الاستعصاء السياسي في الجزائر أسبابه ومآلاته

الاستعصاء السياسي في الجزائر أسبابه ومآلاته

الاستعصاء السياسي في الجزائر أسبابه ومآلاته

الكاتب: وحدة الدراسات السياسية والاستراتيجية في مرصد مينا

يبدو أن الجزائر تقترب بسرعة كبيرة من مأزق سياسي جديد شبيه بمأزق أزمة عام 1988، إذ تدلّ كل المؤشرات على تراجع الوضع المعيشي للشعب الجزائري، إذ تأكّل رصيد البلاد من عملتها الصعبة بمقدار 50 في المئة، في وقت لم تقم الطبقة السياسية الحاكمة بوضع استراتيجية متكاملة للبلاد للخروج من أزمتها المستمرة منذ اندلاع الصراع المسلح بينها وبين الإسلاميين المتشددين.

ترصد هذه الورقة أسباب ما وصلت إليه الجزائر ومآلاته من خلال المحاور الآتية:

مرحلة بومدين ودور حزب جبهة التحرير.

الدور الحقيقي لمؤسسة الجيش في الجزائر.

واقع القوى الليبرالية الجزائرية.

واقع القوى السياسية الجزائرية.

واقع التيار الإسلامي الجزائري.

الاستعصاء السياسي في الجزائر حالياً.

احتمالات الصراع السياسي في الجزائر.

 استقلت الجزائر في الخامس من تموز/ يوليو عام 1962 بعد كفاح مسلح دام قرابة ثمانية أعوام، وكلّف الجزائريين نحو مليون ونصف مليون شهيد. هذا الكفاح الذي قادته “جبهة التحرير الوطني”(1) كان يهدف إلى تحرير البلاد من الاحتلال الفرنسي، وإعادة بناء الدولة الجزائرية الديمقراطية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية، وعلى أساس وحدة الشعب ووحدة التراب الوطني.

“إن جبهة التحرير الوطني ليست هي حزب جبهة التحرير، فالجبهة التي قادت حرب الاستقلال ضمّت طيفاً سياسياً موحداً بهدفٍ واحد هو الخلاص من الاستعمار. أما حزب الجبهة فهو كيان وهيكل وظيفته أن يُضفي الشرعية، وأن يلعب دور الأداة للدولة”(2).

إن معرفة واقع الحياة السياسية في الجزائر يحتاج بالضرورة إلى معرفة المراحل التي مرّت بها البلاد، وتحديداً بعد استقلالها، وصعود الرئيس الأسبق هواري بومدين إلى السلطة بعد انقلابه على صديقه أحمد بن بلّه عام 1965، ثم مجيء الرئيس الشاذلي بن جديد إلى الحكم بعد وفاة بومدين، وما تبع ذلك من اضطرابات وتعديلات دستورية، ثم الانزلاق في دوامة عنف بعد الانتخابات البرلمانية التي فازت بها “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” ولم تستطع أن تشكلّ حكومتها بسبب منع المؤسسة العسكرية /الجيش والأمن/ لها.

مرحلة بومدين ودور حزب جبهة التحرير

كان لوصول الرئيس هواري بومدين إلى السلطة بانقلاب عسكري نفّذه ضد الرئيس أحمد بن بله دوراً مهماً في ترسيخ دور الجيش الجزائري في الحياة السياسية للبلاد، وعرقلة تطور الجزائر الطبيعي، وقد عمل بومدين على انتهاج ما أسماه بالثورات الثلاث “الزراعية – الثقافية – الصناعية” مقلّداً تجارب تجري في بلدان اشتراكية كان معجباً بها.

شهدت مرحلة بومدين (1965 – 1978) تعزيز دور حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، إذ لا يمكن أن يتبوأ أحد مراكز في السلطة والحكومة من دون موافقة هذا الحزب. وقد أنشأ بومدين مجلس حكمٍ أطلق عليه اسم “مجلس الثورة”، وهو مجلس مسؤول عن القرارات الكبرى في حياة البلاد. هذا المجلس لعب دوراً في تأميم قطاع النفط، واسترجاع الثروات الوطنية الباطنية والطبيعية، وهو من اعتمد طريق التطور اللارأسمالي “الاقتصاد الموجه” وإشراف الدولة على قطاعات الإنتاج الوطني كلها في البلاد. كانت سياسة الجزائر في مرحلة حكم بومدين ذات اتجاه تحرري. إذ لعبت الجزائر دوراً مهماً في مجموعة “عدم الانحياز” ومنظمة “الوحدة الأفريقية”.

