيادة المجتمع؛ رأى رئيس سلطة الأمر الواقع في دمشق أن يستبدل هذه الواجهة بواجهة أكثر قبولًا -حسب اعتقاده- من طرف المجتمع المحلي والدولي؛ فاختار وزارة الأوقاف وِجهةً له، حيث يتم بناء وزارة الأوقاف اليوم على طريقة هيكلية حزبية، فبدلًا من اللجنة المركزية للحزب، هناك المجلس الأعلى للإفتاء، الذي يتكون من سبعة وثلاثين شخصًا، سبعة وعشرون منهم يُعيّنهم وزير الأوقاف الذي يتخذ مركز الأمين العام، وخمس نساء من أجل الجندرة.

يستمر الهرم الحزبي (السُني) من منصب الأمين العام إلى حزب الأوقاف نزولًا إلى مديري الأوقاف، كأمناء فروع للحزب الجديد، ثم إلى مفتي الوحدات الإدارية بصفتهم أمناء للشعب، ثم الخطباء بصفتهم أمناء للفرق والحلقات، وهم من يتولى قراءة النشرة الحزبية الأسبوعية الصادرة عن مكتب الأمين العام الوقفي، على الرفاق الحضور في صلاة الجمعة. هذا، ويُعتبر كل حزب غير حزب الأوقاف بمثابة تنظيم سري يجب معاقبته.

في اجتماع ضمّ وريثَ السلطة في دمشق مع الأمين العام لحزب الأوقاف السُنية، وجمعًا من الشباب المؤمن ذكورًا وإناثًا، تحدث الأسد، أكثر من عشرين دقيقةً، مرشدًا وموجهًا هؤلاء الدعاة والداعيات، عن منهجية العمل الدعوي وأهدافه وأساليبه، وَمِمَّا قاله في معرض حديثه: “إذا أردنا أن نفهم القرآن؛ فعلينا أن نفهم الحياة”، وأن “المجتمع اليوم يُمارس الطقوس والشعائر، ولا يُمارس الإيمان”. أمرٌ مذهل أن يُخاطب شخص لا يحفظ الفاتحة أشخاصًا يحفظون كامل القرآن، وهم يهزون برؤوسهم علامةً على الموافقة والرضى، فقد نصّب الرجل نفسه مرجعية عُليا للحزب الجديد دون منازع.

الأسد ليس غبيًا، كما يُحاول البعض تصويره لنا، بل هو من الذكاء حدّ الخُبث والمكر، فهو ليس حريصًا على الدين وتنظيمه، بمقدار حرصه على السيطرة على المجتمع من خلال وزارة الأوقاف، هذه المرة وانقلابًا على حزب البعث، وهذا أدهى أنواع الانقلابات، حيث إن القائد قد انقلب على الحزب، وليس العكس، وهذا لم يسبقه إليه أحد سوى أبيه، حين انقلب على الحزب بحركة أسماها تصحيحية، وكانت تسلطية، وابنه اليوم ينقلب بهدوء وصمت، من حزب البعث إلى حزب الأوقاف الذي يظنه أقوى.

من جانب آخر، فإن الأسد في حركته الجديدة المتمثلة في المرسوم التشريعي واللاشرعي رقم 16 لعام 2018، أراد أن يُلبس الثورة عمامةً، وأن يقول للعالم إن الثورة هي ذات طابع ديني ناجم عن مفهوم خاطئ للقرآن، وأنا اليوم أقوم بتصحيح هذه المفاهيم الخاطئة والتفاسير المغلوطة للقرآن، وأحارب التطرّف والإرهاب، وعلى المجتمع الدولي تقديم الدعم لي وإعادة تأهيلي.

الأسد لم -ولن- يفهم أن هذه الثورة قد قامت نتيجة للظلم والاستبداد والفساد، وإطلاق العصي الأمنية الخشنة في وجه الناس، لإذلالهم وتركيعهم ومقاسمتهم على لقمة عيشهم، وليس من منطلق ديني صرف، فالناس بعد أن يئسوا من أي إصلاح، وانسدت في وجوههم كل الدروب؛ صاحوا (ما لنا غيرك يا الله)، كملجأ أخير يلتجئون إليه.

لو أراد الأسد الإصلاح فعلًا؛ لنشر دور السينما والمسارح، ورفع القبضة الأمنية عن رقاب الناس، وكافح الفساد المستشري، ولأنفق هذه المليارات التي أنفقها في الحرب على تنمية المجتمع وزيادة فرص العمل بعيدًا عن شراكة رامي مخلوف القسرية في كل مشروع ناجح في البلد. الأسد اليوم، من خلال المرسوم 16 والقانون 10، يحصد ثمار الثورة لمصلحته من أجل تعزيز سيطرته على الدولة وبتأييد دولي، والمستهدف من المرسوم والقانون هم فئة واحدة من الشعب، هي الفئة التي خرجت مطالبةً بالحرية، فدوما وداريّا والمخيمات معروفٌ من يقطن فيها، أما في المسألة الوقفية، فلا يوجد أموال وقفية مسجلة لدى وزارة الأوقاف سوى أموال الوقف السني، أما باقي الأوقاف التابعة للمذاهب والأديان الأخرى فمرجعياتها خاصة بها.

  • Social Links:

Leave a Reply