المقاومة بالأمل في حرب الردة على الربيع العربي – سامح المحاريق

 المقاومة بالأمل في حرب الردة على الربيع العربي – سامح المحاريق

 المقاومة بالأمل في حرب الردة على الربيع العربي

  سامح المحاريق

تبدأ أحداث رواية «البؤساء» للفرنسي فيكتور هوغو سنة 1815، بعد أكثر من ربع قرن من الثورة الفرنسية، في عالم تغيب فيه تماماً مبادئ تلك الثورة، فأي حرية ومساواة وإخاء في عالم أعطاه هوغو ببساطة عنوان البؤس، فهل يعني ذلك فشل الثورة الفرنسية؟

بدون أن نستبق الإجابة، فالضروري هو بيان أن الثورة ليست حدثاً منفصلاً في التاريخ، هي نقطة تحول تفتتح مرحلة كاملة من التحولات، وفي فرنسا، وبعد ثورتها الصاخبة التي غيرت وجه فرنسا وأوروبا والعالم، فإن الثورة لم تكن لتعتبر ناجزة سوى في نهايات القرن التاسع عشر، أي أن مسيرة الثورة استغرقت قرناً كاملاً لتصل إلى أهدافها، وحتى بالنسبة للمؤرخين المتعنتين، فإن الثورة الفرنسية ليست فعلاً منتهياً على الإطلاق، بل يمكن أن يعتبر اعتذار الرئيس الفرنسي ماكرون مؤخراً عن أعمال التعذيب الوحشية في الجزائر جزءاً من الثورة، واقتراباً من أهدافها وشعاراتها الكبرى.

يتعلق المدخل السابق بالربيع العربي، حيث تلتهم الثورات المضادة والثقوب السوداء للدولة العميقة فكرة الثورة، وتؤسس لظروف تثير الحنين لما قبل الثورة، وتدفع بظواهر مثل (إحنا آسفين يا ريس) و(يرحم أيامك يا معمر) إلى السطح، ومع ذلك فاليأس في هذه المرحلة خيانة، وسقوط في خديعة نهاية اللعبة. تنتاب مشاعر الندم وحمى المراجعة الكثيرين، ومنهم من شارك باندفاع وحماس، أو بأضعف الإيمان في ثورات الربيع العربي. ووراء هذه الردة العديد من الأسباب الوجيهة، تتخذ أقنعة الأوضاع الاقتصادية الرديئة، والانتكاس في الحريات، الذي تحركه السلطة الخائفة، واحتمالات الفوضى الكامنة بعد تعرية بعض من شاركوا في الثورات، ليظهروا بأنهم ليسوا سوى مجموعة من الفارغين أو المنتفعين أو المتهافتين أو الانتهازيين، أو ذلك كله مترابطاً في عجينة أظهرت استغلاق الحلول والهاوية وراء الأفق.

انتقت الدولة العميقة ممثلين يحملون الهشاشة الكاملة، لتقدمهم في محاولة خلق نوع من المشاركة كان يوحي بالرغبة في الإحلال أو الإصلاح، وعملت على تشويههم وشيطنتهم من خلال أدوات الإعلام المختلفة، وحصلت الأنظمة على شماعة الثورة والاضطرابات المتعلقة بها لتضع عليها بكل استهتار التراجع الاقتصادي، ولكن الخطورة ليست في ذلك، ولكن في استنزاف الأمل لدى الإنسان العربي، وجعله يتحسس رأسه وجيبه حين يسمع بالثورة في استغلال للعوز الكبير في الوعي والمعرفة على مستوى المجتمع.

حصلت الأنظمة على بعض النماذج السلبية جداً للثوار، ولمحركي الجماهير وصانعي الرأي في الميادين وداخل الثورات وعلى هامشها، ولكن ما يفوتهم، وإن كان سين أو صاد موصومين من البداية، فإن ذلك لا يمكن تعميمه على الملايين التي خرجت تهتف من أجل الحرية والعدالة، ليسوا بالطبع خونة أو مأجورين، ولم يتحول فرع مطاعم الدجاج الشهير إلى معسكر تمويني للثوار تدفع فاتورتهم القوى الغربية المتآمرة، التي احتفظت الأنظمة البديلة، وليس الجديدة بأي حال، بالعلاقة المتميزة معها، بل قدمت الكثير من التنازلات لاسترضائها. تجري حروب الردة على الربيع العربي دون هوادة، وأبناء الربيع أنفسهم الذين تعطلوا ذهنياً ونفسياً عند محطة الثورة السورية، بعد أن خرجوا يحتفلون بثورات تونس ومصر، يتم استغلالهم جزءاً من الثورة المضادة، فالأمور اختلطت في إطار الصراع التنظيري حول سوريا، وانقسم أبناء الربيع حوله ليروا ما حدث في مصر ثورة، وما كان ليحدث في سوريا مؤامرة، وتناست الأغلبية، أن الصراع الفكري حول سوريا كان يتمثل في وضع احتمالات تقسيم سوريا وتشظيتها إلى دويلات، وهو ما كان فعلاً على الأرض مع دويلة «داعش»، وهو الأمر الذي رفضه الضمير القومي جملةً وتفصيلاً، وضاعت ضمن هذه المعتركات الحقوق التي يستحقها السوريون في حياة كريمة خارج تراث الدولة البوليسية.