لكن هذه السياسة لم تستطع ترسيخ نفسها عبر ركائز مادية ذات قيمة استراتيجية، فقد بقيت الجزائر في عهد بومدين وما بعده دولةً تعتمد في نموها الاقتصادي على تصدير النفط والغاز واعتماد جلّ دخلها على ذلك، ولهذا بقي استقرار الجزائر الاقتصادي والسياسي رهناً لتقلبات أسعار الطاقة دولياً.

وحين انخفضت أسعار البترول عالمياً تأثرت الجزائر بهذا الانخفاض وتحديداً في أزمة عام 1986 إذ انحدر سعر برميل النفط إلى مستوى عشرة دولارات من مستوى ثلاثين دولاراً للبرميل الواحد.

إنّ دور جبهة التحرير الوطني في الحكم دوراً غير حاسم، إذ كانت السلطة الحقيقية تخضع لنفوذ المؤسسة العسكرية والأمنية، وكان من الممكن القول “إن زعماء البلد الحقيقيين في الداخل لم يكونوا من ناشطي الحزب، وإنما اصحاب القرار والنفوذ في السلطة الأوليغارشية المركزية”(3).

إذاً يمكن أن نُطلق على حزب جبهة التحرير الوطني “حزب السلطة وغطاءها الشرعي”، فهذا الحزب لا يستطيع عصيان أوامر قيادة السلطة نظراً إلى روابطه الوثيقة بها وباعتباره أداتها. فرجال الحكم الحقيقيون كانوا ينتسبون إلى هذا الحزب باعتباره رمزاً للكفاح من أجل استخدامه غطاء سياسياً للحكم.

لذلك يمكن اعتبار أن حزب جبهة التحرير ليس هو الحزب الحقيقي الذي يقود البلاد، بل إن الذي يحكم ويقود هو الفئة المسيطرة على القرار السياسي والأمني والعسكري “أي الجيش”.

الدور الحقيقي لمؤسسة الجيش

يقوم الجيش في أي بلدٍ من بلدان العالم بدور حماية بلده من أي اعتداء خارجي، فمهمته هي المحافظة على الاستقلال وعلى التراب الوطني. لكن الجيش في دول العالم الثالث يلعب دوراً آخر غير حماية البلاد، فهو بوصفه مؤسسة يصل إلى الحكم عبر الانقلابات العسكرية، هذا ما حدث في الجزائر بُعيد استقلالها بقليل، فعلى الرغم من أن الدستور الجزائري حدّد مهمة هذا الجيش بأنها “تتمثّل في المحافظة على الاستقلال الوطني والدفاع عن السيادة الوطنية”(4). المادة (25) من الدستور الجزائري.

لكن هذا الجيش لم يلتزم بهذا الدور فحسب، بل تعداه إلى التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للبلاد، وبشكل واضح منذ أزمة عام 1991 التي جرت فيها الانتخابات البرلمانية وفاز فيها “الإسلاميون”.

لقد تدخلت المؤسسة العسكرية الجزائرية ومنعت استكمال الانتخابات، وأعلنت حالة الطوارئ. هذا الموقف أدخل البلاد في دوامة عنف أزهقت أرواح ما يزيد على مئة ألف شخص. وإذا أردنا فهم ما جرى بصورة أدق، فإن الأزمة الاقتصادية التي شهدتها الجزائر عام 1986 دفعت بقوى الشعب الجزائري إلى الاحتجاج والتظاهر مطالبة بتغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد. هذا الاحتجاج هو من دفع الرئيس الشاذلي بن جديد إلى طرح برنامج إصلاحات سياسية لتحويل البلاد من السيطرة السابقة إلى حالة من الليبرالية السياسية. لكن هذه الليبرالية لم يكن لها حوامل حقيقية تحملها وتسير ببرنامجها إلى الأمام، ولهذا ومع أول تجربة انتخابات برلمانية سقطت هذه التجربة الليبرالية، بحيث يمكن القول إن المؤسسة العسكرية أجبرت الشاذلي بن جديد على الاستقالة من أجل منع توسيع المجال العام للعمل السياسي الحقيقي الذي “يتطلب الاعتراف التام بالحريات المدنية والسياسية للشعب الجزائري”(5).

