موحسن، مرة أخرى! – معتز الشيخ

موحسن، مرة أخرى! – معتز الشيخ

لمحة عن تاريخ #موحسن النضالي والثوري وبيان سبب تسمية موحسن باسم (موسكو الصغرى) السبب الذي يجهله الكثيرون ومنهم البعض من أبناء موحسن نفسها

.

بقلم الدكتور Mumtaz Alsheikh

.

موحسن، مرة أخرى!

يا جميل* أشوفك بديــــن شبعــان ومالك بحالنا

جنّب عن الحــاوي يمين نريـد نعــــيّش عيالنا.

التاريخ يعيد نفسه ، مرة على شكل ملهاة، وأخرى على شكل مأساة، هكذا وجد الفيلسوف الألماني هيغل التاريخ، وقد بنت الشيوعية جزء من اساسها الفلسفي على ذلك. 

وهذه موحسن التي بالرغم من أنها أصبحت (إدارياً) مدينة، لكن أهلها لازالوا يفضلون تسميتها بالقرية… فهم يحنّون إلى طبع الصفاء والمحبة.

يعرفها البعض باسم (موسكو الصغرى) نتيجة للطباع الثورية التي جبلت سكانها ( وقد تحدثت “صوت موسكو” ذات مرة عن ثورة أهالي موحسن ضد الاقطاع كنموذج نادر في المنطقة، ويعزو بعضهم سبب تسمية القرية بموسكو الصغرى إلى هذا ، كما كتبت كثير من صحف ذلك الوقت عن (قومة موحسن) من خلال العريضة التي تقدم بها وفد موحسن إلى الصحف الدمشقية ونشرتها جريدة بردى الدمشقية و جريدة الصرخة اللبنانية الشيوعية في عددها الصادر 16 تموز 1954 وبالفعل ثار أهالي موحسن على الاقطاع المتمثل آنذاك بـ ( ابن هنيدي – محمد سعيد هنيدي وابنه جميل) أول مرة في العام 1946 (قومة موحسن الاولى) حين منع الفلاحون مرور سواقي الهنيدي باراضيهم (الزور والنحامة) إلى ارض الحاوي المسجلة باسم ابن هنيدي حديثا بعد ان كانت املاك دولة، وكان العرف الفلاحي يعتبرها ملكا لاهالي موحسن وعندما يئس ابن هنيدي من مواجهة الاهالي وشراستهم عمل على حيلة في مبادلة نصف ارض الحاوي بنصف ارض النحامة بمساعدة بعض وجهاء موحسن الذين تواطأوا مع ابن هنيدي.

في تلك الاجواء كانت عواطف الفلاحين وأبنائهم الذين تلقوا العلم تتجه في اوائل خمسينيات القرن الماضي نحو الافكار الاشتراكية التي سرعان ما أعجبت أهل القرية وانتشرت بسرعة في أوساطها بمساعدة المعلم الشيوعي القادم من دير الزور ممدوح عباس (العام الدراسي 1952 – 1953) ولهذا أصبح تحرك الفلاحيين تلك الاثناء موجها مسلحا بالفكر السياسي في مقاومة المرتزقة من الاقطاع، حاول ابن هنيدي صد هجوم فلاحي موحسن ضده عبر استئجار مئة من الرجال المرتزقة الذين كان قد أغراهم واستأجرهم بمبلغ يومي قدره (25) ليرة خصيصاً من حلب وحطلة لدحر إرادة الفلاحين، وعندما لم ينفع الأمر استنجد ابن هنيدي بقريبه الوزير عبد الرحمن هنيدي الذي كان وزيرا للزراعة في حكومة الشيشكلي، وادخل الوزير عبد الرحمن هنيدي في روع رئيس الجمهورية الشيشكلي أن تحرك موحسن هو في حقيقته ثورة ضد الحكومة وهو مؤامرة شيوعية تحاك ضده قبل انتخابه رئيسا للجمهورية بقليل فارسل أديب الشيشكلي أخاه الضابط صلاح الشيشكلي ،- مهرب الحشيش و رئيس الهجانة (قوى الامن في البادية) الذي كان على صلة حميمة مع آل هنيدي، كما دعم توجههم هذا في القضاء على النزعة الثورية لأهالي موحسن محافظ دير الزور في تلك الفترة عبد الكريم العايدي الذي وقف إلى جانب آل هنيدي إذ كان لا يرد لهم طلباً بسبب العلاقة الحميمة والهدايا التي تغدق عليه منهم.

(بيطار) هي كنية الضابط الوحيد المتعاطف مع الاهالي, وهو من عداد الحملة فأخبرهم سراً بموعد دخول قوات الدرك إلى القرية فاستعدوا وواجهوها بنجاح بالرغم من الاعتقال والتنكيل بالاهالي إلى درجة تجميع الموقوفين في الحاوي تحت العراء وربطهم بالحبال وسوقهم إلى السجون وبعد أن حولوا المساجين إلى المحكمة في السرايا القديمة تم الافراج عنهم وانطلقوا في الشارع متعاضدين فخورين بسجنهم النضالي وحمود العبدالله (العواشي) ينشد لهم بأهازيجه الارتجالية الحماسية:

يا جميل* أشوفك بديــــن شبعــان ومالك بحالنا

جنّب عن الحــاوي يمين نريـد نعــــيّش عيالنا.

ولشدة حماس الفلاحين الخارجين للتو من السجن التف اليهم بعض أهالي مدينة دير الزور تضامنا معهم ورافقوهم حتى وصلوا إلى كراج موحسن (كراج أبو أديب).

بعد قومة أهالي موحسن 1953رفض ابن هنيدي سقاية أراضي فلاحي القرية عن طريق المحركات التي كان يمتلكها انتقاما وضغطا على الفلاحين للتراجع عن موقفهم منه، لكن الأهالي قاموا بتأسيس شركة أهلية وكانت في وقتها النموذج الوحيد في وادي الفرات وبلغ عدد أسهمها (105) أسهم دفع الفلاحون ثمنها بعد ان باعوا حلي نسائهم و ممتلكاتهم من المواشي، واشتروا بالمال هذا محركين وجرارين، بقيت هذه الشركة الاهلية قائمة حتى صدور قانون الاصلاح الزراعي فتحولت إلى جمعية تعاونية بموجب القوانين الصادرة عام 1959، لهذا السبب وغيره من التواريخ النضالية الكثيرة لأهالي موحسن التي شكلت نموذجا نضاليا فريدا من نوعه في وادي الفرات بل في سورية بأجمعها،وهذا السبب (حسب راي الباحث عبدالله حنا) مضافاً إليه الانتشار الواسع للحزب الشيوعي في القرية دفع بعضهم لاطلاق اسم (موسكو الصغرى) على قرية موحسن تعبيرا عن روحها النضالية المعقلنة في مرحلة مبكرة من تاريخ البلاد بعد استقلالها.

________________

* جميل: هو ابن محمد سعيد هنيدي وقد ورث عن والده أعماله واقطاعياته وكان أكثر قسوة من أبيه على الفلاحين.

  • Social Links:

Leave a Reply