الأدب والتاريخ – مفيد نجم

الأدب والتاريخ – مفيد نجم

الأدب والتاريخ

حديث بعض الكتاب عن عدم الاستعجال في الكتابة عن ثورات الربيع العربي، يأتي في سياق تبرير التقصير الظاهر عن الكتابة، التي تستحضر عنف اللحظة وقسوتها وآلام قيامتها العظيمة المغدورة.

عند الحديث عن علاقة الكتابة الروائية بالأحداث التاريخية الكبيرة يطالب الكثير من الروائيين والنقاد بضرورة التأني في الكتابة عنها حتى يمر الزمن الكافي لنضوج الرؤية إليها والتعمق في استيعاب أحداثها.

وعندما نعود إلى تاريخنا المعاصر نلحظ حدثين من أهم أحداثه، لم ينفع مرور عشرات العقود عليهما في نضوج تلك الرؤية، وتمثلها في أعمال أدبية مهمة تليق بضخامة هذين الحدثين، وتأثيرهما الكبير على مسار الأحداث التي عصفت بالواقع العربي في ما بعد.

الحدثان الكبيران اللذان ما زال حضورهما هامشيا في الأدب والسينما العربية، على وجه الخصوص، هما هزيمة يونيو عام 1967 وحرب أكتوبر 1973.

إن عملية إحصاء بسيطة للأعمال التي تناولت هذين الحدثين تظهر محدودية مقاربتهما، من قبل الكتاب والفنانين العرب، وكأن الذاكرة العربية ذاكرة آنية سرعان ما تنسى أو تتناسى، على الرغم من تداعياتهما السياسية الكبيرة حتى زمننا الراهن.

هذه المفارقة التي لا ندري من يتحمل مسؤوليتها الكاتب العربي أم الواقع السياسي العربي الذي لم يترك للكاتب فرصة لالتقاط أنفاسه، على أرض ما زالت تميد به منذ ذلك التاريخ، أم إشغال السلطة له بقضايا أخرى، بعيدا عن الانشغال بهذه الأحداث المصيرية، حتى وصلنا إلى هذه المرحلة العاصفة.

ما من شك في أن الكاتب العربي يتحمل المسؤولية عن هذا التقصير مهما حاولنا أن نختلق له الأعذار، حتى يمكن القول في ضوء هذه التجربة إن حديث بعض الكتاب عن عدم الاستعجال في الكتابة عن ثورات الربيع العربي، يأتي في سياق تبرير التقصير الظاهر عن الكتابة، التي تستحضر عنف اللحظة وقسوتها وآلام قيامتها العظيمة المغدورة.

هنا يمكن التوقف عند مفارقة أخرى كشفت عنها الكتابة الروائية، تجلت في أن الروائيين الشباب كانوا أكثر جرأة في هذه المغامرة، سواء على صعيد تناول هذا الموضوع، أو توظيف أساليب السرد وتقنياته المختلفة. الروائيون الأكبر سنا كانوا على العكس ربما بانتظار اختمار الرؤية إلى الواقع، والسؤال ألا يكفي ما يقارب الثماني سنوات لمثل هذا الاختمار وبلورة رؤية عميقة، تستحضر خلفيات هذه الانتفاضات وأبعادها الإنسانية والسياسية والاجتماعية والفكرية المختلفة.

لكن إذا كانت حربا يونيو وأكتوبر على ضخامة أحداثهما لم يتركا أثرهما المطلوب على الوعي الأدبي العربي لأجيال عديدة كما كان مأمولا، فما الذي سيقنعنا أن هذا الوعي لن يتعامل بعد عقد أو عقدين من الزمن مع زلزال هذه الانتفاضات، كما تعامل مع ذلك الحدثين.

لذلك يبقى السؤال الملح عن علاقة الوعي الأدبي بالتجربة السياسية والوجودية العربية، والقدرة على تمثل وتمثيل هذه الأحداث الكبيرة أدبيا؟

مفيد نجم

  • Social Links:

Leave a Reply