كانت المؤسسة العسكرية تُدرك أن أي إصلاحات سياسية حقيقية تجري في بنية نظام الحكم ستطال مركزها المهيمن، وتطال مصالحها ونفوذها. ولهذا لجأت إلى إفشال الليبرالية السياسية وأبقت على الشقّ الاقتصادي، أي تحرير الأسواق والتجارة، وتشجيع عمل الاقتصاد الخاص.

ويمكن تلخيص التعديل الدستوري لعام 1988 بأنه أعاد تنظيم السلطة التنفيذية، بحيث أصبحت هذه السلطة ثنائية بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ويقوم رئيس الحكومة من خلال ذلك التعديل بتقديم برنامج حكومته أمام البرلمان، ويكون مسؤولاً عنه أمامه. لقد شملت التعديلات الدستورية إقرار فصل الدولة عن الحزب، وأنهت الدور السياسي للجيش، وألغت النصوص الدستورية كلها التي كانت تُعطيه الحق في بناء الاشتراكية في البلاد.

هذه التعديلات الدستورية أتت نتيجة انهيار الاقتصاد الجزائري بسبب انهيار أسعار النفط في تلك المرحلة، وهذا يعني فشل حزب السلطة في السيطرة على الأوضاع الاقتصادية، وتجنيب البلاد مثل هذا المأزق الخطر. ولكن على الرغم من أن دستور عام 1989 سمح بالتعددية السياسية (المادة 40) لكنه أتى بصيغة ذات دلالة مختلفة بهذا الشأن، فنص المادة يقول “إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي” وهذه صيغة تختلف عن صيغة تقول “حق تشكيل الأحزاب والمنظمات السياسية” فالجمعيات هي بالمعنى اللغوي والسياسي لا تعني أحزاباً.

التعديلات الدستورية كلها التي اعتُمدت عام 1989 لم تصمد حين تدخل الجيش الجزائري ومنع الإسلاميين من تشكيل الحكومة بعد فوزهم البرلماني.

واقع القوى الليبرالية الجزائرية

لم تعرف الجزائر بنىً سياسيةً أو اقتصاديةً ليبراليةً ذات هامشٍ حقيقي. فهذا البلد كان وما يزال محكوماً من إطار سياسي هو حزب جبهة التحرير الوطني الذي يختفي خلفه أركان المؤسسة العسكرية والأمنية. وهذا يعني غياباً تاماً للثقافة السياسية الديمقراطية، فالبلاد التي لا تجد قوى السوق الحقيقية الاقتصادية الوطنية متسعاً فيها للتعبير عن حاجاتها السياسية ستكون بلاداً ذات أفقٍ تطوريٍ مسدود.

الاقتصاد الجزائري بعد الاستقلال كان اقتصاداً مركزياً تلعب فيه الدولة دور رب عملٍ. أما القطاع الخاص فهو قطاع يعيش على ما توفره له الدولة من نشاط اقتصادي يرتبط عضوياً بالنشاط الاقتصادي المركزي للدولة.

ولا يمكن الحديث سابقاً مع مطلع التسعينيات من القرن المنصرم عن ثقافة سياسية ليبرالية، في وقت بيّنت فيه الأحداث التالية للانتخابات البرلمانية أن الثقافة السياسية الجزائرية ترتكز في تلك الآونة على رفض الطرف الآخر، وهذا الرفض يساعد في إعادة إنتاج النظام التسلطي وتعزيزه، ويمنع بروز الحكم الديمقراطي.

لم تستطع القوى الليبرالية الاقتصادية الجزائرية أن تبلور حزباً سياسياً أو تمثيلاً سياسياً حقيقياً يعبّر عن ليبرالية سياسية تعترف بحقوق الإنسان، وتسمح بقيام منظمات المجتمع المدني بدورها في الحياة العامة للبلاد. فما دامت القوة المسيطرة على البلاد هي المؤسسة العسكرية الأمنية لا يمكن أن تتغير هذه العلاقة الداخلية بحيث تتطور نحو الانفتاح على الآخر المختلف والاعتراف به والسماح له بالنشاط.