الثورة ليست حدثاً منفصلاً في التاريخ، هي نقطة تحول تفتتح مرحلة كاملة من التحولات

ينظر البعض للدولة البوليسية بوصفها قدراً لا مناص عنه، ووسيلة ناجعة في الحكم في الدول العربية، ويقدمون نموذج صدام حسين والمنجزات التي حققتها دولته المركزية الاستبدادية في مقارنة مع ما يشبه الدولة في العراق حالياً، ويسوغ ذلك حتى لبعض المثقفين التنظير في مساحة وجود خلل جيني لدى الشعوب العربية، يحول دون تمكينها من الديمقراطية، متناسين أن الإدانة هي لأنظمة ما بعد الاستعمار التي لم تذهب في مشروع تنويري أو نهضوي، وأبقت على آفات القبيلة داخل الدولة.

بقيت آثار من القبائل الغالية والجرمانية قائمة حتى اليوم، ولكن في محلات التحف والتذكارات ورسوم الكرتون، تحولت إلى فلكلور محبب وذي صبغة جمالية، واستطاعت أوروبا أن تعيد قبائلها إلى قوميات وجدت في الفاشية القومية تحققها، ولكن ذلك كان عابراً أمام وجود تراث تنويري متراكم، ومسؤولية المثقفين هي أن يحترفوا الأمل في مواجهة النظريات العائمة، مثل نظرية الخلل الجيني وترهات القبائل والطوائف.

الربيع العربي لم يصل بعد إلى نهايته، فالثوار في الميادين علقوا الجرس في رقبة القط وتحملوا كل شراسته، ولكن القط تحديداً لا يستسلم بسهولة، وله كما يقال سبع أرواح، أخذت الأولى منها في تونس والقاهرة، وستبقى الثورة كامنة وسهلة الاستثارة بين برهة وأخرى، والبرهة أو اللحظة التاريخية يمكن أن تستمر لعقد أو عقدين من الزمن. يخادع المنظرون في حديث الأجيال، ويطالبون بأن يعطي الوقت كلمته الأخيرة، وفي الحقيقة، فالعالم العربي عايش جيلين فقط خلال سبعين عاماً مضت، جيل الاستقلال الساذج والمراهق في رؤيته العالم، وجيل النكسة المهزوم والمنافق في علاقته مع نفسه والآخر، والجيل الأخير ولد في الميادين، وما زال طفلاً صغيراً يمكن تشتيت انتباهه وخداعه بغير كثير من الجهد، ولكنه ما زال يعيش تجربة الوعي في عالم يتآمر من أجله بما وضعه من إمكانيات للتواصل، ستبقى دائماً أنفاقاً تحت الأسوار العالية في رحلة الهروب للمستقبل. يقظة المثقفين العرب مطلوبة بوصفهم الفئة الوحيدة التي يمكنها أن تنغص على الغول الإعلامي حملته المنظمة والواسعة في تشويه المفاهيم، والمثقف بالطبع ليس ذلك المشتغل بالثقافة، ولكنه الشخص الذي يمتلك حدوداً مقبولة للوعي والمعرفة، وكما أشرت، وسأظل أذكر، بأن الأمل ليس خياراً يمكن التخلي عنه أو استبداله، فالأمل هو قدر، وليس بوسعنا أن نظل نراقب وبصمت لعبة قلب المفاهيم وتشويهها، وليس أمامنا سوى أن نبقى نذكر بأن الربيع أتى ولا يمكن لأحد أن يعيد الزمن إلى الوراء، لأن ذلك يعني أن نستسلم لمنطق الأخبار العاجلة وأن نصبح متلقين سلبيين لما يحدث في العالم، فالأمر ليس موضة أو هوجة وانتهت، ولكنه مولود جديد يخطو على أرض مليئة بالمخاطر والفخاخ، وعلينا أن نحميه لأنه يمثل المستقبل الوحيد الذي يمكن أن نقدمه بمسؤولية للجيل القادم.

