قصة حقيقية احترق اكرم كما احترق الوطن – عمران كيالي

قصة حقيقية احترق اكرم كما احترق الوطن – عمران كيالي

احترق اكرم كما احترق الوطن
قصة حقيقيه

عمران كيالي

— هل قلت لي أن اسمه أكرم ؟

— لست متأكدا من اسمه، إنما هو الوحيد الذي يبيع البليلة وسط الساحة .

    كان مقهى جحا الذي نجتمع فيه ظهرا أو مساء فوق منتدى الشام الذي يرتاده هواة الشطرنج، و كنت أتجه مع وضاح إليه .

    لاحقا، و قبل ثمان سنوات تقريبا، تم تفجير المبنى، قيل لنا بأن المقهى كان منزلا للمرحوم سعد الله الجابري، ثم سكنه المرحوم جمال كوراني .

    تابع وضاح :

    أنا رأيته، خلال أقل من دقيقة، احترق كليا و وقع على أرض الساحة دون حراك .

    — يا لطيف … يا لطيف … أريد أن تصف لي بالتفصيل ما رأيته، ربما أكتب ذلك كقصة قصيرة، و لا مانع أن تتحدث باللهجة العامية الحلبية حتى يصل المعنى المقصود .

— إذا اسمع :

    بعد أن قطعت إشارة المرور التي أمام بريد الجميلية متجها إلى الإشارة التي أمام الفندق السياحي، في طريقي إلى منتدى الشام، مررت بصف طويل من الأولاد، ماسحي الأحذية، الذين يحملون الفرشاة بيدهم، و ينقرون بها على صندوق البويا الخشبي، المصنع كيفما اتفق، و يتفننون بدعوة المارة لمسح أحذيتهم، بخمس ليرات، بعشر ليرات …

    عندما وصلت إلى منتصف الساحة، كان موظفا البلدية يجادلان بياع البليلة، يريدان مصادرة الببور و برميل التوتياء الذي يسلق فيه عرانيس الذرة، بينما الولد أكرم يترجاهما أن لا يفعلا ذلك، و يحلف لهما  بأن هذا الببور و هذا البرميل هو كل ما يملك في هذه الدنيا، و أن المصادرة تعني بقاء خمسة أشخاص في البيت دون معيل …

    يحاول إثنان من المارة التدخل، يتحدثان مع موظفي البلدية لمنع المصادرة، و النظر بعين الرأفة و التساهل مع الشاب، بياع البليلة، دون جدوى .

    عندما تأكدت نية المصادرة، و فقد أكرم وسائل الترجي و الدفاع عن النفس و لقمة العيش، قام، و بحركة انفعالية تخلو من العقل، بحمل الببور و سكب الكاز على رأسه .

    خلال دقيقة، بعد إشعال القداحة، كان أكرم يفتل في مكانه وسط الساحة، كتلة من نار، أمام ذهول موظفي البلدية و المارة الذين تجمعوا، و باءت كل محاولات الإنقاذ و إطفاء النيران بالفشل .

— سلام على روحك يا أكرم .

— سلام على روح شهداء الوطن .

— سلام على روح من مات من أجل الحياة .

— سلام على روح من حارب الغزاة .

— سلام على روح من حارب الطغاة .

الظالم لا يعرف الإنسان، الظالم لا يعرف الأوطان ..

  • Social Links:

Leave a Reply