لقد لعبت السلطة العسكرية الجزائرية دوراً معطّلاً للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، لأنها اعتمدت على العلاقة التي تنصّ على سلطة خضوع أو سلطة ولاء. فالسلطة هنا من شروطها السياسية في هذه العلاقة أن تقوم على إخضاع المقابل لها (الشعب) كي تستمر. هذا الإخضاع يأخذ شكلاً أيديولوجياً هو “الولاء” لسلطة جبهة التحرير الوطني التي قادت البلاد نحو الاستقلال، ومن ثم هذا الولاء يذهب لمصلحة من يسيطر على مفاتيح عمل السلطة، وهو هنا الجيش والمؤسسة الأمنية.

إنّ القوى الليبرالية لم تستطع بسبب عجز بنيوي لتكوينها أن تشكّل تعبيراً سياسياً حقيقياً لها، فالليبرالية الاقتصادية لم تكن بعيدة أصلاً من التبعية السلطوية لقوى مركز الحكم في البلاد.

 إنّ الجزائر تفتقد حتى هذا الوقت إلى وجود طبقة برجوازية قوية، وهذا يمكن الاستدلال عليه من خلال لعب الدولة دورر طبقة اجتماعية بذاتها ولذاتها بعيداً عن المجتمع. ولفهم الأمر بصورة أدق يمكن الإشارة إلى أن القطاع الخاص الجزائري ما يزال قطاعاً ضعيفاً وهامشياً ولا يعمل سوى في المجال التجاري.

إنّ تصميم التعديلات الدستورية لعام 1989 أتت لتخدم استمرار نظام المؤسسة العسكرية في التحكم بالحياة السياسية والاقتصادية الجزائرية، فالنخب الحاكمة ما تزال هي من يتحكم في لعبة الاقتصاد الوطني، وفي الرقابة عليها، والرقابة على وسائل الإنتاج كلها.

إذاً لا توجد ليبرالية اقتصادية طبيعية وحقيقية في الجزائر، وهذا يعني أنها فئة ليبرالية تشكّل جزءاً من بنية الطبقة المسيطرة على الدولة والمجتمع، وليست فئةً لها مشروعها الوطني الخاص بتطوير الاقتصاد والمجتمع.

واقع القوى اليسارية الجزائرية

تنشأ الأحزاب اليسارية في المجتمعات المعاصرة للتعبير عن مصالح الطبقات الشعبية الأكثر فقراً من فلاحين وعمال وفئات دنيا من الطبقة الوسطى. هذا الواقع لم يجد له متنفساً في الجزائر، فبعد الاستقلال وانتهاج البلاد نموذج “رأسمالية الدولة” أي إن الدولة تحولت إلى رب عمل اقتصادي، وصارت القاعدة الاجتماعية للعمل جزءاً من آلية هذا النظام الاقتصادي، وهذا يعني أن الدولة أحدثت منظمات تدافع عن حقوق هذه الطبقات الشعبية كاتحاد العمال أو اتحاد الفلاحين …إلخ. هذه المنظمات مع غياب دستور يسمح بالتعددية السياسية، وحقّ تشكيل المنظمات المدنية المستقلة منعت أحزاب اليسار في الجزائر من لعب دورٍ تمثيلي حقيقي لهذه الطبقات. لذلك نجد أن الحركة الديمقراطية الاجتماعية وارثة الحزب الشيوعي الجزائري “باتت تواجه مشكلات في مستوى علاقتها بوزارة الداخلية، بعد أن مزقتها الصراعات حول الزعامة، وخوضها معارك قضائية مع الإدارة”(6).

لقد لعب زعيم اليسار الجزائري الراحل حسين آيت أحمد -الذي كان من ضمن جبهة التحرير الوطني التي خاضت الكفاح التحرري ضد الاستعمار الفرنسي- دوراً مهماً في “تأسيس حزب جبهة القوى الاشتراكية يوم 29 أيلول/ سبتمبر عام 1963″(7). هذا الحزب بقي وفياً لقيم حركة التحرير الوطني، وقيم الحرية والمساواة والعدالة والثقافة، وبقي برنامجه السياسي يعبّر عن “الأمازيغية والإسلام والعروبة والحداثة”.