كاتب أردنيالمقاومة بالأمل في حرب الردة على الربيع العربي

منذ 10 ساعات

 المقاومة بالأمل في حرب الردة على الربيع العربي

  سامح المحاريق

 0   حجم الخط

تبدأ أحداث رواية «البؤساء» للفرنسي فيكتور هوغو سنة 1815، بعد أكثر من ربع قرن من الثورة الفرنسية، في عالم تغيب فيه تماماً مبادئ تلك الثورة، فأي حرية ومساواة وإخاء في عالم أعطاه هوغو ببساطة عنوان البؤس، فهل يعني ذلك فشل الثورة الفرنسية؟

بدون أن نستبق الإجابة، فالضروري هو بيان أن الثورة ليست حدثاً منفصلاً في التاريخ، هي نقطة تحول تفتتح مرحلة كاملة من التحولات، وفي فرنسا، وبعد ثورتها الصاخبة التي غيرت وجه فرنسا وأوروبا والعالم، فإن الثورة لم تكن لتعتبر ناجزة سوى في نهايات القرن التاسع عشر، أي أن مسيرة الثورة استغرقت قرناً كاملاً لتصل إلى أهدافها، وحتى بالنسبة للمؤرخين المتعنتين، فإن الثورة الفرنسية ليست فعلاً منتهياً على الإطلاق، بل يمكن أن يعتبر اعتذار الرئيس الفرنسي ماكرون مؤخراً عن أعمال التعذيب الوحشية في الجزائر جزءاً من الثورة، واقتراباً من أهدافها وشعاراتها الكبرى.

يتعلق المدخل السابق بالربيع العربي، حيث تلتهم الثورات المضادة والثقوب السوداء للدولة العميقة فكرة الثورة، وتؤسس لظروف تثير الحنين لما قبل الثورة، وتدفع بظواهر مثل (إحنا آسفين يا ريس) و(يرحم أيامك يا معمر) إلى السطح، ومع ذلك فاليأس في هذه المرحلة خيانة، وسقوط في خديعة نهاية اللعبة. تنتاب مشاعر الندم وحمى المراجعة الكثيرين، ومنهم من شارك باندفاع وحماس، أو بأضعف الإيمان في ثورات الربيع العربي. ووراء هذه الردة العديد من الأسباب الوجيهة، تتخذ أقنعة الأوضاع الاقتصادية الرديئة، والانتكاس في الحريات، الذي تحركه السلطة الخائفة، واحتمالات الفوضى الكامنة بعد تعرية بعض من شاركوا في الثورات، ليظهروا بأنهم ليسوا سوى مجموعة من الفارغين أو المنتفعين أو المتهافتين أو الانتهازيين، أو ذلك كله مترابطاً في عجينة أظهرت استغلاق الحلول والهاوية وراء الأفق.

انتقت الدولة العميقة ممثلين يحملون الهشاشة الكاملة، لتقدمهم في محاولة خلق نوع من المشاركة كان يوحي بالرغبة في الإحلال أو الإصلاح، وعملت على تشويههم وشيطنتهم من خلال أدوات الإعلام المختلفة، وحصلت الأنظمة على شماعة الثورة والاضطرابات المتعلقة بها لتضع عليها بكل استهتار التراجع الاقتصادي، ولكن الخطورة ليست في ذلك، ولكن في استنزاف الأمل لدى الإنسان العربي، وجعله يتحسس رأسه وجيبه حين يسمع بالثورة في استغلال للعوز الكبير في الوعي والمعرفة على مستوى المجتمع.

حصلت الأنظمة على بعض النماذج السلبية جداً للثوار، ولمحركي الجماهير وصانعي الرأي في الميادين وداخل الثورات وعلى هامشها، ولكن ما يفوتهم، وإن كان سين أو صاد موصومين من البداية، فإن ذلك لا يمكن تعميمه على الملايين التي خرجت تهتف من أجل الحرية والعدالة، ليسوا بالطبع خونة أو مأجورين، ولم يتحول فرع مطاعم الدجاج الشهير إلى معسكر تمويني للثوار تدفع فاتورتهم القوى الغربية المتآمرة، التي احتفظت الأنظمة البديلة، وليس الجديدة بأي حال، بالعلاقة المتميزة معها، بل قدمت الكثير من التنازلات لاسترضائها. تجري حروب الردة على الربيع العربي دون هوادة، وأبناء الربيع أنفسهم الذين تعطلوا ذهنياً ونفسياً عند محطة الثورة السورية، بعد أن خرجوا يحتفلون بثورات تونس ومصر، يتم استغلالهم جزءاً من الثورة المضادة، فالأمور اختلطت في إطار الصراع التنظيري حول سوريا، وانقسم أبناء الربيع حوله ليروا ما حدث في مصر ثورة، وما كان ليحدث في سوريا مؤامرة، وتناست الأغلبية، أن الصراع الفكري حول سوريا كان يتمثل في وضع احتمالات تقسيم سوريا وتشظيتها إلى دويلات، وهو ما كان فعلاً على الأرض مع دويلة «داعش»، وهو الأمر الذي رفضه الضمير القومي جملةً وتفصيلاً، وضاعت ضمن هذه المعتركات الحقوق التي يستحقها السوريون في حياة كريمة خارج تراث الدولة البوليسية.