يمكن تصنيف هذا الحزب على أنه من أحزاب الأممية الثانية، إذ يُعلن رسمياً اعتماده على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إنّ الحركة اليسارية الحديثة في الجزائر هي حركة تتكون من جماعات وتكتلات ومنظمات متعددة، وهي في مجموعها تعمل على استمرار المقاومة الاجتماعية السلمية من خلال بناء مشروع دولة قانون ومؤسسات ولكن هذه الحركة تواجه واقعاً معقّداً سببته الديكتاتورية التي فرضها نظام المؤسسة العسكرية التسلطي منذ استقلال البلاد. ونجد أن الحركة اليسارية الجزائرية يمكن أن “تظهر بأشكال مختلفة، وتتبنى أحكاماً قيمية نابعة من واقعها الحي، وتعبر بأسلوب متنوع عن رفضها للوضع الاجتماعي وممارسات يحاول من خلالها اليساريون لفت الانتباه للرؤى المتباينة والحلول المستقبلية المرتقبة”(8).

ويمكن القول إن حزب العمال الجزائري هو حزب فقد قوته لمصلحة الحركة العمالية التي تتبع لحزب جبهة التحرير الوطني، ولهذا أصبح شعار “الدولة الاجتماعية” لحزب العمال الذي تقوده السيدة لويزة حنون شعاراً لا يجد له أي صدى لدى الفئات الاجتماعية المحرومة من العمل في المؤسسات الصناعية الحكومية بسبب تراجع الدولة عن هذا الدور.

هذا الحزب لم يعمل في القاعدة العمالية من أجل تكوين إطار سياسي له حاضنة حقيقية، ولهذا يمكن اعتباره ضفةً من ضفاف النظام السياسي الحاكم في الجزائر.

إنّ تحليل الواقع السياسي للحركة السياسية في الجزائر يقود إلى طبيعة العلاقة بين السلطة التاريخية الجزائرية والأحزاب في هذا البلد، فهذه الأحزاب لا يمكن اعتبارها ذات سياقات سياسية مستقلة، فهي دائماً كانت تعبّر بوجودها عن حاجات السلطة وشروط استمرارها.

الجزائر التي شهدت أزمات سياسية متعددة، لم تستطع حركتها السياسية أن تُظهر ثقافة مستقلة وبعيدة عن بنية النظام السياسي السائد في الجزائر. لم تستطع القوى اليسارية أن ترسّخ ثقافة وطنية ديمقراطية في البلاد، ومن ثم فتكوينها البنيوي يندرج ضمن بنية النظام السياسي الجزائري الذي دخل نفقه المسدود.

ويمكن القول إن “كل محاولةٍ لقسر وإجبار تنفيذ المشروع الديمقراطي في غير محله، وفي غياب إمكاناته سوف يُفضي لا محالة إلى الكارثة، وإلى تدمير عدة المقاومة والقدرة على المواجهة”(9). وهذا الأمر ينطبق على اليسار الجزائري، كما ينطبق على باقي القوى السياسية الأخرى.

واقع التيار الإسلامي الجزائري

المجتمع الجزائري مجتمع مسلم ولهذا وجدت الحركات السياسية الإسلامية قاعدة جماهيرية لها في ظلّ فشل سياسي واقتصادي قادها إليه حزب جبهة التحرير الوطني الذي لم يستطع تنفيذ برنامج تنمية وطني شامل، ومن ثم بقيت البنى الاجتماعية والاقتصادية للبلاد من دون تغيير عميق يتلاءم وتطور حاجات المجتمع إذ بقيت البلاد ذات اقتصاد ريعي يعتمد بالدرجة الأولى على تصدير النفط والغاز.

إن الطبقة السياسية الحاكمة في الجزائر لم تسع إلى بناء قاعدة إنتاج صناعية، ولم تُتح الفرصة للقطاع الخاص في البلاد أن يقوم بهذه المهمة، بما يسمح بتطوير الاقتصاد الوطني، وبهذا بقيت الليبرالية السياسية والاقتصادية ذات أثرٍ محدودٍ في مجريات حياة الشعب الجزائري، وحين وقعت أزمة عام 1986 لم تستطع الطبقة السياسية الحاكمة في الجزائر أن تسيطر عليها، فاضطرت هذه الطبقة إلى إجراء تعديلات دستورية عام 1988 شملت السماح بالتعددية السياسية، وتأكيد استقلال القضاء، وإنهاء الدور السياسي للمؤسسة العسكرية.

ويمكن القول إن قبضة السلطة العسكرية السابقة تراجعت بين عامي 1989 – 1991 وهو الأمر الذي سمح بظهور محدود للأحزاب القادرة على التعبئة السياسية، وظهور صحافة جديدة مستقلة ومختلفة التوجهات.

هذا المناخ ساعد الجبهة الإسلامية للإنقاذ أن تشكّل بديلاً لحزب جبهة التحرير الوطني لدى الناخب الجزائري، ففشل حزب جبهة التحرير في إنجاز التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة قاد قاعدة هذا الحزب إلى التصويت لمصلحة الجبهة الإسلامية.

الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS) هي “حزب سياسي جزائري أنشئ في مارس/ آذار 1989 بعد التعديل الدستوري، وإدخال التعددية الحزبية، هذان العاملان فرضتهما الانتفاضة الشعبية في تشرين الأول/ أكتوبر 1988″(10). ولكن هذا الحزب يضمّ في تكوينه تيارات إسلامية مختلفة في تشددها واعتدالها.

هذه الجبهة فازت بالانتخابات التشريعية في 26 كانون الأول/ ديسمبر 1991، وكانت من قبل قد فازت بـ853 بلدية في الانتخابات المحلية في 12 كانون الثاني/ يناير 1990. هذا الفوز أقلق الطبقة السياسية للمؤسسة العسكرية الجزائرية فلجأت الحكومة الموالية إلى العسكر آنذاك بقرار ألغت بموجبه نتائج الانتخابات في 11 كانون الثاني/ يناير 1992 ثم أتبعته بقرار حلّ الجبهة الإسلامية في شهر مارس/ آذار من العام نفسه.

قرار الحكومة الجزائرية انطلق من اعتبار الجبهة الإسلامية للإنقاذ حركةً سلفيةً في جوهرها تنادي بالعودة إلى الإسلام بوصفه السبيل الوحيد للإصلاح القادر على إنقاذ الجزائر مما تعانيه من أزمات اجتماعية وغزو فكري ثقافي.

جبهة التحرير الوطني وهي حزب السلطة لم تُنجز خلال مدة حكمها السابقة ما يمنع تغلغل التيار الإسلامي الأصولي في بنية المجتمع الجزائري، فقد كانت حزباً انفصل عن دوره السابق بقيادة الشعب، وكانت واجهةً لسلطة عسكرية شمولية، منعت كل نشاط خارج إطارها السياسي، وهذا الخلل في البنية السياسية في المجتمع الجزائري هو الذي شكّل قاعدةً للعنف السياسي اللاحق الذي انتهجه الإسلاميون ضدّ نظام المؤسسة العسكرية في البلاد. الصراع كان صراع انتماءٍ وهويةٍ بين الجانبين، ولم يكن صراعاً من أجل إعادة إنتاج بنى المجتمع الجزائري، بما يحقق تطورها وتقدمها، وهذا يكشف غياب حوامل التغيير الديمقراطي في البلاد التي كلّفت الجزائر قرابة مئة ألف ضحية نتيجة الصراع المسلح فيها.

الاستعصاء السياسي في الجزائر حالياً

تمرّ الجزائر في المرحلة الحالية بوضع سياسي يذكّر بوضعها عشية أزمتها في الثمانينيات، فالبلاد التي كانت تملك مخزوناً من العملة الأجنبية يقدّر بمئتي مليار دولار عام 2014 باتت الآن تملك فقط مئة مليار دولار، أي إن احتياطي البلاد من العملة الصعبة استمرّ في التأكل منذ سنوات عدّة. هذا التأكل دفع السلطات الحاكمة في البلاد إلى اتخاذ “إجراءات في مواجهة الأزمة، تمتاز بالطابع الآني، وتفتقر إلى الرؤية التي تتيح للاقتصاد الجزائري التحول من طابعه الريعي إلى طابعه المُنتج”(11).