الثورة ليست حدثاً منفصلاً في التاريخ، هي نقطة تحول تفتتح مرحلة كاملة من التحولات

ينظر البعض للدولة البوليسية بوصفها قدراً لا مناص عنه، ووسيلة ناجعة في الحكم في الدول العربية، ويقدمون نموذج صدام حسين والمنجزات التي حققتها دولته المركزية الاستبدادية في مقارنة مع ما يشبه الدولة في العراق حالياً، ويسوغ ذلك حتى لبعض المثقفين التنظير في مساحة وجود خلل جيني لدى الشعوب العربية، يحول دون تمكينها من الديمقراطية، متناسين أن الإدانة هي لأنظمة ما بعد الاستعمار التي لم تذهب في مشروع تنويري أو نهضوي، وأبقت على آفات القبيلة داخل الدولة.

بقيت آثار من القبائل الغالية والجرمانية قائمة حتى اليوم، ولكن في محلات التحف والتذكارات ورسوم الكرتون، تحولت إلى فلكلور محبب وذي صبغة جمالية، واستطاعت أوروبا أن تعيد قبائلها إلى قوميات وجدت في الفاشية القومية تحققها، ولكن ذلك كان عابراً أمام وجود تراث تنويري متراكم، ومسؤولية المثقفين هي أن يحترفوا الأمل في مواجهة النظريات العائمة، مثل نظرية الخلل الجيني وترهات القبائل والطوائف.

الربيع العربي لم يصل بعد إلى نهايته، فالثوار في الميادين علقوا الجرس في رقبة القط وتحملوا كل شراسته، ولكن القط تحديداً لا يستسلم بسهولة، وله كما يقال سبع أرواح، أخذت الأولى منها في تونس والقاهرة، وستبقى الثورة كامنة وسهلة الاستثارة بين برهة وأخرى، والبرهة أو اللحظة التاريخية يمكن أن تستمر لعقد أو عقدين من الزمن. يخادع المنظرون في حديث الأجيال، ويطالبون بأن يعطي الوقت كلمته الأخيرة، وفي الحقيقة، فالعالم العربي عايش جيلين فقط خلال سبعين عاماً مضت، جيل الاستقلال الساذج والمراهق في رؤيته العالم، وجيل النكسة المهزوم والمنافق في علاقته مع نفسه والآخر، والجيل الأخير ولد في الميادين، وما زال طفلاً صغيراً يمكن تشتيت انتباهه وخداعه بغير كثير من الجهد، ولكنه ما زال يعيش تجربة الوعي في عالم يتآمر من أجله بما وضعه من إمكانيات للتواصل، ستبقى دائماً أنفاقاً تحت الأسوار العالية في رحلة الهروب للمستقبل. يقظة المثقفين العرب مطلوبة بوصفهم الفئة الوحيدة التي يمكنها أن تنغص على الغول الإعلامي حملته المنظمة والواسعة في تشويه المفاهيم، والمثقف بالطبع ليس ذلك المشتغل بالثقافة، ولكنه الشخص الذي يمتلك حدوداً مقبولة للوعي والمعرفة، وكما أشرت، وسأظل أذكر، بأن الأمل ليس خياراً يمكن التخلي عنه أو استبداله، فالأمل هو قدر، وليس بوسعنا أن نظل نراقب وبصمت لعبة قلب المفاهيم وتشويهها، وليس أمامنا سوى أن نبقى نذكر بأن الربيع أتى ولا يمكن لأحد أن يعيد الزمن إلى الوراء، لأن ذلك يعني أن نستسلم لمنطق الأخبار العاجلة وأن نصبح متلقين سلبيين لما يحدث في العالم، فالأمر ليس موضة أو هوجة وانتهت، ولكنه مولود جديد يخطو على أرض مليئة بالمخاطر والفخاخ، وعلينا أن نحميه لأنه يمثل المستقبل الوحيد الذي يمكن أن نقدمه بمسؤولية للجيل القادم.

كاتب أردني

  • Social Links:

Leave a Reply