هذا الوضع المتدهور الذي قادت سياسة حزب جبهة التحرير ومن خلفها المؤسسة العسكرية الحاكمة البلاد إليه لم يكن وليد اللحظة، أو وليد المرحلة الحالية، بل كشف عجزاً بنيوياً لدى الطبقة السياسية الحاكمة عن تقديم برنامج تنمية وطني شامل منذ الاستقلال وحتى الآن.

“إن المؤشرات الاقتصادية في الجزائر تشير إلى أن معدل البطالة بلغ نسبة 11.7 في المئة خلال الفصل الثالث من عام 2017 بمعدل تضخمٍ شهري بلغ في الشهر السادس من عام 2018 ما نسبته 5.92 في المئة”(12).

هذا الوضع كشف غياب الرؤية الاستراتيجية للتنمية لدى حزب جبهة التحرير الوطني، وكشف أيضاً منع الطبقة السياسية الحاكمة لأي إجراء عميق يمسّ البنية الاقتصادية والسياسية الجزائرية، ويهدّد مصالح هذه الطبقة. هذا الوضع يزيد انفصال العلاقة بين المجتمع الجزائري بطبقاته المختلفة والطبقة السياسية المنحدرة من صلب المؤسسة العسكرية والأمنية، ويضع البلاد في حالة استعصاء سياسي. لذلك إن ما يجري الآن في الجزائر يبيّن “أنّ كل أزمة مع اختلاف تفاصيلها كانت تعكس صراعاً على النفوذ والمصالح داخل السلطة، ومحاولة كل طرف أن يكون اللاعب الأبرز في الانتخابات والأكثر قرباً من محيط المرشح الجزائري للاستفادة من ذلك في المرحلة التي تلي الانتخابات”(13).

احتمالات الصراع السياسي في الجزائر

ما تزال الجزائر تعاني حتى أيامنا هذه نتائج الصراع الدموي الذي تفجّر بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ والنظام الحاكم. ربما تكون قدرة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وخبرته قد لعبت دوراً وسيطاً في التهدئة وإجراء المصالحات الوطنية، لكن جذور الصراع السياسي ما تزال حيّةً، فالسلطة التي حاربت الإسلاميين الذين حملوا السلاح بغرض إسقاطها واعتلاء السلطة لم تعمل على فتح الأبواب لتطوير الحياة الاقتصادية والسياسية جدياً في البلاد، بل كيّفت الحياة الاقتصادية وفق قوانين تخدم استمرار سيطرتها وهيمنتها. ولهذا تحتاج الجزائر إلى استراتيجية تنموية حقيقية تضعها جهات خبيرة غير سلطوية، هذه الاستراتيجية تسمح بتغيير واقع الاقتصاد الجزائري وخروجه من نفق الريعية إلى حقول الإنتاج الواسعة. هذا التغيير سيحمل معه تغييرات في مستوى وعي الطبقات الاجتماعية وبحثها عن تمثيلات سياسية تولدها حاجاتها الاقتصادية والسياسية. وهذا يتطلب فصل السلطة عن المؤسسة العسكرية وعن حزب جبهة التحرير الوطني باعتباره حزب سلطة مهيمنة. ويتطلب أيضاً القبول بقواعد عمل سياسي تمنع بالمطلق الاستئثار بالسلطة وتلغي دور الأيديولوجيا في العملية السياسية.

إن القوى السياسية الحالية في الجزائر هي في وضع ليس صحياً نتيجة ضعف الأحزاب وارتباطها إلى درجة ما بالطبقة السياسية الحاكمة. لقد طرح الإسلاميون فكرة أن ينخرط الجيش الجزائري في عملية الانتقال الديمقراطي على قاعدة “أن فكرة الإسلاميين لا تُقصي احتمال دعم بوتفليقة في انتخابات العام المقبل في حال وافق على الترشح مجدداً، وتشمل احتمال تقديم مرشح مستقل أو مقاطعة الرئاسيات”(14).

الصراع السياسي الحالي في الجزائر ما يزال في طور عجز بنيوي، وهو ما يجعل احتمال الصدام المسلح وارداً من جديد ما لم تُقدم الطبقة السياسية الحاكمة على تفعيل الحياة الاقتصادية والسياسية بعيداً عن هيمنتها ومصالحها ومنعاً لوقوع البلاد في دوامة عنفٍ أو في قبضة قوى فاشية.

  • Social Links:

Leave a Reply